«المجتمع» ترصد حيل السحرة لاصطياد الضحايا
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه: 66)؛ فالحرفة والمهنة ليست عبثاً، ولكنّ قوة السحر تحوّل
الوهم إلى حقيقة، والخداع إلى واقع.
مهنة السحر
والشعوذة قائمة على امتهان الدجل والزور، وصنع الشباك للإيقاع بالضحايا عبر وسائل
متعددة.
مهنة يتلون
أصحابها تلون الحرباء، لا همّ لهم إلا جني الأرباح، لا دين لهم ولا دنيا إلا
المال.
هم مهرة في حبك
وصنع شباكهم، فهذه حرفتهم على كر الدهور ومرّ العصور، بناء الوهم على جزء من
الحقيقة، لإقناع الضحية أنه أمام شيخ كشفت له الحُجُب، ولكنه في الحقيقة مخادع
ومحتال.
«المجتمع» رصدت
في هذا التقرير العديد من خدع واحتيالات المشعوذين، وكيف طوروا من أنفسهم وحيلهم
عبر العالم الرقمي، وسوقوها على أنها حقائق، فانطالت على المثقفين والمتعلمين، ولم
تعد محصورة في فئة البسطاء أو العامة والدهماء.
قصص واقعية
بدأت الشعوذة
الرقمية تأخذ مساحة واسعة، حيث رفض السحرة والمشعوذون البقاء في غرف السحر
المتخلفة، بل اقتحموا منصات العالم الرقمي ونصبوا شباكهم عليها بعناية.
جمعوا المعلومات
بدقة من خلال مواقع التواصل، حتى خيّل للضحية أنه أمام عالم بالغيب حقاً، وهو في
الحقيقة دجال ومحتال طوّر من نفسه وعالمه، ليسلب الضحية عقله ويجبره بحيله على دفع
أمواله طواعية، تحت مسمى العلاج الروحاني أو شفائه من مرض هو مصاب به بالفعل، كل
ذلك مبني على معلومات مسبقة جمعها المحتال في غفلة من عقل الضحية وإدراكه.
فخاخ «فيسبوك»
من هذه القصص
واقعة مريرة ذكرها «أ. ح» لـ«المجتمع»، عن شخص تواصل مع فتاة وجدها تدعو وتطلب
الدعاء بالزوج الصالح في منشوراتها على «فيسبوك».
كانت البداية
بدخول المحتال إليها من خلال صفحة وهمية لأنثى، والصفحة مليئة بالأدعية وبصور
المصحف الشريف، والأحاديث والأدعية.
المحتال بدأ
التواصل معها -منتحلاً صفة أنثى– وأقنعها بقصص وهمية وكيف تواصل مع شخص عارف، وله
أحوال معرفية خاصة، وأنها الآن مخطوبة بفضل علاجه لها، وأعطاها رابط صفحته التي
باسمه كمعالج.
وبهذه الحبكة
الرقمية، وبعد ذلك سلسلة من الاحتيالات المالية، والإيهامات بالسحر، تنتهي بكشف
العورات، ثم بالابتزاز المالي.
تجربة ميدانية
من هذه المواقف
ما قدمته الصحفية الأردنية جمانة سليم، التي كشفت عن شبكة تواصل لمشعوذين، يدخلون
من خلال إعلانات تبدو أنها للرقية الشرعية.
ولأجل كشف وهْم
وخداع هؤلاء المحتالين قامت بالتواصل المباشر بعد ذلك، حيث تعرفت على مقر لهم في
منطقة من المناطق، وقررت بالحس الصحفي خوض التجربة مدعية مرضاً ما.
ومع خوض التجربة
الميدانية، اكتشفت أنهم يطلبون من أولياء أمور البنات تركهن للعلاج في ذلك المكان،
حيث ينمن في غرف مظلمة.
وفي الوقت الذي
يدفع الأهل مبالغ مالية للعلاج، تتعرض البنات لعلاج كاذب، ومحاولات تحرش جنسي،
بدعوى الحماية من محاولات المسّ من قبل الجن العاشق، وفق صحف أردنية.
الخداع عبر تفسير الأحلام
أيضاً من وسائل
الخداع التي تكشف الاستغلال الخبيث لمواقع التواصل، ما تقوم به بعض صفحات تفسير
الأحلام التي تعرض فيها تفسير المنامات بشكل علني تحت منشورات مدعي التفسير.
هذه الحيلة تبدأ
بتفسير المنام، وبعد أن يلاحظ مدعي التأويل أن شخصاً ما -وخاصة من النساء- كثيرة
التواصل بهواجس الأحلام، يرسل لها على الخاص، ويبدي اهتمامه بأن أحلامها أثارت
مخاوفه، ثم يخيفها على نفسها أو على من تخاف عليه من زوج أو ابن أو غير ذلك، ثم
يبدأ باستغلال سذاجتها في كسب المال، وقد تتطور الأمور بإيقاعها في علاقة غير
شرعية.
يروي الخبير
النفسي والمعالج السلوكي عبدالقدوس القضاة لـ«المجتمع» قصة حدثته بها إحدى
المتصلات على هاتف الإذاعة، وهي تشغل موقعاً إدارياً، تقول فيها: أنها دخلت صفحة
أحد الرقاة، ولأنها ذات هيئة لم تشأ أن تكتب علناً، فكتبت رسالة، وتم التواصل
معها، لتكتشف أن الرجل يعلم عنها أموراً كثيرة، ثم كلمها عن أهمية الملح لفك عقدة الفتور
بينها وبين زوجها، وحدد لها موعداً، ومع الأسف سمحت له بما زعم أنه مساج بالملح
لطرد جن الربط.
المتصلة أعربت
عن ندمها ولكن في ذات الوقت أعربت عن شدة غرابتها من أين حصل الدجال على معلومات
عن شخصيتها.
يطلق خبراء
ومختصون صيحة تحذير، مفادها أن هناك في الحقيقة من يغفل أو يستهين بما يكتبونه
تباعاً عن حياتهم على صفحاتهم الشخصية، حيث يستطيع المشعوذ بخبرته تكوين صورة
حياتية عن الشخص الضحية.
حيل أخرى
حيل أخرى رصدتها
«المجتمع» من خلال تتبع صفحات إلكترونية تروج للسحر والشعوذة، وبرامج متلفزة تتلقى
اتصالات من ضحايا السحرة، الذين كشفوا عن تلك الحيل، ومنها:
- امرأة وقعت في
حيلة وشباك أحد المشعوذين، الذي قابلها في الشارع، وادّعى أنه يعرف مرض والدتها عن
طريق القرين، وأوهمها أن المرض سحر، بينما الحقيقة أن المرض عضوي، وقد استغل هذا
الدجال خوفها وحاجة أمها للشفاء، وأقنعها أن العلاج عنده، فدفعت الكثير من المال
دون جدوى.
والحقيقة أن هذا
الرجل لم يكن يملك علم الغيب، بل كان يحصل على معلومات المرضى من بعض ضعاف النفوس
العاملين في المستشفى؛ التي اعتاد ارتيادها من أجل جمع المعلومات، ثم يتعرف على
ضحاياه من بعيد ويواجههم في الشارع ليقنعهم بأن لديه علمًا، ثم يقوم بسرد الحالة
ليتفاجأ الضحية بأنه يعرف تفاصيل كثيرة عنها، فيدفعه جزء من الحقائق إلى الرضوخ
لهذا الدجال، بحسب صناع برنامج «العالم الآخر».
- ومن أساليبهم
أيضاً أن أحدهم يكتب تمائم ويخفيها في أماكن محددة، ثم يقول للضحية: إن السحر وُضع
بواسطة فلان أو إحدى قريباتها، وفي المكان الفلاني، وعندما تذهب الضحية، تجد ما
أخبرها به، فتصدق السحر، وتصبح من ضحاياه، ويبتزّهم بهذه الطريقة مراراً.
- أيضاً من هذه
الطرق أن شخصًا يدّعي امتلاك أفعى من الجن، وأن هذه الأفعى تقوم بامتصاص المرض من
جسم المريض، ولكن الحقيقة أن الأفعى ليست من الجن، بل هي أفعى منزوعة الأسنان، ومن
الأنواع غير السامة.
- وتتضمن حبكة
وخديعة المشعوذ والساحر أنه قبل أن يخرج الأفعى من الصندوق، يكون قد وضع على يد
المريض شيئًا من الروائح الخاصة التي تجذب الأفعى، وربما تكون مركبة كيميائية لا
يعرفها الناس، ويضعها أثناء ما يدّعي أنه تحضير المريض للعلاج، فتأتي الأفعى،
وتقوم بما يراه الناس وكأنه شفاء، بينما هي تستجيب فقط للروائح الموجودة على اليد،
لا أكثر، ثم تُعاد إلى الصندوق، بحسب صناع برنامج «الهداية في آية».
إن الطريق الآمن
والواجب علينا جميعًا هو التمسك بالشرع، وحفظ آيات الرقية والأدعية المأثورة،
والأخذ بالأسباب الطبية، فلا يغترّ أحد بخرافات وادّعاءات لا أساس لها.
اقرأ
أيضاً:
الخبير الرقمي
أحمد الزعبي لـ«المجتمع»: الفراغ الروحي وراء الإقبال على السحرة
الأكاديمي
المغربي عبدالمنعم الغماري لـ«المجتمع»: الوعي الديني صمام أمان ضد تفشي الشعوذة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً