خطة إنقاذ التعليم في مخيمات النزوح بالسودان

خالد محمد علي

11 فبراير 2026

222

خطة إنقاذ التعليم في مخيمات النزوح بالسودان

يواجه السودان أزمة كبرى تلاحق جيلاً كاملاً في مجال التعليم، وبينما يشهد هذا المجال تدهورًا غير مسبوق في كافة أنحاء البلاد، تبرز محاولات محلية ودولية لإنقاذ ما تبقى من العملية التعليمية التي دهستها عجلات الحرب، خصوصًا في مخيمات النزوح التي تمددت على أطراف المدن وفي المناطق الحدودية.

فمنذ اندلاع تمرد قوات «الدعم السريع» على الجيش السوداني في أبريل 2023م، دخلت المنظومة التعليمية في حالة شلل شبه كامل، ووجد قرابة 14 مليون طفل أنفسهم خارج أسوار المدارس، بلا فصول ولا معلمين ولا كتب دراسية، ومع اقتراب الحرب من ختامها للعام الثالث على التوالي، باتت الأزمة أكثر تعقيدًا في ظل نزوح واسع النطاق وانهيار المدارس وتسرب الطلاب والمعلمين، وتقاعس المجتمع الدولي عن توفير التمويل اللازم لإنقاذ العملية التعليمية خاصة في مخيمات النزوح.

يفترشون الأرض لأجل التعلم

أجمعت المنظمات الدولية العاملة في مجال التعليم والطفولة على أن كارثة التعليم في السودان، خاصة في مخيمات النزوح الأسوأ عالميًا، حيث تباينت أرقام الأطفال المتسربين عن التعليم ما بين 14 - 17 مليون طفل، بينهم أكثر من 8 ملايين انقطعوا تمامًا عن الدراسة منذ اندلاع الحرب.

وتُعد مخيمات النازحين المنتشرة في كل الجغرافيا السودانية واحدة من فصول المأساة للتعليم في السودان، حيث تجمع بين أقمشتها المتهالكة وبنيتها المنهارة أطفالًا يبحثون عن الغذاء والدواء، ويتجولون بين صناديق القمامة بحثًا عن قطعة خبز تبقيهم على قيد الحياة وهم يهتمون من البقاء أكثر من اهتمامهم بالتعليم الذي يأتي تاليًا في غريزة البقاء.

وفي مخيمات النزوح، لا يوجد تعليم كما عاهده الأطفال في مدارسهم، فبدلًا من الفصول الدراسية التي تشكل صورتها في أذهان الأطفال مباني جيدة وأساسات للبنية التعليمية، أصبحت الفصول خيامًا مهترئة أو فضاءات ممتدة تحت الأشجار، حيث تختفي المقاعد الدراسية وكافة أدوات العملية التعليمية.

وتتشكل صورة الفصل الدراسي في مخيم النزوح من لوحة شديدة الألم؛ حيث يختلط تراب الأرض بأجساد الأطفال شبه العارية، بينما يحاول معلمون بلا خبرة تلقينهم الدروس من خلال كتاب واحد وهو فقط في يدي المعلم.

تحديات التعليم في مخيمات النزوح

تقول منظمة «يونيسف» ومنظمات دولية ومحلية أخرى: إن هناك تحديات جمة تواجه العملية التعليمية في السودان عامة ومخيمات النزوح خاصة، من بينها تسرب المعلمين الذين التحق جزء منهم بالعملية القتالية، أو خرجوا بحثًا عن العمل بعد توقف رواتبهم، أو قتلوا أثناء هجمات «الدعم السريع» على مدارسهم، إضافة إلى تسرب ملايين الأطفال بعيدًا عن العملية التعليمية؛ إما التحاقًا بالقتال أو بحثًا عن الغذاء أو الزواج المبكر للفتيات.

وأنتجت تلك التحديات أزمة انقطاع كامل عن التعليم لقرابة 3 أعوام، وهي من أطول الفترات عالميًا التي ابتعد فيها الأطفال عن مدارسهم، ومما يزيد الأزمة تعقيدًا أن آلاف المدارس إما دمرت تدميرًا شاملًا أو جزئيًا، كما أن الفصول قاصرة تمامًا عن تأدية دورها بسبب غياب كل الخدمات التعليمية عنها.

أزمة مستقبل وهوية

رغم قتامة الصورة ومأساة واقع التعليم في السودان وخاصة في مخيمات النزوح، فإن إرادة الأسر السودانية الصلبة والمستمرة بالتمسك بتعليم أطفالهم دفعت العديد من المنظمات الدولية والمحلية للقيام بمحاولات جادة لإنقاذ التعليم من الكارثة التي ألمّت به، حيث أطلقت منظمة «يونسكو»، بالتعاون مع شركاء التعليم العالمي، خطة انتقالية للتعليم تمتد بين عامي 2025 -2027م، وتهدف إلى إعادة إحياء العملية التعليمية في ظروف الطوارئ، عبر إنشاء فصول تعليم مؤقتة، وتوفير مناهج مرنة، وتدريب المعلمين، غير أن هذه الخطة لا تزال محدودة الأثر؛ بسبب عدم وصولها لكافة مخيمات النازحين؛ إما بسبب غياب التمويل، أو بالخوف من الاكتواء بنار الحرب.

وفي هذا الاتجاه، كثفت المنظمات الدولية، وعلى رأسها «يونيسف»، ومنظمة «أنقذوا الأطفال»، برامج التعليم غير النظامي داخل المخيمات، مستهدفة مئات الآلاف من الأطفال عبر فصول تعويضية وتوزيع مواد تعليمية أساسية، ورغم أهمية هذه الجهود، فإنها تبقى محدودة نظرًا للانهيار الشامل للمدارس والعملية التعليمية في كافة أنحاء السودان تقريبًا.

ومن جهته، حاول المجتمع المدني السوداني سد الهوة بين الإمكانيات القليلة المتاحة، وإصرار الأسر السودانية على تعليم أطفالهم، حيث بادر معلمون وناشطون إلى إنشاء مبادرات تعليمية تطوعية داخل المخيمات، مستخدمين إمكانات شديدة التواضع.

يقول المعلم عثمان يوسف: إننا مطرون باستخدام ما لدينا من وسائل بدائية لإنقاذ أجيال كاملة من الأمية والجهل، خاصة مع غياب واضح للدعم الدولي في المساعدة للخروج من الأزمة، علمًا بأننا نعمل بلا رواتب، ولا تجد الأسر النازحة ما تقدمه لنا سوى الدعاء، مضيفًا أنني أعمل متطوعًا منذ أكثر من عامين بكتاب واحد أحمله كل يوم أمام تلاميذ لا يحملون أي كتب أو وسائل التعليم الأخرى.

ويتخوف الخبراء من تدمير الهوية الثقافية والدينية والأخلاقية بين تلك الأجيال التي تسربت من المدرسة والفصل التعليمي الرسمي، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج التعليم الدولية التي تتعمد حشو برامجها بعلوم وثقافات تتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية للمجتمعات المسلمة في السودان، وبين الخوف من انفصام هذا الجيل عن هويته وانتمائه الوطني، يزداد حجم الكارثة وحجم الخوف على مستقبل السودان ككل.

ويوصي الخبراء بضرورة حماية المدارس والمنشآت التعليمية من قنابل ومسيرات «الدعم السريع»، وإصدار عقوبات دولية وفورية لأي طرف يستهدف الأطفال ومدارسهم ومعلميهم، مع ضرورة وضع برامج تدريب لإعادة تأهيل المعلمين وتوفير رواتبهم ووضع برامج نفسية واجتماعية لإعادة تأهيل جميع الطلاب نفسيًا ومعنويًا للاستمرار في العملية التعليمية بعقل وجسد سليم.

ويبقى أن التعليم وخاصة في مخيمات النزوح أصبح تحديًا مجتمعيًا ودوليًا لا يمكن تركه للصدفة أو المقادير، ولكنه يتطلب إجماعًا عربيًا ودوليًا للانخراط في مبادرة شاملة لإنقاذ كافة الجوانب التعليمية في السودان، وإزالة آثار الحرب المدمرة التي اتضح أن من بين أسبابها تغيير هوية الشعب السوداني إلى هوية أخرى لا تناسب قيمه أو عقيدته أو أخلاقه.



اقرأ أيضاً:

3 كوارث أسرية وتعليمية خلفتها الحرب في السودان

كيف تهدد «الدعم السريع» تماسك الأسرة السودانية؟

«الخلاوي» و«المسيد».. ضحايا جدد لـ«الدعم السريع» في السودان

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة