الشيخ علي الطنطاوي.. سيرة كلما انتهت بدأت
«كل يوم يموت
فيّ شخص، ويولد شخص جديد، والميت أنا، والمولود أنا، خلايا جسدي تتجدد كلها كل بضع
سنوات حتى لا يبقى منها شيء مما كان..»، بهذه الكلمات من مستهل كتابه الشهير «ذكريات»
يضع الشيخ علي الطنطاوي قارئه أمام تأمل يتجاوز تبدّل الجسد إلى تحولات الذات
الإنسانية، وما تصنعه الأيام في الإنسان من نضج واتساع في الرؤية والمعرفة.
فالمرء يمضي في
حياته محمولاً على تجارب تتراكم في وجدانه فتُعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى
العالم من حوله؛ وربما كانت سيرة الشيخ علي الطنطاوي بما انطوت عليه من تنوع في
التجارب وتعدد في ميادين العمل، شاهدة على هذه الصلة العميقة بين ما يعيشه الإنسان
وما يصير إليه.
مولد الطنطاوي
وُلد الشيخ علي الطنطاوي في دمشق عام 1909م في أسرة تعود أصولها إلى مدينة طنطا المصرية، قبل أن
يستقر أجدادها في دمشق ويسهموا في حياتها العلمية والثقافية.
كان والده الشيخ
مصطفى الطنطاوي عالماً حنفياً تولى أمانة الفتوى في دمشق، أما والدته رفيعة بنت
الشيخ أبي الفتح الخطيب فقد اتصل من خلالها بمحيط علمي وثقافي كان من أبرز وجوهه
خاله محب الدين الخطيب، أحد أعلام الكتابة والتحقيق والعمل الثقافي في الشام ومصر.
وفي هذه البيئة،
تفتّح وعي الطنطاوي على قيمة العلم ومكانة الكلمة، ونشأت صلته الأولى باللغة
والمعرفة؛ فشبّ قريباً من تقاليد بيئته، قبل أن تتسع آفاق تجربته وتتشابك صلته
بالحياة خارج حدود الدرس والتلقي.
كانت الصحافة من أوائل الميادين التي انتقل عبرها من تحصيل المعرفة إلى مشاركتها مع الناس، ففي عام 1926م نشر أول مقالاته في مجلة «المقتبس»، ثم اتسع حضوره الصحفي من خلال الكتابة في مجلة «الرسالة» على امتداد نحو 20 عاماً، إلى جانب كتاباته في مجلة «المسلمون» وصحيفة «الشرق الأوسط»، وقد أتاحت له الصحافة مجالاً رحباً للاقتراب من قضايا المجتمع ومخاطبة جمهور متنوع بلغة تجمع وضوح العبارة وثراء المعنى.
حضور علمي واسع
ومع اتساع تجربة الطنطاوي، أصبحت الكتابة أكثر من ممارسة أدبية أو صحفية؛ إذ أصبحت وسيلته لفهم أحوال الناس، ومناقشة أسئلة عصره، ونقل ما راكمه من معرفة إلى قراء يتجاوزون حدود المكان والتخصص، على أن صلته بالإنسان امتدت إلى ميادين أخرى تتجاوز الكتابة، فقد عمل في التدريس بسوريا والعراق بين عامي 1931 و1940م، ثم دخل سلك القضاء عام 1941م واستمر في العمل القضائي نحو ربع قرن، حتى تولى منصب مستشار لمحكمة النقض، وأسهم في إعداد قانون الأحوال الشخصية السوري.
وضعته هذه
التجربة أمام الإنسان من جانب آخر من حياته؛ حيث تتشابك المبادئ مع الوقائع، وتتصل
الأحكام بأحوال الناس وعلاقاتهم وما يعترض حياتهم من خلاف ومشقة.
ومن هذا
المنظور، تتجاور مهنه المتعددة في مسيرة واحدة؛ فالتعليم يفتح أبواب المعرفة،
والصحافة تتيح تداولها، والقضاء يضع صاحبه أمام تعقيدات الحياة اليومية وما تتطلبه
من نظر وإنصاف، وفي هذه الميادين جميعاً ظل الإنسان حاضراً في صميم اهتمامه.
ومن هذا الاتساع
في التجربة يمكن فهم حرصه على تقديم المعرفة الدينية بلغة تقرّبها من القارئ من
غير أن تفرغها من عمق مضمونها.
في كتابه «تعريف
عام بدين الإسلام»، سعى الشيخ علي الطنطاوي إلى عرض أصول الدين ومبادئه في صياغة
ميسرة، تخاطب العقل وتستجيب لحاجة القارئ إلى فهم واضح ومترابط، فكان يعنيه ما
ينشأ عن انقسام المعرفة، حين يمتلك المرء جانباً من الثقافة ويغيب عنه جوانب أخرى؛
إذ رأى أن الفهم الأرسخ يقوم على تكامل المعرفة الدينية مع الوعي بعلوم العصر
وأسئلته، بما يتيح رؤية أكثر اتصالاً بالعالم الذي يعيش فيه.
منابر دعوية وإعلامية
وفي الإذاعة
والتلفزيون، اتسعت دائرة خطابه، وانتقلت كلمته من صفحات الكتب والمجلات إلى فضاء
الصوت والصورة، فعمل في «إذاعة الشرق الأدنى» في يافا، ثم في بغداد عام 1937م، ثم
دمشق عام 1942م، قبل انتقاله إلى المملكة العربية السعودية عام 1963م.
ومن هناك واصل
حضوره الإعلامي عبر برنامجه الإذاعي «مسائل ومشكلات»، وبرامجه التلفزيونية «على
مائدة الإفطار»، و«نور وهداية»، متناولاً قضايا الناس وما يشغلهم من أسئلة دينية
واجتماعية وتربوية.
كان الانتقال بين هذه المنابر الإعلامية امتداداً لقدرته على مخاطبة جمهور متنوع؛ إذ تتغير وسيلة التعبير وتتبدل مقتضيات الخطاب، فيما تبقى الغاية متصلة بإيصال المعرفة وتقريب المعنى، وتكشف عنايته بالإنسان واهتمامه بالتربية عن جانب من نظرته إلى المعرفة، فقد أدرك أن بناء الإنسان يبدأ في سنواته الأولى، حين تتشكل عاداته وتستقر في نفسه بذور التصورات التي تصاحبه في مراحل عمره اللاحقة، فكتب في أدب الأطفال وشارك في تأليف الكتب المدرسية.
وفي أحد أحاديثه
التلفزيونية، تطرق الشيخ علي الطنطاوي إلى هذا المعنى مستشهداً بالحكمة الشائعة «العلم في
الكبر كالنقش على الماء، والعلم في الصغر كالنقش على الحجر»، مؤكداً ضرورة تنشئة
الأبناء على مبادئ الإسلام وما تصح به العقيدة منذ الصغر، وتكشف هذه العناية عن
فهم للتربية بوصفها تأسيساً بعيد الأثر، تتجاوز غايته تلقين المعلومات إلى بناء
الوعي وتكوين الشخصية.
كتاب «ذكريات»
أما عن كتابه «ذكريات»
الذي نُشرت أجزاء منه في مجلة «المسلمون» وصحيفة «الشرق الأوسط» قبل صدوره في كتاب
مستقل عام 1985م، فيمنح القارئ مدخلاً آخر إلى العالم الداخلي للشيخ الطنطاوي؛
عالم تتجاور فيه مشاهد الحياة الخاصة مع تحولات المجتمع، وتلتقي فيه الذاكرة
الفردية بذاكرة المكان والناس.
وفي هذا العمل،
تتخذ الكتابة منحى يتجاوز تسجيل الوقائع إلى استعادة ما تركته في النفس، فتصبح
التجربة مادة للتأمل، وتغدو تفاصيل الماضي سبيلاً إلى فهم الإنسان في تقلباته
وتحولاته.
وفي سنواته
الأخيرة، أقام الشيخ الطنطاوي في مكة المكرمة حتى توفي في جدة عام 1999م، بعد حياة
امتدت قرابة 90 عاماً، تنقّل خلالها بين ميادين متعددة، جمعتها عناية راسخة
بالمعرفة والإنسان، وعبر عنها بأساليب تلائم اختلاف المقامات والجماهير، ليظل
حاضراً في الذاكرة الثقافية العربية بما خلّفه من كتب ومقالات وأحاديث، وبما
أتاحته أعماله لأجيال متعاقبة من القُراء من صلات متجددة بأفكاره وتجاربه.
وعند العودة إلى
عبارته الشهيرة «حياة الإنسان تُقاس بعرض الأحداث لا بطول السنين»، تتضح دلالة
تتجاوز عدد الأعوام التي يعيشها الإنسان إلى ما اتسعت له التجربة من معارف، وما
أضافته إلى الوعي، وما تركته من أثر في حياة الآخرين.
وهذا ما تكشف
عنه سيرة الشيخ الطنطاوي؛ فقد امتدت تجربته بين التعليم والصحافة والأدب والقضاء
والإعلام، وتبدلت صور الكلمة من ميدان إلى آخر، فيما ظل سعيه إلى الفهم والتأثير
خيطاً جامعاً لمسيرته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً