سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (6)

تناولنا في المقالاتِ السالفة تشكيكَ المستشرقينَ في الشعر الجاهليّ، ورُواتِه، وحرصَهُم عَلَى تأكيد أُميّة عرب الجاهليةِ وجهلِهم التّام بالكتابةِ، واستدللنا ببعض النماذج العربيةِ التي تَجلّتْ فيها سطوةُ ذلك التّشكيكِ الاستشراقيِّ، وقد كُنا في كُل ذلك مُوجِزينَ غَير مُفصّلين، ولقد بلغتْ أفكارُ المستشرقينَ هذه من الهيمنةِ والسّطوةِ أنْ ردَّدها الأديبُ الكبيرُ مُصطفى صادِق الرّافعيّ؛ حتّى قال في مواضع مُتفرّقةٍ من كتابهِ (تاريخُ آدابِ العربِ): "كان العَربُ أُمّةً أُمّيةً؛ لا يقرؤُون إلّا مَا تخُطّهُ الطّبيعةُ، ولا يكتُبون إلّا ما يُلقّنُونَ من معانيها، فيأخُذُونَ عنها بالحسّ ويكتبُونَ باللسانِ في لوح الحافظَةِ؛ فكانَ كُلُّ عربيٍّ على مقدار وعيه وحِفظه كتابًا أو جُزءًا من كتابٍ؛ وكانَتْ كُلُّ قبيلةٍ بذلكَ كأنّها سِجِلٌّ زَمنيٌّ في إحصاءِ الأخبار والآثارِ. ولو أنّ الكتابةَ كانت فَاشِيةً فيهم لعدلُوا إليهَا ولاستغنَوْا بهَا عن الحِفْظِ (ص: 232). أمّا سائرُ الصحَابةِ فأكثرُهُم أُميُّون، وقليلٌ منهُم يكتبُون ولكن لا يُتقنُون الكتابةَ ولا يُصيبُون التهجِّي إذا كتبُوا، فتركُوا التدوِينَ لذلِكَ (ص: 237) بيد أنّ كُلّ ما حفظُوهُ وتناقلُوهُ لم يُدوَّن منهُ شيءٌ ولم يكُن فيه إسنادٌ؛ لأنّهُ لا خطر لهُ، ولا يتعلّقُ به أمرٌ من أُمورِ الدّين، بل هُو لا يعدُو أن يكُون أدبًا ونافلةً وبابًا من التطوُّع؛ ومَضَوْا على ذلك وهُم يُضيفُون إليهِ روايةَ أشعارِ المخضرمينَ حتّى انقضى عهدُ الراشدينَ، دُون أن تُكتَبَ قَصيدةٌ أو يُدوّن خبرٌ من أخبار العربِ، وهُم قد تركُوا ذلك في السُّنَّةِ كَما عَلمتَ. فَلأنْ يَتركُوهُ في هذَا ونَحوهِ أَوْلى (ص: 241).

طَه حُسين من التأثُّر إلى التّبنّي

أمّا د. طه حُسين فقد جاوز التأثُّر بأفكار المستشرقينَ ورُؤاهُم، إلى تبنِّيها وترويجِهَا في الثّقافة العربية، وقَد أثَارَ بذلِكَ التّبنّي معركةً من أهمِّ المعارك الفكريّةِ في العصر الحديثِ، وهي (معركةُ الشِّعرِ الجاهليّ)؛ ولقد ذكرتُ في أوّل مقالٍ كتبتُه عن (سطوة الاستشراقِ) أنْ لَيستْ مُشكلةُ د.طه حُسين في أنّهُ تناول قضيةَ الانتحالِ في الشّعر الجاهليّ؛ فقد سبقهُ إليهَا العجمُ والعربُ قُدماء ومُحدثين؛ وإنّما مُشكلتُهُ في المنهج أو الرؤية الّتي تناول بها القضيّة؛ ولقد ذكرتُ كذلكَ مقولةً من مقُولات د. طَه  التي سَلك فيها سبيلَ مرجليُوث في الاستِنْباطِ والشّكّ في الشّعر الجاهليّ، وهذِي مقولةٌ أُخرَى تؤكّد شَططهُ في الشكّ؛ حيثُ يقولُ د. طه: "إنّ هذا الشّعر الّذي يُنسبُ إلى امرئ القيس أو إلى الأعشَى أو إلى غيرهما من الشُّعراء الجاهليّين لا يُمكنُ من الوجهَةِ اللغويّة والفنيّة أن يكُونَ لِهؤُلاء الشُّعراء، ولا أن يكُون قد قِيلَ وأُذيعَ قبل أن يظهر القُرآنُ. لا ينبغي أن يُستشهَدَ بهذا الشّعر على تفسيرِ القُرآنِ وتأويلِ الحديثِ". [في الأدب الجاهليّ، ص 67]، ثُمّ يكادُ يعتدلُ بعض الشّيء فيقسّمُ الشّعر الجاهليّ ثلاثة أضرُبٍ، ويقُولُ: "إنّا نرفُضُ شعر اليمن في الجاهليّة، ونكادُ نرفُضُ شعر ربيعة أيضًا... وأقلُّ ما تُوجبُهُ علينا الأمانةُ العلميّةُ أن نقفَ من الشّعر المُضريِّ الجاهليّ، لا نقُولُ موقفَ الرّفضِ أو الإنكارِ، وإنّما نقُولُ موقفَ الشّكِّ والاحتيَاطِ". [في الأدب الجاهليّ، ص 245 - 247].

تَسويغُ أفكارِ المستشرقِينَ وَتَطْلِيَتِهَا

هذا بعضُ ما قاله د. طه حُسين عن الشّعر الجاهليّ، وهو غيضٌ من فَيضٍ، ونلحظُ فيه إلى أيّ مدًى يشتطُّ د. طه كي يُسقط الشّعر الجاهليّ من حساب التّاريخ بوصفه أثرًا صادرًا عن ذلك العصرِ، أمّا تفاصيلُ شكّه في الشّعر الجاهليّ وأدلّته فهي مبثُوثةٌ في كتابه، وقد فنّدها كثيرٌ من العُلماء وردُّوها عليه، وليستْ غايتُنا أن نبعثَ معركةً أصبحتْ في ذمّة التاريخ، وإنّما أردنا أن نُجلّي أثرَ الاستشراق على العقلِ العربي؛ ولئن فُتِنَ كِبارُ الكُتّاب والعُلماءِ ورَادَةُ الدرسِ الأدبيّ عندنا بمقُولات المستشرقينَ، لتكُوننّ الفتنةُ علَى  تِلاميذِهِم أَشَدَّ، بل رُبّما كان بعضُ أولئك الرُّواد أداةً إلى تسويغ قضيّة الانتحالِ وتهوينها على  العقلِ العربي، وتأمّل كيف فعلَ ذلك د. طه حُسين، إذ حاول أن يُخدّر العقلَ العربيّ، بدعوى أنّ الانتحَالَ قِسْمةٌ بين الأُمم والحضاراتِ، ولا تَختصُّ به الأمّةُ العربيةُ، وقد كتب د. طه فصلًا بعنوان (ليسَ الانتحالُ مقصُورًا على العرَبِ)، بيّن فيه أنّ الانتحالَ لم يقتصر على العربِ؛ بل كان عند الأُمم القديمة، كاليُونان والرُّومان، وهُما أُمّتان تحضّرتا بعد بداوةٍ مثلما تحضَّر العَربُ، فسوَّغتْ لهُ تِلْك المشَابهةُ أن يقُولَ: "ولَسنا نُريدُ أن نتركَ الموضُوع الّذي نَحنُ بإزائه للبحثِ عَما يُمكنُ أن يكُونَ من اتفَاقٍ أو افتراقٍ بين العربِ واليُونان والرومَانِ؛ فَنحنُ لم نكتُب لهذَا، وإنّما نُريدُ أن نقول إنّ هذه الظاهرة الأدبية الّتي نُحاولُ أن ندرُسها في هذا الكتاب والتي يجزعُ لها أنصارُ القديم جزعًا شديدًا ليست مقصُورةً على الأُمّة العربية، وإنما تتجاوزُها إلى غيرها من الأُمم القديمة، ولا سيّما هاتين الأُمتينِ الخالدتينِ. فلن تكُون الأُمةُ العربيةُ أوّل أُمّةٍ انتُحِلَ فيها الشّعرُ انتحالًا وحُمِلَ على قُدمائها كذبًا وزُورًا، وإنّما انتُحل الشّعرُ في الأُمة اليونانيةِ والرومانيةِ من قبلُ وحُمِلَ على القُدماء من شُعرائها، وانخدعَ به النّاسُ وآمنُوا لَهُ، ونشأتْ عن هذَا الانخداعِ والإيمان سُنّةٌ أَدبيّةٌ توارثَها النّاسُ مُطمئنّين إليهَا". [د. طه حسين: في الأدب الجاهليّ، ص 114].    

رأيٌ للدكتُور ناصرِ الأسد جَديرٌ بالتدبُّر 

على أنّ الطّريقة أو الوسيلةَ الّتي وصلَنا بها الشّعرُ الجاهليُّ ما زالتْ غيرَ جليّةٍ؛ لأنّنا ما زلنا نتساءلُ: أدُوِّنَ ذلك الشّعرُ في العصر الجاهليّ، وهُو العصرُ الّذي أُنتِجَ فيه أم تأخّر تدوينُهُ إلى عصر تدوين العلُوم العربيّة بوجهٍ عامٍّ (القرن الثّاني الهِجْريّ)؟

والحقُّ أنّني أطمئنُّ إلى تفريق د. ناصر الدّين الأسد بين مرحلتين لكتابة الشّعر الجاهليّ:

 أُولاهُما – مرحلةُ التقييد (الكتابةُ الضّيقةُ)

وكانت هذه المرحلةُ في العصر الجاهليّ ذاته، لما ثبتَ لديه من معرفة عرب الجاهليّة بالكتابة معرفةً ذائعةً؛ ذلك أنّ عرب الجاهليّة هؤلاءِ الّذين كانُوا يُقيّدُون بالكتابة دَينهُم ورسائلهُم وعُهُودهُم وصُكُوك حِسَابهم وغيرها؛ لا يَصحُّ في الفَهْمِ أن يُقيّدُوا كُلّ ذلكَ مِن أُمُورهم: دقيقِها وجَليلِهَا، صغيرِهَا وكبيرِهَا، حقيرِهَا وعَظيمِهَا، ثُمّ يُهملُوا تقييدَ شِعْرهم. والشّعرُ عندهُم كما هُوَ مَعرُوفٌ مُتداولٌ، في الذّروة العُليا من القيمَةِ والخطَرِ؛ إذ هُو ديوانُ أمجادِهِم وأحسابِهم، وسجلُّ مفاخرِهم ومآثرِهم، قال الجاحظُ: (فكُلُّ أُمّةٍ تعتمدُ في استبقاءِ مآثرها، وتحصينِ مناقبِهَا، على ضربٍ من الضُّرُوب وشكلٍ من الأشكالِ). ذلك هُو التقييدُ، وقد جمعنا ما استطعنا أن نعثُر عليه من أدلّةٍ عقليةٍ ونقليةٍ تُسندُهُ. وقد انتهت كُلُّها إلى ترجيحِ أنّ الشّعر الجاهليّ كان يُقيّدُ في صُحُفٍ مُتفرّقةٍ لأغراضٍ شتّى. غير أنّ هذا كُلّهُ مرحلةٌ واحدةٌ من مراحلِ بحثِنَا تقُودُنا إلى مرحلةٍ تاليةٍ نتحدّثُ فيها عن تدوينِ الشّعر الجاهليّ. [انظر د. ناصر الدين الأسد: مصادر الشّعر الجاهليّ وقيمتها التاريخية، ص ١٠٩، ١٣٢].

وثانيتُهُما- مرحلةُ التدوين (الكتابةُ الواسعةُ) 

وتشملُ مراحل الجمع والتبويبِ والتّرتيب، وهي المرحلةُ الّتي دُوِّنَتْ فيها علُومُ الثقافةِ العربية كالتفسير والحديثِ والفقه واللغةِ، وإذا كان المشهُورُ المتداولُ: أنّ سُنّة رسُولِ الله ﷺ بقيت تُنقلُ بالرواية الشّفهيّةِ جيلًا بعد جيلٍ نحو مائة سنةٍ أو تزيدُ، حتّى قُيّض لها أن تُدوَّنَ. وأقدمُ زمنٍ تُحدّدُهُ الرواياتُ لتدوينِ الحديث يتّصلُ بعهد الخليفة الأُمويّ عُمرَ بنِ عبد العزيز. أمّا كُتُبُ اللغَةِ والشّعرِ والأدبِ عامّةً، فالمعرُوفُ أنَّ تدوينَها لم يبدَأ إلّا في نهايةِ القرنِ الثّاني الْهِجريِّ ومطلعِ القرن الثالث – أقُولُ: إذا كانَ ذلكَ هُو الشّائعَ المعرُوفَ عن بداية حركة التدوينِ في الثقافة العربية؛ فإنّ د. الأسد يرفُضُ ذلك الشّائع ويُخالفُهُ، فيذهبُ إلى "أنّ تدوينَ الحديثِ والتفسير واللغة والأنساب والشّعرِ قد بدأ مُنذُ عهدٍ مُبكّرٍ جدًّا؛ وأنّهُ ليسَ صَحِيحًا ما يُذكرُ من أنّ التدوِينَ لَم يعرفهُ العربُ إلّا في آخرِ القرِن الثّاني ومطلع القرن الثّالثِ". [مصادر الشّعر الجاهليّ، ص 134، 142].

ولستُ أقولُ بأنّ رأيَ الدكتور الأسد قولٌ فصلٌ، ولكنّه رأيٌ جديرٌ بالدراسةِ وَالتأمُّل؛ وإذا صحّ ما انتهى إليهِ د. الأسدُ فمعنى ذلك أنّ الشّعر الجاهليّ قد وصلَنا بوسيلتي الكتابة والرّواية كِلْتيهِمَا، ومن ثمّ ينبغي أن نفهم: لِمَ حَرصَ المستشرقُون وأتباعُهُم على نفي معرفة العربِ (بالكتابة)، أو تأكيد قلّتها ونُدرتها!! لقد أرادُوا أن يُقنعُوا العقلَ العربيّ بأنّ الشّعر الجاهليّ نتاجُ ثقافةٍ شفاهيةٍ تأليفًا وحفظًا؛ ومن ثمّ تكادُ الرّوايةُ تكُونُ الوسيلة الوحيدة الّتي وصل بها الشّعرُ الجاهليُّ إلينا؛ حتّى إذا اطمأنُّوا إلى أنّ هذه الفكرة قد انطلتْ على العقل العربيّ فاستساغها، وما عاد يرتابُ فيها؛ انتقلُوا إلى المرحلة التّالية فجعلُوا يُشكّكُونَ في الذّاكرة العربيةِ، لأنّها مهما كانت قويّةً فلن تحُول دُون تحريف ذلك الشّعر وتغييره، فإذا انضاف إلى ذلك ما قام به بعضُ رُواةُ الشّعر الجاهليّ من وضعٍ ونحلٍ؛ فقد انتفت أصالةُ الشّعر الجاهليّ، ووجبَ أن ننظُر إليه بعين الشّكّ والارتيابِ؛ ومن هُنا نشأت قضيّةُ الشّكّ في الشّعر الجاهليّ أو ما عُرف بقضيّة (الانتحال).

بل كانتْ غايتُهم أبعَدَ مِن ذَلِكَ؛ إذْ أرادُوا أن يهدمُوا أدبَ الجاهليّة كلّه (شِعرًا ونَثرًا)، وَلَقد شكُّوا في الشعر الجاهليّ والأذُنُ العربيةُ أقدرُ على حفظِه لما يتمتّعُ به من وزنٍ وقافيةٍ يُسعفان في الحفظ والاستظهارِ؛ فلأَنْ يَشُكُّوا في النثر الجاهليّ أَوْلَى، وَلَا سيّما أنَّ الأذُنَ العربيةَ أقلُّ احتفاظًا بهِ مِنْ الشِّعر؟!. ذلكَ ما نتحدّثُ عنهُ في المقال القادم بإذن الله تعالى.

اقرأ أيضًا:

سطوةُ الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (1) 

سطوةُ الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (2) 

سطوةُ الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (3) 

سطوةُ الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (4) 

سطوةُ الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (5)

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة