الخيانة العظمى.. ونظرة الإسلام لها

د. مصطفى كمال

16 أبريل 2026

126

إن الخائن لوطنه نبتٌ خبيث لم يعرف حقًا لأرض نشأ عليها ونَعِمَ بخيراتها، ولا لسماء أظلته بظلالها، هو جحود كنود، يأكل خيرها ويخدم غيرها!

وما أشبهه بالولد العاق شديد العقوق لأمه التي ربته ورعته وقدمت له كل ما تستطيع، ثم إذا به يقابل معروفها شرًا، ويجعل بدل البر أذية وضراً! على حد قول القائل:

غَذوَتُكَ مولوداً وَعُلتُكَ يافِعاً        تُعَـلُّ بـِما أُدـني إلَيكَ وَتَنهــلُ

فَلَمّا بَلَغَت السِّنَ وَالغايَةَ الَّتي      إِليها مَدى ما كُنتُ فيكَ أُؤَمِلُ

جَعَلتَ جَزائي غِلظَةً وَفَظاظَةً      كَأَنَكَ أَنتَ المُنعِمُ المُتَفَضِلُ(1)!

بواعث النفس على خيانة الوطن

خيانة الوطن خلق ينبع من لؤم في الطبع، قد تحركه عقيدة باطلة تغذي روح العداء في منتسبيها، وقد يحركه الجشع والطمع لنيل مال أو جاه أو مآرب أخرى، يبيع وطنه فيفسد دينه بلعاعة من الدنيا.

وماذا يجنى البائس إلا أن يصبح منبوذاً في وطنه يلحقه وأسرته العار والشنار، ولن يكون محترماً أبداً في نظر مستخدميه من المتربصين بالأوطان، وذلك لعمري خسران الدنيا والآخرة.

الخيانة أقبح بطانة!

وتتعدد صور المنهيات والموبقات وتبقى الخيانة على رأسها، فعن أبي هُرَيْرةَ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ الجوعِ، فإنَّهُ بئسَ الضَّجيعُ، وأعوذُ بِكَ منَ الخيانةِ، فإنَّها بئستِ البِطانةُ»(2)؛ أي إن أشر ما يُبطِنُه الإنسانُ وأذمُّ المساوِئ التي قد يُضمِرُها في نفْسِه الخيانة.

وقد أعلن الله تعالى بغضه للخائنين فقال سبحانه: (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً {107} يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (النساء).

وتتعدد صور الخيانة وتبقى خيانة الوطن على رأس تلك الصور؛ لأنها مؤذنة بخراب الدين والدنيا للفرد والجماعة، إذ إن حفظ الوطن من الدين، وإذا خرب الوطن تلاشى الدين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

السياسة النبوية في تحصين الوطن من الخيانة:

حين أسس النبي صلى الله عليه وسلم دولته أول مقدمه المدينة كان فيما نص عليه في المعاهدة التي عقدها مع اليهود التي أصبحت دستورًا للمدينة: قال: «وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ.. وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.. وإنّه لا يحل لمؤمن أقرَّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن يَنصر مُحدِثًا ولا يُؤوِيه، وأن من نصره أو آواه فإنّ عليه لعنةَ الله وغضبَه يوم القيامة، ولا يُؤخذ منه صرف ولا عدل.. وإنّ بينهم النصر على مَن دهم يثرب»(3).

لقد قرر هذا النص من الدستور المحمدي عدة نقاط:

1- أن وطن المدينة حرم آمن لرعية هذه الدولة، لا يسمح لأحدٍ أيًا كان أن يروعه.

2- أن على جميع المواطنين أن يتعاونوا ببذل أموالهم في وقت الحرب لرد العدوان عن وطنهم.

3- لا يحل لمواطن أن يحدث فتنة أو يؤوي من يحدث فتنة تضر بالمجتمع.

4- حين يتعرض الوطن لمداهمة أو عدوان؛ فإن النصرة تقع على عاتق الجميع كل بما يستطيع.

وكل ذلك لتأكيد حرمة الوطن شرعاً، ووجوب حمايته ببذل النفس والنفيس.

ثم يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى بعد ذلك ضرورة حفظ هذا الوطن من الخيانة، فيقول كما يروي عنه أبو هريرة: «المدينةُ مَن أحدَثَ فيها حَدَثًا، أو آوى مُحدِثًا، أو توَلَّى غَيرَ مَواليه؛ فعليه لَعنَةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ، لا يَقبَلُ اللهُ منه صَرْفًا، ولا عَدْلًا»(4).

وسبب هذا الوعيد أن المدينة كانت تمثل عاصمة الإسلام الأولى ووجود المحدِث (وهو من يأتي بجناية أو يسعى بفتنة) يهدد أمن المجتمع واستقرار الدولة، فمن يقوم بإيوائه وحمايته من العقاب أو القانون إنما يساهم في زعزعة أمن المجتمع.

وإن إيواء المحدث الذي يسعى للإضرار بالأمة أو تسريب أخبارها والتجسس عليها يعد فعله من أفعال الخيانة؛ إذ يقدم مصلحة فرد مجرم على مصلحة أمة ووطن، ويقاس على المدينة كل وطن يراد له الأمن والسلامة.

التجسس على الوطن جريمة ونفاق

ومن أبرز صور الخيانة للأوطان التجسس عليها لصالح أعدائها، كأن ينقل إليهم معلومات الحكومة السرية، أو يمدهم بالإحداثيات الخاصة بالمواقع العسكرية أو المدنية المحظورة، أو يكون عينا خفية للإعداء داخل قاعات اتخاذ القرار، غلى غير ذلك من صور التجسس المعاصرة. وقد جاء النهي عن التجسس صراحة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات: 12).

والتجسس حرمه الله تعالى سواء كان من شخص على شخص، أو من شخص على جماعة، فإذا كان من شخص أو أشخاص على أمة كان أشد ضررًا وأعظم خطراً وبالتالي كان أعظم حرمة وأكبر جرماً.

وقد عد الإسلام التجسس للإضرار من خصال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ»(5).

خيانة الوطن غدر ونقض للعهد

إذ إن المواطنة عقد معنوي ومادي بين المرء والدولة، ونقض هذا العهد بالسعي في فساد البلاد أو التعاون مع المتربصين بها يعد من كبائر الذنوب التي تفسد عدالة الفرد وتسقط مروءته.

وقد ورد وعيد شديد للغادرين، فعن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الغادِرَ يَنصِبُ اللهُ له لواءً يَومَ القيامةِ، فيُقالُ: ألا هذه غَدرةُ فُلان بن فلان»(6).

ومن ثم يحذر عبدالله بن عمر من خيانة ولي الأمر، ففي رواية: أن عبدالله بن عمر قال: «يُنصَبُ لكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يَومَ القيامةِ، وإنَّا قد بايَعنا هذا الرَّجُلَ (يعني يزيد بن معاوية) على بَيعِ اللهِ ورَسولِه، وإنِّي لا أعلَمُ غَدرًا أعظَمَ مِن أن يُبايَعَ رَجُلٌ على بَيعِ اللهِ ورَسولِه، ثُمَّ يُنصَبُ له القِتالُ، وإنِّي لا أعلَمُ أحَدًا منكم خَلَعَه ولا بايَعَ في هذا الأمرِ، إلَّا كانَتِ الفَيصَلَ بَيني وبينَه»(7).

إن الوفاء للوطن من شيم الصالحين، والحر من يحفظ لغيره وداد ساعة فكيف لوطن عاش فيه ومعه كل ساعة! وما أجمل قول القائل:

بلادي هواها في لساني وفي دمي     يمجدُها قلبي ويدعو لها فمي

ولا خــيرَ فيمــن لا يحــبُّ بــلادَهُ     ولا في حليفِ الحب إن لم يتيم

ومن تؤوِهِ دارٌ فيجحدُ فضلها      يكن حيواناً فوقه كل أعجمِ

ألم ترَ أنَّ الطيرَ إن جاءَ عشهُ      فــآواهُ فـي أكنــافِهِ يتــرنــم

ومن يظلم الأوطان أو ينسَ حقها    تجبه فنون الحادثات بأظلم(8)

حفظ الله بلادنا، وأدام أمنها وعزها، وأعلى بالحق رايتها.


اقرأ أيضا :

الخيانة في زمن الحرب

كيف ولماذا خانوا

الهوامش
  • 1 من شعر أمية بن أبي الصلت.
  • 2 رواه أبو داود (1547)، والنسائي (5468)، وابن ماجه (3354)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (1547).
  • 3 الأموال لأبي عبيد، ص 260، وانظر: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ص 15-31، د. محمد حميد الله الحيدر آبادي، القاهرة.
  • 4 أخرجه مسلم (1371)، وأحمد (9808) واللفظ له.
  • 5 سنن الترمذي (2032)، وقال: حديث حسن.
  • 6 رواه البخاري (6178).
  • 7 رواه البخاري (7111).
  • 8 ديوان الرافعي (2/ 160).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة