فرج بعد شدة .. وحكاية الكاتب الوزير الذي حبس زملاءه الكتاب

فرج بعد شدة .. وحكاية الكاتب الوزير الذي حبس زملاءه الكتاب

حكى الكاتب سليمان بن وهب قال: كنتُ أنا وأبو العباس أحمد بن الخطيب، مع خلقٍ من العمال والكُتَّاب، معتقلين على يدي محمد بن عبد الملك بن الزيات، في آخر وزارته للواثق، نطالب ببقايا مصادراتنا، ونحن آيسُ ما كنا من الفرج.

إذ اشتدت علة الواثق، وحُجب ستة أيام عن الناس، فدخل عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد القاضي، فقال له الواثق: يا أبا عبد الله -وكان يكنيه- ذهبت مني الدنيا والآخرة.

قال: كلا يا أمير المؤمنين.

قال: بلى؛ أما الدنيا فقد ذهبت مني بما ترى من حضور الموت، وذهبت مني الآخرة بما أسلفت من العمل القبيح، فهل عندك من دواء؟

قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد غرَّك محمد بن عبد الملك الزيات في الكُتَّاب والعمال، وملأ بهم الحبوس، ولم يحصل من جهتهم على كبير شيء، وهم عدد كثير، ووراءهم ألفُ يدٍ ترفع إلى الله تعالى بالدعاء عليك، فتأمر بإطلاقهم؛ لترتفع تلك الأيدي بالدعاء لك، فلعل الله أن يهب لك العافية، وعلى كل حال فأنت محتاج إلى أن تقلَّ خصومك.

فقال: نعم ما أشرتَ به، وقِّع عني إليه بإطلاقهم.

فقال: إن رأى خطي عاند ولَجَّ، ولكن يغتنم أمير المؤمنين الثواب، ويتساند، ويحمل على نفسه، ويوقع بخطه.

فوقَّع الواثق بخط مضطرب إلى ابن الزيات بإطلاقهم، وإطلاق كل من في الحبوس، من غير استئمار ولا مراجعة.

فقال ابن أبي دؤاد: يتقدم أمير المؤمنين إلى إيتاخ أن يمضي بالتوقيع، ولا يدعه يعمل شيئًا أو يطلقهم، وأن يحول بينه وبين الوصول إليك، أو كتابة رقعة، أو الاشتغال بشيء ألبتة، إلا بعد إطلاقهم، وإن لقيه في الطريق أنزله عن دابته، وأجلسه على غاشيته في الطريق، حتى يفرغ من ذلك.

فتوجه إيتاخ -قائد عسكري-، فلقي ابن الزيات راكبًا يريد دار الخليفة.

فقال له: انزل عن دابتك، واجلس على غاشيتك.

فارتاع، وظن أن قد وقع به الحال، فنزل، وجلس على غاشيته، فأوصل إليه التوقيع، فامتنع، وقال: إذا أطلقت هؤلاء، فمن أين أنفق الأموال، وأقيم الأنزال؟

فقال له: لا بد من ذلك.

فقال: أركب إليه فأستأذنه.

فقال: ما إلى ذلك سبيل.

قال: فدعني أكاتبه.

قال: ولا هذا.

فما تركه يبرح من موضعه حتى وقع بإطلاق الناس.

فصار إيتاخ إلينا، ونحن في الحبس آيسُ ما كنا من الفرج، وقد بلغنا شدة علة الواثق، وأنه قد أُرجف لابنه بالخلافة، وكان صبيًّا، فخفنا أن يتم ذلك، فيجعل ابن الزيات الصبي شبحًا، ويتولى التدبير، فيتلفنا، وقد امتنعنا لفرط الغم من الأكل.

فلما دخل علينا إيتاخ، لم نشك أنه قد حضر لبلية، فأطلقنا، وعرفنا الصورة، فدعونا للخليفة، ولأحمد بن أبي دؤاد، وانصرفنا إلى منازلنا لحظة، ثم خرجنا، فوقفنا لأبي عبد الله ابن أبي دؤاد على الطريق، ننتظر عوده من دار الخليفة عشية.

فلما رأيناه ترجلنا له، فقال: لا تفعلوا، وأكبر ذلك، ومنعنا من الترجل، فلم نمتنع، ودعونا له وشكرناه.

فوقف حتى ركبنا، وسايرناه، وأخذ يخبرنا بالخبر، ونحن نشكره، وهو يستصغر ما فعل، ويقول: هذا أقل حقوقكم.

وكان الذي لقيه أنا وأحمد بن الخصيب.

وقال لنا: ستعلمان ما أفعله مستأنفًا.

ثم رجع ابن أبي دؤاد إلى دار الخليفة عشية، فقال له الواثق: قد تبركت برأيك يا أبا عبد الله، ووجدت خفة من العلة، ونشطت للأكل، فأكلت وزن خمسة دراهم خبزًا بصدر دُرَّاج.

فقال له أبو عبد الله: يا أمير المؤمنين، تلك الأيدي التي كانت تدعو عليك غدوةً صارت تدعو لك عشية، ويدعو لك بسببهم خلق كثير من رعيتك، إلا أنهم قد صاروا على دور خراب، وأحوال قبيحة، بلا فرش، ولا كسوة، ولا دواب، ولا ضياع، موتى جوعًا وهزالًا.

قال: فما ترى؟

قال: في الخزائن والاصطبلات بقايا ما أُخذ منهم، فلو أمرت أن يُنظر في ذلك، فكل من وجد له شيء باقٍ من هذا رُدَّ عليه، وأُطلقت لهم ضياعهم، لعاشوا، وخف الألم، وتضاعف الدعاء، وقويت العافية.

قال: فوقع عني بذلك.

فوقع عنه أحمد بن أبي دؤاد.

فما شعرنا من الغد إلا وقد رجعت علينا نعمتنا، ومات الواثق بعد ثلاثة أيام، وفرج الله عنا بابن أبي دؤاد، وبقيت له هذه المكرمة العظيمة في أعناقنا. (الفرج بعد الشدة)

بيان وفوائد:

أهم الشخصيات الواردة في الحكاية:

سليمان بن وهب: وهو أحد الكُتّاب وصاحب الرواية المباشرة لأحداث القصة.

أحمد بن الخطيب: أحد الكُتَّاب الذين اعتقلهم ابن الزيات.

محمد بن عبد الملك الزيات: وزير الواثق، اشتهر بالشدة على الكُتَّاب والعمال، وكان من كبار الكتاب في العصر العباسي.

الواثق بالله: الخليفة العباسي الذي أمر بإطلاق المسجونين في مرض موته.

أحمد بن أبي دؤاد: قاضي القضاة، وكان صاحب المشورة التي أدت إلى إطلاق المسجونين وردِّ أموالهم.

إيتاخ: قائد عسكري بارز، كُلِّف بتنفيذ أمر الخليفة ومراقبة ابن الزيات.

أحمد بن الخصيب: أحد الكُتَّاب الذين أُطلق سراحهم، وذكره الراوي ضمن من كانوا في الحبس.

أهم المعاني:

الكُتَّاب: موظفو الدواوين الذين يتولون كتابة المراسلات والسجلات وإدارة شؤون الدولة.

العُمَّال: ولاة الأقاليم أو جُباة الأموال ومن يتولون الأعمال الإدارية للدولة.

مُعتقلون: محبوسون وممنوعون من الحرية.

المصادرات: الأموال والأملاك التي استولت عليها الدولة قهرًا.

آيسُ ما كنا من الفرج: بلغنا غاية اليأس من الخلاص.

حُجِب عن الناس: مُنع الناس من الدخول عليه بسبب اشتداد مرضه.

يُكنِّيه: يناديه بكنيته، مثل: يا أبا عبد الله.

أسلفتُ من العمل القبيح: قدمتُ من الأعمال السيئة.

الحُبوس: السجون.

من جهتهم: من ناحيتهم أو بسببهم.

وقِّع عني: اكتب أمري الرسمي وخطه على لساني.

ولَجَّ: تمادى في العناد وأصر عليه.

يتساند: يتجلد ويتقوَّى ويتحمل المشقة بنفسه.

استئمار: طلب الرأي أو الاستئذان قبل تنفيذ الأمر.

يمضي بالتوقيع: ينفذ الأمر المكتوب.

يحول بينه وبين الوصول إليك: يمنعه من مقابلة الخليفة.

رُقعة: رسالة قصيرة أو كتاب صغير.

ألبتة: مطلقًا، أو أبدًا.

غاشيته: البساط أو الوطاء الذي يُفرش على ظهر الدابة للركوب، وقد يجلس عليه صاحبه إذا نزل عنها.

ارتاع: اشتد خوفه وفزع.

أُقيم الأنزال: أوفر نفقات الضيافة وإقامة الوفود والجنود، والأنزال جمع نُزُل، وهو ما يُهيأ للنازلين من ضيافة ومؤونة.

يبرح من موضعه: يفارق مكانه.

أُرجف لابنه بالخلافة: أشيع بين الناس أن الخلافة ستؤول إلى ابنه.

شَبَحًا: ستارًا أو واجهةً ظاهرية، يحكم باسمه غيره.

لِفَرْط الغم: لشدة الحزن.

عرفنا الصورة: عرفنا حقيقة الأمر وسببه.

ترجَّلنا له: نزلنا عن دوابنا احترامًا له.

أكبر ذلك: عده أمرًا عظيمًا واستكثره على نفسه.

سايرناه: سرنا معه جنبًا إلى جنب.

يستصغر ما فعل: يعد ما صنعه أمرًا يسيرًا لا يستحق الثناء.

مستأنفًا: فيما سيأتي من الأعمال، أو ابتداءً من الآن.

دُرَّاج: طائر بري معروف، يشبه الحجل، وكان من الأطعمة الفاخرة.

غُدوة: أول النهار.

عشية: آخر النهار قبل الغروب.

الاصطبلات: أماكن حفظ الخيل والدواب.

الضِّياع: الأراضي الزراعية والعقارات التي تدر دخلًا.

خف الألم: زال ما نزل بهم من شدة وضيق.

رجعت علينا نعمتنا: عادت إلينا أموالنا وأملاكنا وأحوالنا الحسنة.

فرَّج الله عنا: كشف ما بنا من كرب وشدة.

المكرمة: الجميل العظيم والفضل الذي يُحفظ لصاحبه ولا يُنسى.

بين يدي الحكاية:

قبل أن تصبح هذه الحكاية خبرًا من أخبار العصر العباسي، كانت شهادةً إنسانية على حقيقة تتكرر في كل زمان: أن الأمم لا تضعف حين يكثر فيها الفقر وحده، وإنما تضعف حين يتحول أصحاب الفكر والخبرة إلى خصوم للدولة بدل أن يكونوا شركاء في بنائها. فالنص لا يتحدث عن ثورة ولا عن حرب، وإنما عن كُتَّاب وموظفين وإداريين أُلقي بهم في السجون، وصودرت أموالهم، فامتد أثر ذلك من الأفراد إلى المجتمع، ومن البيوت إلى الدولة نفسها.

وتبدأ القصة في لحظة يختلط فيها اليأس بالخوف؛ فالكُتَّاب المعتقلون لا ينتظرون محاكمة ولا يتوقعون فرجًا، وقد بلغهم أن الخليفة الواثق على فراش الموت، وأن ابنه الصغير قد يُبايَع بالخلافة، فيستمر الوزير محمد بن عبد الملك الزيات في تدبير الدولة، ويشتد بطشه بهم. إنها لحظة تكشف هشاشة الإنسان أمام السلطة حين تنفصل عن العدل، كما تكشف هشاشة الدولة نفسها حين يصبح مصير الناس معلقًا بمزاج وزير أو تغير موازين القوى.

ومن المفارقات في هذه الحكاية أن ابن الزيات وقد كان كاتبا وتقلد بعد ذلك منصبا سياسيا، وهو الوزارة، هو السبب الأول في هذا الظلم، فقد اشتهر في الكثير من الحكايات بالشدة والقسوة والجبروت، المفترض أن يميل إلى رفاق المهنة من الكتاب، إلا أن ما حدث هو العكس تماماً.

ومن اللافت أن بطل القصة الحقيقي ليس الخليفة ولا الوزير، وإنما الفكرة التي طرحها أحمد بن أبي دؤاد. فقد نقل المشكلة من كونها قضية أفراد مسجونين إلى كونها قضية دولة. لم يقل إن هؤلاء مظلومون فحسب، بل قال إن وراءهم "ألف يد ترفع إلى الله"، وإن الخليفة قد كثَّر خصومه بظلمهم. وهنا يرتقي الحوار من مستوى السياسة اليومية إلى مستوى فلسفة الحكم؛ إذ يصبح العدل ضرورةً لاستقرار الدولة، لا مجرد فضيلة أخلاقية.

وتكشف الحكاية كذلك عن مكانة الكُتَّاب في الحضارة العباسية. فهؤلاء لم يكونوا موظفين صغارًا، وإنما كانوا نخبة الإدارة والعقول التي تدير الدواوين وتحفظ المال العام وتكتب المراسيم وتنظم شؤون الدولة. ولذلك فإن سجنهم لم يكن عقوبة لأشخاص بعينهم، بل كان تعطيلًا لخبرات تراكمت عبر السنين. كما أن مصادرة أموالهم لم تؤد إلى إفقارهم وحدهم، بل امتدت آثارها إلى أسرهم وضياعهم ومن يعملون فيها، وهو ما أشار إليه ابن أبي دؤاد حين وصفهم بأنهم صاروا "على دور خراب، وأحوال قبيحة".

وفي هذا المشهد تبرز إحدى الحقائق الاجتماعية الكبرى: إن العقوبة لا تقف عند حدود السجين، بل تمتد إلى كل من يرتبط به. فالكاتب إذا حُرم عمله، أو صودر ماله، أو أُبعد عن موقعه، فإن الضرر يصيب زوجته وأولاده، ويصيب من يعتمدون على خبرته، بل قد يصيب مؤسسات الدولة التي تفقد كفاءاتها. ومن هنا يصبح الظلم قرارًا واسع الأثر، لا حادثة فردية.

كما تكشف القصة عن وجه آخر من وجوه الدولة العباسية، وهو دقة تنظيمها الإداري. فالحديث عن الخزائن والاصطبلات والضياع والحبوس والمصادرات يدل على جهاز إداري متقدم، لكن هذا التقدم نفسه كان يمكن أن يتحول إلى أداة للظلم إذا غابت الرقابة. فالأنظمة مهما بلغت من الإحكام لا تمنع الاستبداد إذا احتكر القرار شخص واحد، ولذلك احتاج الخليفة إلى أن يكلّف إيتاخ بمنع الوزير من الوصول إليه أو حتى من كتابة رسالة، حتى يضمن تنفيذ أمره. وفي هذا دلالة عميقة على أن المؤسسات لا تغني عن التوازن بين السلطات، ولا عن وجود من يحول دون تغول النفوذ الفردي.

أما البعد الديني في القصة فلا يظهر في الوعظ المجرد، وإنما في تحويل الإيمان إلى سلوك عملي. فالخليفة، وهو يواجه الموت، لا يسأل عن دواء لبدنه، وإنما عن دواء لآخرته. وجواب ابن أبي دؤاد لم يكن دعوة إلى كثرة النوافل، بل إلى رد المظالم وإطلاق المسجونين وإعادة الحقوق إلى أصحابها. وهكذا يصبح إصلاح العلاقة مع الناس طريقًا إلى إصلاح العلاقة مع الله، ويغدو رد الحقوق عملًا تعبديًا بقدر ما هو عمل سياسي.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن أثر العدل يظهر قبل أن ينتهي الحدث؛ فالواثق يقول بعد تنفيذ القرار إنه وجد خفة في علته، وأنه استطاع أن يأكل بعد أن كان عاجزًا. وليس المقصود إثبات علاقة سببية بين الأمرين، وإنما تصوير الأثر النفسي العميق الذي يحدثه الشعور بإزالة الظلم. فالضمير الإنساني، مهما اشتد سلطان صاحبه، يبقى محتاجًا إلى الطمأنينة التي يمنحها العدل.

وإذا تجاوزنا إطار العصر العباسي، وجدنا أن هذه الحكاية لا تزال تحتفظ براهنيتها. فالعالم الحديث يعرف صورًا متعددة من التضييق على بعض المثقفين أو الأكاديميين أو الصحفيين أو أصحاب الرأي في بلدان مختلفة، وقد يكون ذلك عبر السجن، أو الفصل من الوظيفة، أو التضييق المهني، أو تجميد الموارد، أو غير ذلك من الإجراءات. وتختلف السياقات القانونية والسياسية من دولة إلى أخرى، ولا يصح تعميم حكم واحد على جميع الحالات، لكن النتيجة التي تشير إليها الخبرة التاريخية تتكرر كثيرًا: حين تخسر الدولة أصحاب الخبرة والكفاءة، فإن خسارتها لا تقتصر على هؤلاء الأفراد، بل تمتد إلى قدرتها على الابتكار والإدارة والتطوير.

فالأمم لا تُبنى بالثروة وحدها، وإنما بالعقول التي تحسن استثمارها، ولا تنهض بالقوانين وحدها، وإنما بالثقة التي تجعل أصحاب الكفاءة يعملون مطمئنين. وكل مجتمع يدفع مثقفيه إلى الصمت، أو يدفع خبراته إلى الهجرة، أو يحول بين المبدعين وبين أداء رسالتهم، يفرط في أحد أهم موارده الاستراتيجية. وقد أثبت التاريخ، قديمه وحديثه، أن رأس المال الفكري لا يقل قيمة عن رأس المال الاقتصادي، وأن خسارته قد تكون أفدح أثرًا وأطول زمنًا.

ولهذا فإن قيمة هذه الحكاية لا تكمن في أنها سجلت حادثة من حوادث البلاط العباسي، بل في أنها قدمت درساً يتجاوز زمانها: إن العدل ليس زينة للحكم، بل شرط لبقاء الدولة؛ وإن الكلمة الحرة والخبرة الصادقة ليستا عبئًا على الأوطان، وإنما من أهم أسباب قوتها. فكل سلطة تكسب عقول أبنائها تكسب المستقبل، وكل سلطة تجعل أهل الفكر خصومًا لها تخسر، قبل أي شيء، فرصة أن يبنوا معها وطنًا أكثر ازدهارًا وعدلًا.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة