سورة «قريش».. التنزُّل المتجدد وصناعة الطمأنينة الحضارية

د. خالد فهمي

07 أبريل 2026

179

«القرآن معجزة لغوية»، كان هذا هو صوت محمد أبي زهرة رحمه الله في المعجزة الكبرى، والحقيقة أن هذا الصوت العلمي يستند إلى ما يتجاوز خبرة الشيخ أبي زهرة وتجربته وتكوينه المعرفي إلى حدود علمية أخرى يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولاً: إلحاح الكتاب العزيز على إعلان هويته بوصفه كتاباً نزل بلسان عربي في أكثر من آية كريمة يقول تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (النحل: 103)، ويقول تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (يوسف: 2).

ثانياً: افتتاح النشاط التفسيري في تاريخ العلم عند المسلمين بالعناية بدراسة مفردات القرآن الكريم فقد قرر فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي في المجلد الذي خصصه لعلم اللغة عند حديثه عن سؤالات نافع بن الأزرق (ت 65 هـ) لابن عباس رضي الله عنهما (ت 68 هـ) أن هذه السؤالات أسست لدراسة المفردات من جانب وأسست للنشاط التفسيري من جانب آخر وهو عمل في لغة الكتاب العزيز.

وكل طموح حقيقي للإفادة من الكتاب العزيز في التهدِّي لحل مشكلات الواقع لا بد أن يتأسس على فحص لغة الكتاب العزيز بوصفه كلام الله تعالى، والمستند في تحليل الكلام هو قواعد اللسان ابتداء وتأسيساً.

ثمة ما يشير إلى أن القرآن بمعنى ما يتنزل من جديد بمعنى صلوحه لحل المشكلات الجديدة التي تطرأ للأجيال المتعاقبة، ومسألة التنزل المتجدد للكتاب العزيز يفتح الباب أمام ما يرد في أصول التفسير عن أن القرآن يفسره الزمان بمعنى أن القرآن في تناوله وتفسيره وتأويله واستلهام حلوله للواقعات يستند إلى ثلاثة أعمدة هي:

أولاً: عماد قواعد اللغة أو اللسان.

ثانياً: عماد قواعد علوم القرآن.

ثالثاً: عماد قواعد الزمان أو الظروف الطارئة التي تهجم على الأمة والأجيال.

إن استثمار هاتين المسألتين السابقتين:

أولاً: القرآن معجزة لغوية.

ثانياً: التنزل المتجدد للكتاب العزيز يقود إلى ضرورة استلهام نصوص الكتاب العزيز للاشتباك مع مشكلات الواقع المأزوم الراهن.

سورة «قريش».. وصناعة وعي الأمة بالنعمة

سورة «قريش» مثال ممتاز يمكن الدخول من خلاله للتهدي به في محاولة لضبط سياقات ملتهبة معاصرة، السورة تتحدث إجمالاً عن المفاصل الآتية:

أولاً: التذكير بما مَنَّ الكتاب على العرب مدة طويلة قبل البعثة النبوية الخاتمة من أمر تيسير حصولهم على الطعام وضرورات الحياة وما يتجاوز ضرورات الحياة وهو الأمر الذي يتحرك به قوله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ {1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ) (قريش)، للدرجة التي استقر فيها أن هاتين الآيتين تعالنان بنعمة الله تعالى على قريش وكرمه في تأمين مطالب الحياة وما تقوم عليه هذه الحياة.

ثانياً: التذكير بأن نعمة تأمين مطالب الحياة جاء مشفوعاً بسياقات الرفاهية وهو المفهوم من استعمال المصطلح القرآني «رحلة»؛ ذلك أن تأمين تحصيل مطالب الحياة جاء محفوفاً بالإمتاع والرفاهة بالسفر إلى جغرافيا المصيف وإلى جغرافيا المشتى شمالاً وجنوباً.

ثالثاً: تأسيس الدعوة إلى الإيمان بعد التذكير بنعمة تأمين مطالب الحياة من بوابة المتعة والرفاهية والرحلة.

رابعاً: الإعلان عن أن طريق حماية الدعوة وتأمين نجاحها هو حماية أمرين جامعين للناس هما:

أ- حماية الجماهير من الجوع أو تأمين الإنسانية بيولوجياً بتأمين الإطعام.

ب- حماية الجماهير من الخوف أو الإنسانية سيكولوجياً وأمنيا بتأمين أمانهم.

إعجاز النظم القرآني في ضبط هرم الاحتياجات

والحقيقة أن التحليل اللغوي للكلمات المفاتيح في السورة الكريمة يمكن أن تقود إلى حزمة من الأمور التي تعين على التشغيل الحضاري في واقع الأمة الراهن والكلمات المفاتيح هي:

1- إيلاف.

2- رحلة.

3- يعبدوا.

4- أطعمهم.

5- آمنهم.

إن الإيلاف أو الإلف في المعجم العربي هو العادة وهو الدليل على استقرار نعمة الله في القوم واستفاضة استمرارها.

والرحلة الانتقال المحفوف بدلالات الإمتاع والإضافة إلى أن الشتاء والصيف صنع طباق استغراق يدل على استيعاب الراحة والمتعة لهم في الزمان.

وليعبدوا: مطلب وأمر يستند حجاجياً إلى ما كان من استقرار أمر النعمة المحصلة لهم؛ وهو ما يجعله لدى ذوي المروءات مطلباً طبيعياً يقوم أمر الاستجابة له مقام الاعتراف بالنعمة والشكر العملي عليها.

(الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: 4) نص يتحرك بدلالات إعجازية من التحليل النحوي ذلك أن الترتيب يجعل الإطعام ثم التأمين كاشفا عن وعي أثبته العلم بعد ذلك بقرون يتعلق بهرم الاحتياجات الإنسانية التي تستقر عند قاعدته مطالب المادة البيولوجية وتأمين البدن ثم تترقى درجات الهرم نحو الاستقرار والوجاهة.

السورة الكريمة من المدخل اللغوي تفتح الآفاق أمام إعادة ترتيب الأولويات على طريق استعادة الأمة لذاتها في هذه السياقات الملتهبة.

وهذا النمط من التحليل المعجمي والنحوي طريق عبقرية تأسيسية يمكن أن تبرهن للقارئ المعاصر حقيقة أن القرآن معجزة لغوية بامتياز.

 


اقرأ أيضاً:

إعراب العزة بين مقام الرفع وقطعية الاستخلاف

«حين تبلغ القلوب الحناجر».. إشراقات بلاغية في آيات «الأحزاب»

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة