فقه الاستشفاء الحضاري (4)
هندسة الزمن.. عن المسؤولية العابرة للأجيال
إن أخطر ما يصيب
الدول في سياق سنة الاستبدال انحصار رؤية صناع القرار في حدود اللحظة الراهنة؛ حيث
يصبح الحاضر عدوا للمستقبل، وتؤكل الموارد استجابة لشهوات الاستهلاك الآني، حيث إن
العدالة في ميزان الشريعة ليست لحظية، بل هي عدالة ممتدة في الزمن، وكما في الحديث
الشريف: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.
وإذا كان الوازع
الجبلي يحمل الإنسان على الادخار لأبنائه وأحفاده ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإن
هذا الوازع قد يغيب عن مؤسسات رسمية أو استثمارية، فتراها لا تراعي حق الأجيال تحت
ضغط تلبية حاجات اللحظة الراهنة، أو بإنفاق الموارد من غير التفات إلى سلم
الأولويات المقاصدي؛ فتعطي الأولوية لما هو دون الحاجيات من مكملات التبسط
والكماليات، مهملة التنمية الحقيقية.
ولنا في الواقع
الاقتصادي المعاصر أمثلة صارخة على هذا الاختلال؛ حين تستنزف مئات الملايين من
ميزانيات الدول في تنظيم المهرجانات والحفلات والفعاليات الاستهلاكية الضخمة، بحجة
الترويج أو تخليد مناسبات عابرة، هذه الأموال –في لغة الاقتصاد– هي بغالبيتها
نفقات محترقة أثرها لحظي يتبخر بانتهاء الحدث، في حين أن توجيهها وفق هندسة مالية
مستدامة كان يكفي لتأسيس «استثمارات خضراء» ومشاريع إنتاجية تغير وجه المستقبل.
وبلغة الأرقام
وتقييم الأثر؛ فإن كلفة مواسم احتفالية باذخة (التي قد تتجاوز ميزانياتها مئات
الملايين من الدولارات)، تكفي لبناء محطات كبرى لتوليد الطاقة الشمسية تنتج مئات
الميجاوات؛ ما يخفض كلفة فاتورة الطاقة على القطاع الصناعي، ويحمي البيئة من
الانبعاثات، أو تكفي لتوطين مصانع تكنولوجية وبنية تحتية زراعية ذكية تضمن الأمن
الغذائي، إن هذه التنمية الخضراء هي التي تخلق آلاف الوظائف الحقيقية والمستدامة
للشباب، وتورثهم أصولاً مدرة للدخل بدلاً من إيراثهم ديوناً سيادية بلا رصيد.
إن هذا الخلل في
الميزان؛ بتقديم التحسيني العابر على الضروري المستدام، يعد إخلالاً جوهرياً بمبدأ
الاستخلاف الذي أودع الله بموجبه الأرض أمانة لدى القائمين عليها، وتفريطاً بحقوق
أجيال لم تولد بعد، وهذا التفريط يؤسس لـ«مسؤولية تقصيرية» واضحة؛ فالقاعدة
الفقهية والقانونية تقرر أن المسؤولية كما تترتب على الفعل الإيجابي الضار، فإنها
تترتب كذلك على الترك والامتناع عن أداء الفعل الواجب لبناء أسس النماء والبقاء.
تجذير الاستدامة.. من الموعظة إلى التشريع
إن رعاية
الأجيال القادمة ليست ترفاً فكرياً، بل هي تكليف شرعي ينبع من مفهوم الاستخلاف،
وكما يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالْإِيمَانِ) (الحشر: 10)، فإن منطق الإيمان يقتضي اتصالاً عضوياً بين من سلف ومن
خلف، حيث يغدو كل جيل حارساً لأمانة الجيل الذي يليه.
إن هذه الأمانة
تفرض على المؤسسات أن تنظر إلى الموارد لا كأصول سائلة للإنفاق، بل كودائع
استؤمنوا عليها؛ ما يستوجب تحويل مفهوم الاستدامة من حكمة أخلاقية تتداول في
المواعظ إلى ضابط تشريعي يحاسب عليه صانع القرار والموظف العام، والمستثمر على حد
سواء.
عبقرية عمر.. أراضي السواد كنموذج دستوري
لقد قدم الفاروق
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أروع نموذج للتشريع المستقبلي حين رفض تقسيم أراضي
السواد (العراق) على الفاتحين، وجعلها وقفاً للأمة قاطبة، لقد أدرك ببصيرة أصولية
ثاقبة أن تقسيم الأرض يعني إثراء جيل واحد وإفقار كل من سيأتي بعدهم؛ فكان قراره
تأسيساً مبكراً للعدالة بين الأجيال، حيث حفظ الموارد لضمان استمرار معيشة آخر
الناس، لم يكتف عمر بحماية الموارد فحسب، بل أراد أن يغرس في وعي الأمة أن السيادة
الجغرافية مرتبطة بالعدالة الزمنية؛ فالدولة التي تستهلك رأس مالها الطبيعي اليوم
هي دولة تقترف جريمة بحق أجيالها المستقبلية، تماماً كما تقترفه حين تهدر كرامة
أفرادها الحاضرين.
هندسة الاستدامة.. من الفكرة إلى المؤسسة
لتحويل هذه
الروح إلى واقع دستوري يحمي الدولة من التآكل الزمني، نقترح مأسسة المسؤولية عبر
الآليات التالية:
1- الدستورية
الاستدامية: إدراج مبدأ المسؤولية تجاه الأجيال القادمة كقيد جوهري في الدستور،
يمنع المشرع من اتخاذ قرارات تهدد الموارد الأساسية أو تحمل الأجيال القادمة ديوناً
سيادية بلا أصول تنموية.
2- تقييم الأثر
المستقبلي: إلزام أي تشريع أو مشروع كبير بتقديم دراسة أثر طويلة الأمد؛ للتأكد من
عدم تحميل الأجيال القادمة أعباء بيئية أو اقتصادية لا قبل لهم بها، مع اشتراط
التسبيب المنضبط.
3- آلية الحماية
المؤسسية: إنشاء مجلس لأمناء المستقبل يتمتع بصلاحية الطعن أمام القضاء الدستوري
في القوانين التي تخل بمبدأ الاستدامة، ليكون صوتاً مسموعاً لمن لم يولدوا بعد،
وضامناً لعدم انحراف السلطة نحو الاستهلاك السياسي قصير المدى.
4- تفعيل فقه
الوقف المستدام: تطوير نماذج استثمارية حكومية تدار كأوقاف عابرة للأجيال، تضمن
عوائد مستقرة بعيداً عن تقلبات الموازنات السنوية الخاضعة لضغوط الحاضر.
استرداد الأمانة
إن العدالة
الحقيقية تمتد لتشمل من سبقونا، ومن نعيش معهم، ومن سيأتون بعدنا، حيث إن دمج
المسؤولية تجاه الأجيال في تشريعاتنا التجسيد الحي لحكمة الماضي في بناء مستقبل
مستدام، إننا لا نعد الأجيال القادمة غرباء علينا، بل هم شركاؤنا في أمانة
الاستخلاف، والعدل معهم هو الميزان الذي يثبت به البنيان الحضاري في وجه عواصف
الزوال.
إنها الضمانة
الأخيرة لكيلا تبلغ الأمة ذروة التحلل الذي يترصده قانون الاستبدال، ولتظل أمانة
الأرض محفوظة، تتوارثها الأجيال عزة ومنعة، لا عوزاً وتكففاً، فالمسؤولية الزمنية
هي الاختبار الحقيقي لمناعة الدولة، وهي الفارق بين أمة تبني للمستقبل وأمة تقتات
على أصول أحفادها.
وبهذا نكون قد
أقمنا هندسة الزمن، وحمينا مقدرات الأجيال القادمة، غير أن هذا البنيان، بفضائه
وزمانه، يظل بحاجة إلى سياج أخير يحميه من طغيان القوة الخشنة وسطوة رأس المال.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً