عبيد الله بن زياد.. وشجاعة النصيحة أمام سطوة السلطة
روى الإمام الذهبي في ترجمة عبيد الله بن زياد بن أبيه(1)، رَوَى السَّرِيُّ بْنُ
يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، أَمَّرَهُ
مُعَاوِيَةُ، غُلَامًا سَفِيهًا، سَفَكَ الدِّمَاءَ سَفْكًا شَدِيدًا، فَدَخَلَ
عَلَيْهِ عَبْدُاللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ فَقَالَ: انْتَهِ عَمَّا أَرَاكَ تَصْنَعُ؛
فَإِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، قَالَ: مَا أَنْتَ وَذَاكَ؟ إِنَّمَا
أَنْتَ مِنْ حُثَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: وَهَلْ كَانَ فِيهِمْ حُثَالَةٌ لَا أُمَّ لَكَ، قَالَ: فَمَرِضَ ابْنُ
مُغَفَّلٍ، فَجَاءَهُ الْأَمِيرُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَائِدًا فَقَالَ: أَتَعْهَدُ
إِلَيْنَا شَيْئًا؟ قَالَ: لَا تُصَلِّ عَلَيَّ، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِي، قَالَ
الْحَسَنُ: وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ جَبَانًا، رَكِبَ، فَرَأَى النَّاسَ فِي
السِّكَكِ، فَقَالَ: مَا لِهَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: مَاتَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ
مُغَفَّلٍ، وَقِيلَ: الَّذِي خَاطَبَهُ هُوَ عَائِدُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ
كَمَا فِي «صَحِيحِ» مُسْلِمٍ فَلَعَلَّهَا وَاقِعَتَانِ.
يمثل هذا الخبر
صورة مكثفة من صور التاريخ الإسلامي المبكر؛ حيث يلتقي نفوذ السلطة السياسية مع
قوة الضمير الأخلاقي، ولا تكمن أهمية الموقف في مجرد مواجهة فردية بين والٍ
وصحابي، بل في المعاني التي يكشفها عن طبيعة الحكم، وحدود القوة، ومكانة النصيحة،
ودور العلماء والصالحين في حماية القيم العامة.
وينبغي عند
قراءة أخبار الفتن السياسية في صدر الإسلام مراعاة سياقها التاريخي، والتمييز بين
ثبوت الرواية وتحليل دلالاتها، فالمقصود هنا ليس إعادة إصدار أحكام تاريخية مجردة،
وإنما فهم القيم التي يحملها هذا الموقف كما نقلته كتب التراجم والأخبار.
كيف تتحول الصلاحيات المطلقة إلى أزمة أخلاقية؟
كان عبيد الله
بن زياد من الشخصيات السياسية البارزة في العصر الأموي، وقد تولى مناصب مهمة في
العراق، وهي منطقة كانت شديدة التعقيد من الناحية السياسية والاجتماعية، ويكشف
النص عن صورة لحاكم مارس الشدة والقوة المفرطة، حتى وصف الحسن البصري حاله بقوله: «سفك
الدماء سفكًا شديدًا».
وهنا يظهر الفرق
بين مفهوم السلطة في ميزان السياسة المجردة ومفهومها في التصور الإسلامي؛ فالولاية
ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما أمانة ومسؤولية، وقد قرر القرآن أصلًا عظيمًا في باب
الحكم والرعاية بقوله تعالى: (إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58).
ومن هنا يظهر أن
الخطر الأكبر على أي مؤسسة قيادية ليس ضعف القوة، بل انفصال القوة عن المسؤولية
الأخلاقية؛ لأن السلطة التي لا تضبطها العدالة تتحول من أداة لحفظ المجتمع إلى
مصدر للخوف والاضطراب.
ولعل من أوضح
الشواهد التاريخية على ذلك ما وقع للحجاج بن يوسف مع الإمام سعيد بن جبير رحمه
الله؛ إذ تحولت السلطة في تلك اللحظة من وسيلة لإقامة العدل إلى أداة لإسكات
المخالف، فأمر بقتله بعد حوار طويل بينهما، ولم يكن هذا الموقف مجرد حادثة عابرة،
بل أصبح شاهدًا خالدًا على أن القوة إذا انفصلت عن الضابط الأخلاقي قد تدفع صاحبها
إلى سفك دمٍ من خيار أهل العلم، وقد ذكر المؤرخون أن الحجاج لم يهنأ بعد ذلك، وكان
يقول في مرض موته: «ما لي ولسعيد بن جبير»(2)، كأن هذا الموقف ظل
يطارده حتى آخر حياته.
كيف يقوّم ثبات الكلمة انحراف أصحاب السلطة
دخل عبدالله بن
مغفل رضي الله عنه على الأمير فلم يبدأ بإثارة أو تشهير، وإنما وجّه نصيحة واضحة: «انته
عما أراك تصنع؛ فإن شر الرعاء الحطمة»، وهذه العبارة تحمل دلالة تربوية عميقة؛ فهي
تستند إلى تشبيه الحاكم بالراعي، فالراعي الحقيقي يحفظ من تحت يده، أما الحطمة فهو
الذي يكسر من وُكل إليه أمرهم.
وقد ورد في صحيح
مسلم حديث عائذ بن عمرو المزني رضي الله عنه في معنى قريب حين دخل على عبيد الله
بن زياد، فقال له: «يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر
الرعاء الحطمة»، فدل ذلك على أن مواجهة الظلم بالنصيحة أصل معروف عند الصحابة.
وتكشف هذه
اللحظة عن طبيعة الشجاعة الحقيقية؛ فالشجاعة ليست فقط مواجهة العدو في الميدان، بل
قد تكون كلمة صادقة تقال لمن يملك القدرة على الانتقام، ولهذا قال النبي صلى الله
عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»(3).
ولم يكن هذا
المعنى مجرد توجيه نظري، بل تجسد عمليًا في مواقف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
الذين قدموا نماذج خالدة في الجهر بالحق والثبات عليه مهما كانت العواقب، ومن أبلغ
تلك المواقف ما فعله الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه في بداية إسلامه،
حين امتلك شجاعة الجهر بكلمة الحق أمام سادة قريش المشركين في مكة، رغم قسوتهم
وسطوتهم، فخرج حتى أتى المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته مبادرًا إياهم: «أشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، فقاموا إليه فضربوه ضربًا مبرحًا حتى أضجعوه،
ولم ينقذه من القتل إلا تدخل العباس بن عبدالمطلب(4).
لماذا هاجم عبيد الله بن زياد شخصية الناصح عند العجز عن مواجهة الحجة؟
عندما عجز عبيد
الله بن زياد عن الرد على مضمون النصيحة، انتقل إلى الطعن في الشخص فقال: «إنما
أنت من حثالة أصحاب محمد»، وهذه الطريقة النفسية معروفة في تاريخ الصراعات؛ إذ
يحاول صاحب القوة أحيانًا نقل النقاش من الفكرة إلى الشخص، لأن مواجهة الحجة أصعب
من مهاجمة صاحبها.
لكن رد الصحابي
كان كاشفًا: «وهل كان فيهم حثالة لا أم لك؟» فلم يدخل في جدال شخصي، وإنما أعاد
القضية إلى أصلها: مكانة جيل الصحابة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه
وسلم.
وإذا كانت
الشجاعة الحقيقية تظهر في مواجهة الباطل، فإن قوة الأخلاق تظهر كذلك في القدرة على
ضبط النفس عند الاستفزاز؛ إذ ليس كل من قدر على الرد كان أحكم الناس، بل قد يكون
ترك الإساءة أعظم انتصار، ومن أروع النماذج في ذلك حلم الأحنف بن قيس، الذي صار
مضرب المثل في درء الإساءة الشخصية والحفاظ على المبدأ، حيث قيل: إن رجلاً خاصمه،
وقال له محقِّرًا ومستفزًّا: «لئن قلت واحدة، لتسمعن عشراً»، فرد عليه الأحنف
بثبات العاقل الذي لا ينحدر إلى التحقير: «لكنك إن قلت عشراً لم تسمع واحدة»(5).
وفي واقع الناس
اليوم، تتكرر هذه الصورة في مجالات كثيرة؛ فقد يواجه صاحب الرأي المخالف بمحاولة
إسقاط شخصيته بدل مناقشة فكرته، ومنهج الحكماء أن يثبتوا على المبدأ، وألا يسمحوا
بتحويل النقاش من الحقائق إلى الإهانات.
حين تصبح الجنازة امتدادًا لموقف الرفض الأخلاقي
لم يكن موقف عبدالله
بن مغفل مجرد اعتراض لفظي، بل امتد إلى آخر لحظات حياته، فعندما عاده عبيد الله بن
زياد في مرضه وسأله: «أتعهد إلينا شيئًا؟»، قال: «لا تصل عليَّ، ولا تقم على قبري».
وهذا الموقف
يحمل معنى رمزيًا قويًا؛ فالصلاة على الميت والقيام على قبره ليست مجرد إجراء
اجتماعي، بل كانت تحمل دلالة التكريم والمكانة، ولذلك أراد الصحابي أن يمنع أن
تتحول جنازته إلى وسيلة تمنح الحاكم صورة من القبول الاجتماعي الذي لم يره
مستحقًا.
ولا يعني ذلك أن
كل موقف تاريخي مشابه يُنقل بلا نظر أو تنزيل، لكن المعنى العام واضح؛ أن أصحاب
المبادئ قد يرفضون أن تُستخدم رموزهم لتغطية أخطاء السلطة أو لتجميل صورة الظلم.
ويؤكد هذا
المعنى ما جاء عن التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله، إذ لم يقتصر التحذير
عنده على ظلم الحاكم نفسه، بل شمل كل ما قد يورث تعظيمه أو يبعث على القبول به،
فقال: «لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط
أعمالكم الصالحة»(6).
لماذا يفتقد الطغاة الطمأنينة رغم امتلاكهم القوة؟
من أكثر الصور
دلالة في الرواية قول الحسن: «وكان عبيد الله جبانًا»، ثم ذكر أنه ركب فرأى الناس
في السكك، فسأل عن سبب اجتماعهم، فقيل له: مات عبدالله بن مغفل.
تكشف هذه الصورة
عن مفارقة عميقة: قد يمتلك الإنسان أدوات القوة الظاهرة، لكنه يفتقد الطمأنينة
الداخلية، فالقيادة القائمة على الرهبة لا تصنع محبة، ومن يعتمد على الخوف قد يخشى
حتى اجتماع الناس في مناسبة طبيعية.
وهذه الحقيقة لم
تقتصر على عبيد الله بن زياد، بل تكررت في نماذج أخرى عبر التاريخ؛ إذ إن الخوف
كثيرًا ما يلازم أصحاب الباطل مهما أظهروا من قوة وسلطان، ومن أوضح الأمثلة على
ذلك حالة الرعب الداخلي التي سكنت قلب أمية بن خلف، أحد قادة قريش الطغاة، حين
أخبره سعد بن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد بقتله، ففزع فزعًا شديدًا
وتملكه الخوف رغم سطوته الظاهرة في مكة، حتى حلف لزوجته ألا يخرج منها، ولما أُجبر
على الخروج لغزوة «بدر» تحت ضغط أبي جهل، كان من شدة رعبه لا ينزل منزلًا إلا عقل
بعيره خوفًا ورهبة، حتى لقي مصرعه(7).
كيف تكشف الجنائز رصيد المحبة في النفوس؟
لم تكن كثرة
الناس في الطرقات مجرد مشهد اجتماعي، بل كانت تعبيرًا عن مكانة الصحابي في قلوب
الناس، فالمجتمعات قد تخضع للقوة فترة، لكنها تحتفظ في داخلها بموازين أخرى للحكم
على الأشخاص؛ الصدق، والعدل، والعلم، والرحمة.
وهذا المعنى
حاضر في كل زمان؛ فقد يملك الإنسان منصبًا أو نفوذًا، لكن أثره الحقيقي يقاس بما
يتركه من ثقة ومحبة في نفوس الناس، فالمكانة لا تُفرض بالقوة، وإنما تُبنى
بالأخلاق.
ولعل من أصدق
الشواهد على ذلك ما ظهر عند وفاة الأحنف بن قيس رحمه الله؛ إذ لم يكن تقدير الناس
له نابعًا من جاهٍ أو سلطان، وإنما من أثر أخلاقه التي رسخت في قلوبهم طوال حياته،
وقد تجلى ذلك في مشهد جنازته، حين وقفت امرأة عجوز على قبره ترثيه نيابة عن
المجتمع قائلة: «نسأل من ابتلانا بموتك وفجعنا بفقدك أن يوسع لك في قبرك.. لقد عشت
مودودًا حميدًا، ومت سعيدًا فقيدًا، ولقد كنت عظيم الحلم..»(8).
كيف تحصن المؤسسات قراراتها بقبول المراجعة والنقد؟
يحمل هذا الموقف
دروسًا واسعة في الإدارة والتربية والعمل المؤسسي، فالمسؤول الذي لا يسمع النقد
يتحول إلى أسير لرؤيته الخاصة، والبيئة التي تعاقب الناصحين تفتح الباب للأخطاء
المتراكمة.
وفي الأسرة
والتعليم والعمل، يظهر المعنى نفسه؛ فالقائد الناجح لا يخشى من صوت المراجعة، بل
يبحث عنه، لأن النصيحة الصادقة حماية قبل أن تكون اعتراضًا، كما أن صاحب المبدأ
يحتاج إلى معرفة متى يكون الصمت حكمة، ومتى تصبح الكلمة واجبًا أخلاقيًا.
إن الفرق بين
القيادة الراشدة والقيادة القهرية ليس في مقدار السلطة، وإنما في طريقة استعمالها؛
هل تجعل الإنسان خادمًا للأمانة، أم تجعل الأمانة وسيلة لخدمة الإنسان؟
وهذا المعنى لم
يكن مجرد مبدأ نظري في منهج القيادة الراشدة، بل وجد تطبيقه العملي في سيرة
الخلفاء الراشدين، ومن أبلغ الأمثلة على ذلك حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي
الله عنه على حماية ثقافة النصيحة في المجتمع من سطوة القمع وإسكات الناصحين، فحينما
حاولت الحاشية، ممثلة في الجارود، إسكات خولة بنت ثعلبة وتحقير نُصحها قائلًا: «قد
أكثرتِ أيتها المرأة على أمير المؤمنين»، تدخل عمر فورًا قائلًا بحزم: «دعها»(9)،
مؤكدًا أن من حق الرعية أن تنصح، وأن من واجب الحاكم أن يستمع، لا أن يمنع صوت
المراجعة والنقد.
يبقى موقف عبدالله
بن مغفل مع عبيد الله بن زياد شاهدًا على أن التاريخ لا يحفظ أصحاب القوة وحدهم،
بل يحفظ أصحاب المواقف، فقد يملك الحاكم السيف والولاية، لكن صاحب الكلمة الصادقة
قد يملك تأثيرًا أعمق وأبقى.
إن أعظم ما يكشفه هذا الخبر أن الشرعية الحقيقية لا تُصنع بالخوف، وأن المجتمع قد يميز بين من يملك السلطة ومن يستحق الاحترام، ولذلك تبقى النصيحة، والعدل، والشجاعة الأخلاقية من أهم القيم التي تحفظ للأمم توازنها واستقامتها.
الهوامش
- 1 أمير العراق أبو حفص، ولي البصرة سنة 55هـ وله 22 سنة، وولي خراسان، فكان أول عربي قطع جيحون، وافتتح بيكند، وغيره، وكان جميل الصورة، قبيح السريرة، قال أبو وائل: دخلت عليه بالبصرة وبين يديه ثلاثة آلاف ألف درهم جاءته من خراج أصبهان وهي كالتل، سير أعلام النبلاء، ج3، ص545.
- 2 البداية والنهاية، ابن كثير، ج 9، مقتل سعيد بن جبير رحمه الله.
- 3 رواه أبو داود والترمذي، وحسنه بعض أهل العلم.
- 4 البداية والنهاية، ج4، ص 86.
- 5 سير أعلام النبلاء، ج4، ص93.
- 6 صفة الصفوة، ج2، ص80.
- 7 البداية والنهاية، ج4، ص61.
- 8 سير أعلام النبلاء، ج4، ص96.
- 9 شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج 1، ص 142.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً