معركة «فتح الفتوح نهاوند».. ملحمة الصدق والخدعة والشهادة
في العام الحادي
والعشرين من الهجرة المباركة، نما إلى سمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أن أسراب الفرس تتداعى من شتى أصقاع بلادهم، وتتجمع في بلدة نهاوند، يؤمهم
الفيرزان، عاقدين العزم على استرداد كل مفتوح من بلادهم بأيدي المؤمنين.
فما كان من الفاروق إلا أن يجمع الرجال في جيش عرمرم بلغ زهاء الثلاثين ألفاً، ليرد غائلة المجوس عن ديار الحق، ولينزل قاصمة بهم تتركهم في هوان لا عز بعده.
انتداب القائد النعمان بن مقرن المزني
وانتدب لقيادة
الجيش رجلاً من الصحب الأشاوس، له قصب السبق في الفداء ومجالدة أهل الكفر، انتدب
النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه.
فتقدم القائد
بجيشه يذرع بيداء العرب صوب أرض النزال، يحدو به الشوق للجهاد والفداء، حتى نزل
بساحة القوم، فساء بنزوله صباح القوم الكافرين، رص الصفوف، وراح يبث فيهم عزمة
المؤمنين، ويذكرهم بالوعد الحق، وعد الصدق الذي له يستشرفون.
وخطبهم قبل
النزال داعياً ربه، آمراً لهم بالتأمين، قلب وجهه الوضيء في السماء، وبسط أكف
الضراعة يناجي ربه: «اللهم اجعلني أول شهيد اليوم، ولا تخزني، واجعل النصر على أيدي
المسلمين».
أمَّن جنود الحق
على دعاء أميرهم، وتقدموا إلى أرض المعمعة، وهم من خلفه يرسلون التكبيرات، فيبتهج
لهم وجه السماء، فيرمقونه بنظرات الاشتياق إلى جنان الخلد ورضوان رب الجنان.
تمترس العدو
منهم بأسوار شاهقات وحصون منيعات، وبتلك الحصون وهذه الأسوار ظن الفرس أنهم بها في
أمان، وأنها مانعتهم من صولة أبناء الإيمان، ظنوا ظنهم وهم في جهالة أن الإيمان
يورث بنيه الفطنة والدهاء، وهو ما كان من الأمير النعمان؛ فقد أوعز لجنوده أن
يتقهقروا متظاهرين بالهزيمة والفرار، فأغروا بالفرس أن يخرجوا من حصونهم، فلما
خرجوا، كر عليهم الرجال كرة أذهبت منهم كل جنان، واشتبك الجيشان، وتداخلت الصفوف،
وتصادمت السيوف، وفوق الرؤوس تمرق رماح الحتوف، وسكت رجال الحق إلا عن التكبير
للوهاب، وسيوفهم تخطب على منابر الرقاب.
استشهاد النعمان.. وتسلم الراية ابن اليمان
ويجيء رمح مساق
بدعوة النعمان، يحمل إليه غاية المنى، شهادة في سبيل الله، فيصيبه وهو على متن
فرسه، فيخر مصاباً بين الجنود، فيهتم له بعضهم، فينهاهم عنه ليكملوا حملة الجهاد،
وبقي لحيظات فيها الوداع لرفاق دربه، رفاق الجهاد، ويسلم الروح الطاهرة إلى بارئها،
وتكتم الرجال على خبره كي لا يفت في الأعضاد، وتسلم الراية منه الكريم حذيفة بن
اليمان، ليكمل بالجيش سيره صوب الظفر، وحمل على الأعداء حملة خلخلت منهم الصفوف،
فارتعبت جموعهم، واختلطوا في ذعر الفرائس وقد دنت منها الليوث، وآلوا إلى شذر مذر
بلا نظام، وأعمل الرجال فيهم السيوف، فهلك منهم من هلك، وجرح الأكثرون.
وهنالك هرب
كبيرهم الفيرزان، فراراً يطلب النجاة بأي سبيل، لكن هيهات هيهات، فلات حين مهرب!
فقد لحق به ليث المسلمين القعقاع، ليجهز عليه ويتركه صريعاً مع صرعى قومه، الذين
تناثرت جثثهم فوق أرض المعركة، حتى كادت لكثرتها تكون كساء لذلك الأديم.
ألا فرضوان الله
عليك سيدي النعمان، ابتغيت الشهادة بصدق، فأخلصت سؤال ربك فيها، فكانت لك الجزاء
الأوفى، وكنت بما صنعت نعم القدوة لجندك؛ فما من أثر يتعمق في قلوب المقتدين مثل
صدق الفعل ممن اقتدوا به، ولو أن القائد كان ذا لسان قؤول، يزجي الفصاحة في نصاعة
بدر التمام، وخطب في أتباعه كل يوم، فلن يحرك فيهم ساكناً إن لم يصدق قوله عمله،
ففعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، كما حكى ابن القيم رحمة الله عليه.
الحرب خدعة
والحرب خدعة،
هكذا علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته، وقالها حكمة بالغة، فأغنت رجاله من
بعده عن كثير من الجهد والعناء، وامتثلها الأمير النعمان في حربه، وخاتل الفرس
فأوقعهم في شرك الهزيمة، وأتى على جيشهم يسحقه رجاله، فما قامت لهم بعدها قائمة،
فهل لنا في ذلك عبرة نعتبرها، بأن نتحسس خطى قائدنا الأعظم صلى الله عليه وسلم ونمضي
عليها حذو النعل بالنعل، لنكون في ذلك من المهتدين في المسير، الظافرين في منازلة
الخصوم؟
وأخفى حذيفة رضوان
الله عليه ورفاقه خبر ارتقاء القائد، حتى لا يفل في عزمات الرجال، وهو بما صنع
مؤمن لا يذيع ما يأتيه من أمر الأمن أو الخوف، كما هي حال المنافقين الذين وسمهم
رب العزة بذلك في كتابه، فمن أذاع ولم يتكتم، يبتغي زعزعة القلوب وإشاعة الهلع،
فهو يفعل فعل النفاق بلا ريب؛ فليحترز كل ذي صدق أن يزل، ويلوك بلسانه كل ما نما
إلى سمعه.
اقرأ أيضاً:
الأندلسُ
حاضرةُ الدنيا وغُرَّةُ جبينها
هيبة الوالي
وزهد الخليفة .. حكاية لقاء بالشام بين السادة معاوية وعمر
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً