من وصايا الرسول ﷺ في الحروب (4)
النهي عن «الغلول»
تتساقط الكثير
من القيم في ميادين الحروب، وتظهر الانحرافات تحت ضغط النزاع والصراع، ويظن هؤلاء
المنحرفون أن ساحة الحرب فوضى لا تحكمها القيم الضابطة، بل تقودها القوة الجامحة.
لكن الإسلام
يرفض هذا المنطق المعوج، ويجعل من ساحة القتال ميداناً للالتزام الأخلاقي وطهارة
النفس ونزاهتها عما ليس لها، فالأمة التي تواجه الفساد في داخلها، وتلتزم الأمانة
في كل شؤونها، هي الأحق بتأييد الله ونصره.
ولهذا جاءت
وصاياه صلى الله عليه وسلم في الحروب مؤكدة الأساس الأخلاقي في استجلاب النصر
الإلهي، ففي صحيح مسلم عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى
جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وكان مما قَالَ: «اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا..».
والغلول هو
الخيانة في المغنم والسّرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكلّ من خان في شيء خفية فقد
غلّ، (النهاية، 3/ 380)، وقال ابن حجر: الغلول هو اختصاص أحد الغزاة، سواء الأمير
أو غيره بشيء من مال الغنيمة قبل القسمة من غير أن يحضره إلى أمير الجيوش، وإن قلّ
المأخوذ، (الزواجر، 2/ 293- 294).
فضل الطهارة من الغلول
1- براءة الأنبياء من الغلول عامة وفي الحرب خاصة:
أوضح الله تعالى
أن الغلول في الحرب ليس من صفات الأنبياء والرسل، وليس من صفات المؤمنين، حيث قال
تعالى: (وَمَا كَانَ
لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (آل عمران: 161).
وقد جاء في سبب
نزول هذه الآية عن ابن عبّاس أنه قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء افتقدت يوم «بدر»،
فقال بعض النّاس: لعلّ رسول الله أخذها، فأنزل الله الآية. (تفسير الطبري، 4/
102).
2- من أفضل الأعمال:
في سنن النسائي
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُبْشِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ لَا شَكَّ
فِيهِ، وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ».
3- مدح الذين لا يغلون في الحرب:
في سنن الترمذي
عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «نِعْمَ الْحَيُّ الْأُسْدُ، وَالْأَشْعَرِيُّونَ لَا يَفِرُّونَ
فِي الْقِتَالِ، وَلَا يَغُلُّونَ، هُمْ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ».
4- دليل على الأمانة:
لمّا فتح
المسلمون القادسيّة أخذوا الغنائم ودفعوها إلى عمر، فقال: إنّ قوماً أدّوا هذا لأمناء،
فقالوا له: عففت فعفّوا ولو رتعت لرتعت أمّتك. (الورع: ابن أبي الدنيا، 122).
أخطار الغلول في الحرب
1- انتشار الخوف
والرعب بين الناس: في موطأ مالك عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:
«مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبُ..».
2- علامة على حب
الدنيا وطريق إلى الهزيمة: ليس الغلول مجرد أخذ من مال الغنيمة خفية فقط؛ بل إنه
صورة لشخصية مليئة بالأمراض والأخطار، فلا يأخذ من مال الغنيمة خفية إلا سارق،
ومحتال، ومحب للدنيا، وطامع فيما ليس من حقه، وخائن للثقة والأمانة التي لا بد من
وجودها بين المسلمين، فإذا انتشرت هذه الصفات السيئة في جيش؛ فهو لا محالة ضائع
وخاسر.
وقد أوضح الله تعالى
أن حب الدنيا والطمع فيها سبيل إلى معصية الله ورسوله، وهذا سبب الهزيمة، قال
تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ
اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ
وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا
تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) (آل عمران: 152).
3- عار ونار يوم
القيامة: في صحيح مسلم عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ
خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى
رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا
أَوْ عَبَاءَةٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ فِي
النَّاسِ أَنَّهُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ»، ففي الحديث
تأكيد أن الغلول في الحرب يجعل صاحبه من أهل النار، حتى وإن مات في القتال.
وفي سنن ابن
ماجه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، إِلَى جَنْبِ بَعِيرٍ مِنَ
الْمَقَاسِمِ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الْبَعِيرِ، فَأَخَذَ مِنْهُ
قَرَدَةً، يَعْنِي وَبَرَةً، فَجَعَلَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا مِنْ غَنَائِمِكُمْ، أَدُّوا الْخَيْطَ،
وَالْمِخْيَطَ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْغُلُولَ
عَارٌ، عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَشَنَارٌ وَنَارٌ».
4- نفي الإيمان
والمنع من دخول الجنة: في الحديث السابق، أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن
الخطاب أن ينادي: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ»، وكان ذلك بعد
أن أخبرهم بغلول الرجل في الحرب، وفي سنن الترمذي عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ
ثَلَاثٍ: الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
هل الغلول خاص بغنائم الحرب فقط؟
إذا كان الغلول
هو الأخذ من مال المسلمين خفية؛ فإنه لا يخص الغنائم الحربية فقط، بل يشمل الأخذ
من المال العام أيضاً، ولهذا جاءت وصاياه صلى الله عليه وسلم للعمال والولاة ألا
يأخذوا من مال المسلمين شيئاً، ووصف من فعل ذلك بالغلول، ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي
حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
اسْتَعْمَلَ عَامِلًا، فَجَاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَالَ لَهُ: «أَفَلَا
قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا».
ثُمَّ قَامَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ
فَتَشَهَّدَ، وَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا
بَعْدُ: فَمَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ: هَذَا
مِنْ عَمَلِكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ
وَأُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ
رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ
شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ».
وفي صحيح مسلم
عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ
فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ».
إن كل من أخذ ما
ليس من حقه خفية من المال العام يعتبر غلولاً، ويؤدي إلى نفس الأخطار والنتائج
التي سبق بيانها في الغلول من الغنيمة الحربية.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً