معبد الإلحاد يهتز (8)
الغاية من الخلق.. بين وهْم الحاجة وحقيقة الرحمة الإلهية
السؤال عن سبب
خلقنا ليس جديداً، بل من أقدم تساؤلات العقل البشري، غير أنّ الخطأ يكمن في افتراض
أنّ الله عزَّ وجل محتاج إلينا أو أنّ وجودنا يُضيف شيئًا إلى كماله سبحانه، هذا
وهمٌ مردود عقلاً ومنطقًا، إذ الكمال المطلق لا يحتاج إلى غيره، والله تعالى هو
الغنيّ بذاته، الكامل بلا إضافة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى
اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).
إذن، فالسؤال
يُعاد صياغته هكذا: لماذا نحن بحاجة إلى أن نُخلق؟
والجواب: لأن في
أصل وجودنا حكمة ورحمة، فالحياة امتحانٌ يكشف جوهر الإنسان، وعبادة الله هي الغاية
التي تُنقذ الإنسان من عبودية الهوى والعدم، وتمنحه معنى وكرامة.
إنّ الملحد حين
يسأل: لماذا خلقنا الله؟ يتجاهل أنّ السؤال نفسه قائم على منحة الخلق: العقل الذي
به يسأل، والحياة التي بها يُجادل، والكون الذي يسنده وهو يُنكر، وهذا كلّه دليل
على أنّ وجودنا ليس عبثًا بل رحمة، قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: 115).
نص الشبهة
- «لماذا خلقنا
الله؟
- لكي نعبده!
- وهل الله
بحاجة إلى عبادتنا؟
- لا، بل نحن
بحاجته.
- سألتك عن سبب
خلقنا؛ أي عن وجود سبب قبل أن نوجد أصلًا، فكيف يكون لنا حاجة قبل أن نكون؟ أنتَ
تقول: خلقنا لأننا نحتاجه ونحن لم نكن سوى عدم، فكيف للعدم أن يكون محتاجًا؟
إنْ خلقنا الله
لحاجة؛ فذلك يعني أنه محتاج، والمحتاج ناقص، والله يجب أن يكون كاملاً، وإن خلقنا
لغير حاجة أو سبب فذلك عبث والعبث يناقض الحكمة، إذن فالله غير حكيم.
وإن قلت: إنه
خلقنا لغاية والغاية هي عبادته وهو لا يحتاج إلى عبادتنا فهذا يبدو محاولة لإرضاء
نفسٍ أكثر من كونها جوابًا عقلانيًا». ا.هـ
الشبهة تقوم على
الافتراض التالي:
- إذا كان سبب
خلقنا هو أننا نحتاج إلى الله تعالى، فكيف يمكن أن تكون لنا حاجة ونحن لم نوجد
بعد؟ فالعدم لا يمكن أن يكون محتاجًا.
هذا يؤدي إلى
استنتاج أن إجابة «نحن بحاجة إليه» غير كافية لتفسير سبب الخلق، لأن الحاجة تفترض
وجودًا مسبقًا.
الرد على الشبهة
وللرد على هذا،
يجب أن نفرق بين سبب الخلق من منظور الله عزّ وجل (الخالق) وغاية الخلق من منظور
الإنسان (المخلوق)، كما يجب أن نناقش مفهوم الحاجة وعلاقته بالوجود والعدم.
- هل الله بحاجة إلى عبادتنا؟
لنبدأ بتأكيد
نقطة أساسية: الله تعالى لا يحتاج إلى عبادتنا، هذا مبدأ إيماني وعقلي ثابت في
ديننا الحنيف؛ يقول تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ)
(فاطر: 15)، هذه الآية تؤكد أن الله تعالى هو الغني المطلق؛ أي أنه لا
يحتاج إلى شيء من خلقه، بما في ذلك عبادتهم، والعبادة لا تضيف شيئًا إلى كمال الله
أو ذاته.
الكمال المطلق
يعني الاستغناء التام عن أي شيء خارج الذات الإلهية.
لو افترضنا أن
الله تعالى -وحاشاه- يحتاج إلى عبادتنا، لكان ذلك نقصًا في كماله، وهو ما يتناقض
مع مفهوم الإله الكامل.
إذن، العبادة
ليست لغرض يعود إلى الله، بل هي لغرض يعود إلى المخلوق، لكن هذا يقودنا إلى جوهر
الشبهة: إذا كانت العبادة لمصلحتنا، فكيف يمكن أن تكون لنا حاجة قبل أن نوجد؟
- كيف يكون للعدم حاجة؟
الشبهة تفترض أن
الحاجة لا يمكن أن تُعزى إلى شيء غير موجود، وللرد على هذا نقول:
أ- الحاجة ليست في العدم، بل في التصميم الإلهي:
الحاجة ليست
حاجة العدم (لأن العدم لا يمكن أن يكون له صفات أو احتياجات)، بل هي حاجة متأصلة
في طبيعة الإنسان بعد خلقه، الله عزّ وجل، بعلمه الأزلي وحكمته، خلق الإنسان بطباع
وخصائص تجعل العبادة ضرورية له بعد وجوده.
فعندما يصمم
مهندس آلة، فإنه يصممها بحيث تحتاج إلى وقود معين (مثل البنزين) لتعمل بكفاءة،
الآلة قبل تصنيعها لم تكن بحاجة إلى شيء لأنها كانت عدمًا، لكن المهندس، بعلمه،
صممها بحيث تكون لها هذه الحاجة بعد وجودها، بالمثل، ولله المثل الأعلى، الله تعالى
خلق الإنسان بطباع روحية ونفسية وجسدية تجعل العبادة «الوقود» الأمثل لوجوده؛ يقول
تعالى: (أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ
خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ) (الملك: 14)، علم الله الأزلي يشمل
معرفة احتياجات المخلوقات قبل خلقها، الله لم يخلقنا لأننا كنا محتاجين في العدم،
بل خلقنا وصمم فينا حاجة إلى العبادة لنرتقي ونحقق غاية وجودنا.
ب- الغاية من الخلق تعود إلى حكمة الله:
الشبهة تفترض أن
سبب الخلق يجب أن يكون مرتبطًا بحاجة موجودة مسبقًا، لكن هذا الافتراض يتجاهل أن
الخلق نفسه قد يكون تعبيرًا عن صفات الله، مثل الحكمة والرحمة والقدرة؛ يقول تعالى:
(وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ
إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ) (الذاريات: 56)، العبادة هنا ليست حاجة لله، بل هي
الغاية التي وضعها الله عزَّ وجل للإنسان ليحقق كماله الخاص، العبادة تشمل كل عمل
صالح يقرب الإنسان إلى الله ويحقق سعادته في الدنيا والآخرة.
لنأخذ مثل
الفنان، يرسم لوحة فنية ليظهر إبداعه، وليس لأنه يحتاج إلى اللوحة، بالمثل، ولله
المثل الأعلى، الله عزَّ وجل خلق الإنسان ليظهر كماله وحكمته ورحمته، وليُعطي
الإنسان فرصة الوجود والاختيار.
جـ- الحاجة كجزء من طبيعة الإنسان بعد الخلق:
الإنسان، بعد
خلقه، يمتلك طباعًا تجعله بحاجة إلى معنى لوجوده، هذه الحاجة ليست في العدم، بل
تظهر بمجرد وجود الإنسان، على سبيل المثال:
الحاجة الروحية:
الإنسان بطبعه يبحث عن إجابات عن أسئلة وجودية مثل «لماذا أنا هنا؟»، و«ما الغاية
من حياتي؟»، العبادة توفر هذا المعنى من خلال ربط الإنسان بخالقه.
الحاجة النفسية:
الدراسات النفسية تُظهر أن الأشخاص الذين يمارسون شعائر دينية (مثل الصلاة أو
التأمل) يتمتعون بصحة نفسية أفضل، على سبيل المثال، دراسة نُشرت في «Journal of Religion and Health» (2019) وجدت أن الأفراد الذين يمارسون
العبادات بانتظام لديهم مستويات أقل من القلق والاكتئاب.
الحاجة
الاجتماعية: العبادة (مثل الزكاة والحج) تعزز التكافل الاجتماعي والانتماء، وهي
احتياجات أساسية للإنسان ككائن اجتماعي.
إذن، الحاجة
ليست في العدم، بل هي جزء من تصميم الإنسان بعد خلقه، وهي ناتجة عن حكمة الله الذي
عَلِمَ أن العبادة هي السبيل الأمثل لتحقيق سعادة الإنسان وكماله.
د- هل يعني ذلك أن الخلق كان عبثًا؟
الشبهة قد تتفرع
إلى القول: إذا لم يكن الله بحاجة إلينا، ولم نكن نحن بحاجة إليه قبل وجودنا، فهل
الخلق عبث؟
والرد: العبث هو
فعل بلا غاية أو فائدة، لكن الخلق له غاية واضحة؛ إتاحة الفرصة للإنسان ليعيش حياة
هادفة، ويختار طريقه بحرية، ويحقق كماله من خلال العبادة والعمل الصالح.
الحكمة الإلهية
تتجلى في أن الله تعالى خلق الكون بنظام دقيق يخدم الإنسان، يقول تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ
وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي
ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ)
(الجاثية: 13).
هذا النظام
يناقض فكرة العبث.
الكون يظهر دقة
مذهلة في تصميمه، كما يُعرف بـ«مبدأ الضبط الدقيق» (Fine-Tuning Principle)، الثوابت الكونية (مثل ثابت الجاذبية أو الشحنة الكهربائية)
مضبوطة بدقة متناهية لتسمح بوجود الحياة، هذه الدقة تدل على وجود غاية حكيمة، وليس
عبثًا.
على سبيل
المثال، إذا تغيرت قيمة ثابت الجاذبية بنسبة ضئيلة جدًا (1 في 10^60)، لما تشكلت
النجوم أو الكواكب، وبالتالي لما وجدت الحياة، هذا يدعم فكرة أن الخلق له غاية
مدروسة؛ يقول عز وجل: (وَمَا
خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ)
(الحجر: 85)، وكلمة «بالحق» تعني أن الخلق له غاية حكيمة، وليس عبثًا.
- لماذا خلقنا
الله إذن؟
إذا لم يكن الله
بحاجة إلينا، ولم نكن نحن بحاجة إليه قبل وجودنا، فلماذا خلقنا؟
الله تعالى
خلقنا من حكمته ورحمته، ليظهر كماله ويعطي الإنسان فرصة الوجود والاختيار، والخلق
هو تعبير عن صفات الله عزَّ وجل مثل الرحمة، الحكمة، والقدرة.
والعبادة هي
الغاية التي وضعها الله تعالى للإنسان، لأنها السبيل الأمثل لتحقيق سعادته وكماله،
والعبادة ليست مجرد طقوس، بل هي نظام حياة يشمل التفكير، العمل الصالح، الأخلاق،
والارتباط بالخالق.
لننظر للأب الذي
ينجب طفلًا لا يفعل ذلك لأنه «يحتاج» إلى الطفل، بل ليعطيه فرصة الحياة ويربيه
ليكون إنسانًا صالحًا، بالمثل، ولله المثل الأعلى، الله عزَّ وجل خلق الإنسان
ليعطيه فرصة الوجود ويوجّهه إلى طريق الفلاح.
لنتأمل في
الدماغ البشري، بتعقيده الهائل (100 مليار خلية عصبية وتريليونات الاتصالات
العصبية)، مصمم للتفكير، والتأمل، والبحث عن المعنى، هذه القدرات تتماشى مع فكرة
العبادة كتأمل في الخالق تعالى والعمل الصالح، مما يدل على أن الإنسان خُلق لغاية
تتناسب مع طباعه.
الشبهة تقوم على
خلط بين سبب الخلق (من منظور الله تعالى) وغاية الخلق (من منظور الإنسان)، الله لم
يخلقنا لأننا كنا محتاجين في العدم، بل خلقنا بحكمته ورحمته، وصمم فينا حاجة إلى
العبادة بعد وجودنا لنحقق كمالنا وسعادتنا، والحاجة لم تكن في العدم، بل في طبيعة الإنسان
بعد خلقه، والعبادة هي السبيل الأمثل لتلبية هذه الحاجة.
الخلق له غاية
حكيمة، وهي إتاحة الفرصة للإنسان ليعيش حياة هادفة.
إنَّ العبادة
ليست لسد نقص في الله، بل لتحقيق كمال الإنسان.
القرآن الكريم
يؤكد أنَّ الله عزَّ وجل خلقنا لنعبده، وهذه العبادة هي لمصلحتنا، كما يقول عزَّ
وجل على لسان سيدنا شعيب: (وَمَا
أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا
الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود: 88).
إنَّ التأمل في
النظام الكوني الدقيق والقدرات البشرية الفريدة يدل على أن الخلق له غاية،
والعبادة تتماشى مع احتياجات الإنسان النفسية والاجتماعية.
إنَّ الله عزَّ
وجل لا يحتاج إلى عبادتنا، لأنه الغني المطلق، والحاجة إلى الله تعالى ليست حاجة
العدم، بل حاجة الإنسان بعد خلقه، وهي جزء من تصميمه الإلهي، والعبادة هي الغاية
التي وضعها الله عزَّ وجل، للإنسان ليحقق سعادته وكماله، وليست لسد نقص في الله،
تعالى الله عما يصفون.
مقالات مرتبطة:
https://mugtama.com/a/a7KoWLM7
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً