كيف تهدد «الدعم السريع» تماسك الأسرة السودانية؟
شكلت مناطق
سيطرة «الدعم السريع» كابوسًا مرعبًا يهدد الأسرة السودانية في أمنها وغذائها
وصحتها، حيث تفرغت مجموعات منظمة من قوات التمرد لأعمال اختطاف للبشر والأموال
والمساكن والسيارات وكل ما يمتلكه الإنسان، وتحولت مناطق سيطرة الدعم إلى بؤر
لنشاطات إجرامية منظمة تشمل النهب المسلح، والاختطاف مقابل الفدية، وبيع المنهوبات
في أسواق علنية؛ ما أدى إلى تفشي المجاعة وانهيار الأسر وسيطرة الخوف على المجتمع
السوداني.
وبينما تفرغت
مجموعات قتالية لاحتلال مزيد من مدن السودان، وقعت مناطق السيطرة تحت نفوذ مجموعات
إجرامية متخصصة في النهب والاختطاف باعتباره مسارًا للفخر والثراء.
مناطق الانتهاكات
تعتبر ولايات
دارفور الخمس (جنوب، غرب، شمال، شرق، ووسط) النموذج الأكثر مأساوية لهذه
الانتهاكات، حيث وثقت شهادات حية وتقارير ميدانية تحول المدن إلى ساحات مستباحة،
وشهدت مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور أكبر عمليات نهب للمرافق العامة والخاصة، وتم
استهداف المخازن التجارية ومقار المنظمات الدولية؛ ما أدى إلى فقدان الآلاف لمصادر
رزقهم.
بينما سجلت
مدينة الجنينة عاصمة ولاية دارفور عمليات نهب واختطاف موسعة على أساس إثني، حيث
يتم احتجاز المدنيين ومطالبة ذويهم بمبالغ خرافية للإفراج عنهم؛ ما دفع العديد من
الأسر إلى بيع ممتلكاتها لإنقاذ أبنائها، ونالت قبيلة «المساليد» النصيب الأكبر في
عمليات الانتهاك بأيدي قوات التمرد.
وكانت الطرق
المؤدية إلى مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور تقع بالكامل تحت سيطرة الجماعات
الإجرامية التي تقوم بالسطو على جميع الشاحنات التجارية والإغاثية وتخطف السائقين
والسيارات والأدوية والغذاء وكل ما له علاقة بالبشر.
ولم تخل ولايتا
شرق ووسط دارفور من عمليات النهب المسلح والاختطاف التي أصبحت سمة كل المناطق التي
تقع تحت سيطرة التمرد.
أسواق حميدتي
من أكثر الظواهر
إثارة للصدمة ظهور أسواق غير شرعية تُعرف محليًا بـ«أسواق الدقلو» أو «أسواق
حميدتي»، في هذه الأسواق تُعرض ممتلكات المواطنين المنهوبة بأسعار زهيدة، وتشمل
الأجهزة الكهربائية والأثاث المنزلي المنهوب من منازل الخرطوم والجزيرة وسنار
ومختلف مدن دارفور، إلى جانب بيع السيارات المسروقة دون أوراقها الرسمية بعد تغيير
ملامحها، وتباع في هذه الأسواق أيضًا المحاصيل الزراعية التي تم نهبها من مخازن
المزارعين في كردفان ودارفور.
وتنتشر هذه
الأسواق في مدن «الضعين» و«نيالا» وبعض مناطق شمال كردفان، وتحاول قوات «الدعم
السريع» عبر هذه الأسواق نشر قيم صادمة للمجتمع السوداني الذي ترفض قيمه الدينية
والاجتماعية إضفاء الشرعية على بيع وشراء الأشياء المسروقة في الأسواق العامة.
انهيار الأمن الغذائي
أدت عمليات
النهب الممنهجة في الطرق الرئيسة مثل بارا والأبيض وطريق الإنقاذ الغربي إلى نتائج
كارثية على الوضع المعيشي، حيث توقفت حركة الشاحنات بين المدن بسبب انتشار نقاط
التفتيش غير القانونية التي تفرض مبالغ طائلة أو تصادر الشاحنة بالكامل.
ونتيجة لندرة
السلع وتكلفة المخاطرة العالية، تضاعفت أسعار المواد الأساسية لدرجة عجزت معها
الأسر عن توفير وجبة واحدة في اليوم، وأصبح المواطن حبيس منزله أو حيه، حيث إن
الخروج إلى الطرق السريعة يعني التعرض للاختطاف أو القتل العشوائي؛ ما حرم المرضى
من الوصول إلى المستشفيات والمحتاجين من الوصول إلى مراكز الإغاثة.
تفكيك الأسرة السودانية
لم يقتصر الضرر
على الجانب المادي، بل امتد ليزلزل كيان الأسرة السودانية، ومن النتائج الكارثية
لعمليات النهب المنظم تفكك وانهيار العديد من الأسر السودانية لأسباب مختلفة من
بينها:
- فقدان المعيل؛
حيث أدت عمليات القتل العشوائي والاختطاف إلى فقدان آلاف الأسر لمعيليها؛ ما ترك
النساء والأطفال في مواجهة مباشرة مع الجوع والتشرد.
- النزوح
القسري؛ حيث اضطرت أسر كاملة للنزوح نحو معسكرات تفتقر لأدنى مقومات الحياة؛ ما
أدى إلى تشتت الروابط الأسرية.
- انتشار
الأمراض والمجاعة، ومع توقف الإمدادات الطبية ونهب الصيدليات، تفشت الأمراض في
مناطق دارفور وكردفان، في وقت حذرت فيه منظمات دولية من وصول نسبة الجوعى في هذه
المناطق إلى مستويات كارثية.
تقارير صادمة
تتصدر أعمال
النهب والاختطاف في مناطق سيطرة الدعم السريع واجهة الأحداث في السودان، حيث تشير
أحدث البيانات الميدانية لعام 2026م إلى انهيار أمني غير مسبوق، حيث تم رصد أكثر
من 3500 حالة اختطاف موثقة لمدنيين وتجار، وتُطالب المليشيات بفدية مالية تتراوح
بين 10 - 50 مليون جنيه سوداني مقابل الإفراج المشروط.
وأكدت تقارير
المنظمات الدولية تعرض 45 مستشفى، و60 مستودعًا تابعًا لمنظمات إغاثية دولية مثل
برنامج الأغذية العالمي للنهب الكامل في ولايات دارفور، وسجلت المبادرات المحلية
اختفاء ما يزيد على ألفي شخص في مناطق التماس بدارفور وكردفان، وسط مخاوف من
تصفيتهم جسديًا.
وأصدرت العديد
من المنظمات الدولية بيانات إدانة ضد أعمال النهب والاختطاف، حيث أصدرت الأمم
المتحدة في يناير 2026م تقريرًا أكدت فيه أن عمليات النهب المنظم في دارفور لم تكن
حوادث فردية، بل إستراتيجية عسكرية لتهجير السكان، ووثق التقرير تحويل المدارس في
«الجنينة» و«نيالا» إلى مراكز احتجاز غير قانونية.
ووثقت بعثة تقصي
الحقائق الدولية المستقلة عملية انتشار الأسواق غير الشرعية لبيع المسروقات
والمنهوبات، وأكدت أن بيع ممتلكات المواطنين المنهوبة يتم علانية تحت إشراف قادة
ميدانيين؛ ما يُعد «جريمة حرب» تساهم في تمويل العمليات العسكرية.
وأشارت منظمة
«هيومن رايتس ووتش»، في تقريرها الأخير، إلى أن الاختطاف على أساس عرقي في غرب
دارفور وصل إلى مستويات تطهير عرقي، حيث يتم استهداف فئات محددة لابتزاز عائلاتهم
وتجريدهم من ممتلكاتهم.
ويؤكد المراقبون
والعاملون في المجال الإغاثي أن غياب المحاسبة على جرائم النهب والاختطاف في مناطق
سيطرة «الدعم السريع» يمكنها أن تؤدي إلى كارثة إنسانية تقضي على تماسك ووحدة
الأسرة السودانية واستمرار المجتمع، خاصة أن أعمال السلب والنهب والاختطاف تزداد
يومًا بعد يوم؛ ما يشير إلى تحولها لعمل منظم وثقافة ثابتة.
اقرأ
أيضاً:
«الاغتصاب» سلاح يستهدف الأسر السودانية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً