4 ركائز لمن يطلب نصر الأمة

النصر في المفهوم الإسلامي ليس مكافأة تمنح، ولا هدية تهدى لأحد دون بذل الأسباب الكاملة، بل هو سُنة من سنن الله تعالى يجب أن تستوفي شروطها حتى تتحقق، فالأمم التي ترنو إلى النصر مطالبة قبل غيرها بإعادة بناء منظومة أخلاقها وفق منهج الله تعالى، ثم السير على طريق النصر؛ حيث إحياء الإيمان، وإقامة العدل، والعمل الجاد الذي لا يعرف الكلل، وكل نصر يتجاوز هذه القيم والأخلاق وإن تحقق فهو زيف، وأما إن أردناه نصراً مؤزراً متجذراً، يقيم حضارة إنسانية راقية، فعلينا بناؤه على الأخلاق، وحفظه بالقيم، ومن هنا كان لزاماً أن نعرف هذه الأخلاق والركائز الداعمة للنصر وإقامة الحق؟

أولاً: الإيمان بالله قولاً وفعلاً:

وهو الشرط الأول من شروط الاستخلاف في الأرض، والإيمان اعتقاد وقول وعمل، يقول تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ {2} الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال).

ويستشهد د. علي الصلابي بهذه الآية في تعريف الإيمان جملة فيقول: «لقد جمعت هذه الآيات وهي تعرض صفات المؤمنين بين عمل القلب وعمل الجوارح، واعتبرت هذا كله إيماناً، وقصرت الإيمان عليه بأداة القصر والحصر «إنما»، وعرفت المؤمنين بتلك الصفات مجتمعة، عندما ضمنتها بعبارة (أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً)، وأعمال الجوارح في هذه الصفات هي: إقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله»(1).

وقد تعددت صفات المؤمنين في كتاب الله في مواضع كثيرة، لكنها تتفق في أن معنى الإيمان يتمثل في ثلاثة جوانب أساسية، وهي: معتقد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، وأي تقصير في جانب منها أخذ من حقيقة الإيمان وانتقاص منه، والأمة التي تريد الخروج من هيئة الاستضعاف، عليها أن تدخل في الإسلام بشموله، وأن تحقق صفات أهل الإيمان التي ذكرها ربنا في قوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {2} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3} وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ {4} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {6} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {7} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {8} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ {9} أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ {10} (المؤمنون).

ثانياً: العدل أساس النصر وشرط التمكين:

العدل هو القاعدة الأولى في البناء الأخلاقي للأمم الباحثة عن النصر، فهو باعث على حرص أفراد المجتمع على المصالح العامة، كحرصهم على المصالح الخاصة؛ لأن المجتمع ذاته عادل يحفظ مصالحهم ويعمل عليها، والله عز وجل يأمر عباده به في كتابه، فيقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90).

والأمة التي تفتقد إلى العدل في تعاملها مع رعيتها لا يمكن أن تحقق نصراً، إذ كيف تحققه بنفوس تحمل أحقاداً وكراهية ومظالم فيما بينهم؟ ولماذا يحرص أفرادها على تحقيق النصر وهو في النهاية ليس لهم؟

ومن الجدير بالذكر أن العدل مطلوب في الإسلام حتى مع العدو، فما بالنا به داخل المجتمع المسلم ذاته، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).

فالظلم ولو تلبس بثوب الشعارات الدينية سبب لزوال الأمم وسقوط هيبتها حتى في أعين أبنائها، بينما العدل يورث الاستقرار الداخلي الذي لا قيام لنصر بدونه.

ثالثاً: تحمل المسؤولية والتخلي عن ثقافة التبرير:

وتبرير الأخطاء نوع من الكذب الذي يقدمه المسؤولون المهزومون لأتباعهم لتزييف وعيهم وتبرير إخفاقاتهم، فهم دائماً يبحثون عن شماعات يعلقون عليها هزائمهم، ويقنعون أتباعهم بأن المؤامرات الخارجية هي التي وقفت حائلاً دون تحقيق نصر للمسلمين، وليس ضعفهم وعدم قيامهم بالأسباب وحسن التوكل على الله، وهكذا لا يتغير شيء، فالتآمر الخارجي لا يتوقف، وقدراتهم لا تتغير، وعجزهم وفشلهم وكبرهم يحول دون محاولتهم التغير وتحقيق شروط النصر والتمكين.

وقد نسوا قول الله تعالى في هزيمة «أحد» وقبل عودة المسلمين إلى المدينة: (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران: 165).

رابعاً: الصبر الإيجابي

والصبر شرط نجاح أي عمل، وهو شرط معية الله تعالى، فيقول عز وجل: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)، والصبر ليس خنوعاً واستسلاماً، ولا تسليماً لواقع فرضته الهزيمة وحالة الاستضعاف التي تمر بها الأمة، بل هو ثبات العامل على الطريق، وثباته على القيم والأخلاق والسنن والجهد، وثباته على الفكرة واستنفاذ الأسباب.

الصبر الإيجابي الدافع للعمل وليس للقعود، الصبر على الجهاد، وليس الصبر على قهر العدو واستعلائه، وهو الصبر المقصود في مثل قوله تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عـمــران: 120)، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُــوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِــحُونَ) (آل عمران: 200)، وقــوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال: 45)، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (رواه أحمد)


اقرأ أيضاً:

الأسباب العشرة لتحقيق النصرة

حديث القرآن عن النصر

الهوامش
  • 1 فقه النصر والتمكين، د محمد علي الصلابي، ص162.
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة