«الأقصى» وتبلُّد الوعي.. خطر اعتياد المشهد

المسجد الأقصى

انتهى عيد العرش، وانفضَّ موسمٌ حافل بالمشاهد والأرقام والطقوس والتحولات، ولكن أخطر سؤال يتركه وراءه ليس: كم شخصًا اقتحم المسجد الأقصى؟ وكم صلاة أُقيمت؟ وكم مرة وقع السجود والغناء والرقص وحُملت الرموز والشعائر الدينية؟ فهذه كلها أسئلة لازمة للتوثيق وقياس التحول، لكنَّ وراءها سؤالًا أشد خطرًا وأبعد أثرًا: ما الذي أصبحنا اليوم قادرين على رؤيته في الأقصى دون أن نهتز له كما كنا نهتز لو رأيناه قبل أعوام؟

في اليوم الأخير من العيد، 2 أكتوبر 2026، أفادت محافظة القدس بأن مجموعات إسرائيلية دخلت مقبرة باب الرحمة الملاصقة للسور الشرقي للأقصى، وأدت طقوسًا دينية قبالة باب الرحمة وبمحاذاة قبور المسلمين، حاملة «الأنواع الأربعة» المرتبطة بعيد العرش، وفي اليوم نفسه أعلنت المحافظة أن عدد الذين اقتحموا الأقصى خلال موسم الأعياد اليهودية الممتد من رأس السنة العبرية حتى نهاية اقتحامات الخميس بلغ 11409، وقالت إن الموسم شهد تصاعدًا في علنية الطقوس واتساعها، بمشاركة وزراء وحاخامات ومسؤولين وشخصيات سياسية إسرائيلية، وهذه الأرقام والتوصيفات صادرة عن الجانب الفلسطيني، لكنها تكشف على الأقل حجم التحول الذي ينبغي دراسته وعدم اختزاله في خبر عابر.

غير أنني لا أريد أن أضيف مقالًا آخر إلى سجل المقالات التي تصف ما جرى، فالمشكلة التي تستحق التأمل بعد انقضاء الموسم ليست في المكان وحده؛ إنها فينا أيضًا، فثمة معركة صامتة قد تكون أشد أثرًا من بعض المعارك الظاهرة: معركة على حساسية الوعي نفسه؛ على المسافة بين أن نعرف الحدث وأن نعتاده، وبين أن يتكرر أمام أعيننا وأن يصبح مألوفًا فيها، وبين أن نعترف بوجود واقع مفروض وأن نستسلم نفسيًا لفكرة أنه أصبح طبيعيًّا لا يستحق إلا خبرًا مقتضبًا.

الخطر الذي لا تصوره الكاميرات

نستطيع أن نصور ما يتغير في المكان: بوابة أُغلقت، طريق ضُيق، طقس ظهر، مساحة اتسعت، وقت امتد، مصلون مُنعوا، ومقتحمون دخلوا، لكن الكاميرا لا تستطيع أن تصور تحولًا آخر يجري ببطء داخل النفس: انخفاض حساسية الإنسان تجاه المشهد نفسه كلما تكرر.

فالحدث الذي يستوقف الأمة يومًا كاملًا عند وقوعه أول مرة قد يستوقفها ساعات إذا تكرر، ثم دقائق، ثم يصبح خبرًا مألوفًا يمر عليه القارئ بعينه قبل أن ينتقل إلى غيره؛ لا لأن الحدث صار أقل خطورة، وإنما لأن النفس البشرية تملك قدرة كبيرة على التكيف مع المتكرر، خيرًا كان أو شرًا، وهنا يقع الخلط الخطير بين معرفة الواقع والتطبع معه: أن نعرف أن شيئًا يتكرر أمر، وأن يعيد التكرار تشكيل معيارنا للحكم عليه أمر آخر.

ولهذا فالمطلوب ليس أن نعيش في صدمة دائمة؛ فالصدمة تستنزف ولا تبني، والغضب الذي لا يتحول إلى معرفة وعمل قد يحرق صاحبه قبل أن يغير واقعه، فالمطلوب أعمق من ذلك: أن يبقى الميزان مستقيمًا وإن تغير المشهد، وأن يبقى غيرُ الطبيعي غيرَ طبيعي في وعينا مهما طال عمرُه أمام أعيننا.

وهنا يكتسب قول النبي صلى الله عليه وسلم دلالة تربوية عميقة: "مَن رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"([1])، وليس المقصود تنزيل مراتب الحديث آليًا على كل واقعة سياسية معاصرة، وإنما استحضار معناه الإيماني الكبير: أن يبقى في القلب ميزان للحق والباطل لا تفسده كثرة المشاهدة؛ فقد يعجز الإنسانُ عن تغيير واقع، لكنه لا ينبغي أن يسمح لعجزه أن يعيد تعريف ذلك الواقع في ضميره.

أخطر ما يفعله الاعتيادُ أنه يغيّر معيارَ الصدمة

للاعتياد قانونٌ خفي: إنه يرفع عتبة ما يصدمنا، ويخفض عتبة ما نقبله، فما كان يكفي بالأمس لإيقاظ الأمة قد لا يكفي اليوم؛ لأن العين شاهدته مرارًا؛ فنحتاج إلى حادث أشد، وعدد أكبر، وصورة أقسى، حتى نستعيد الدرجةَ نفسها من الانتباه، فإذا استمر هذا المسارُ أصبح وعيُ الناس كمن يحتاج في كل مرة إلى جرعة أعلى لكي يشعر بالخطر القديم نفسه.

وهذه نقطةٌ بالغةُ الأهمية في فهم ما يجري حول الأقصى؛ فثبات الحقيقة لا يعني ثبات شعور الناس بها، وقد يبقى الحكم الأخلاقي والديني على الفعل كما هو، بينما تتآكل في النفوس درجةُ النفور منه، والباطلُ لا يحتاج دائمًا إلى أن يُقنعك بأنه حق؛ قد يكفيه أحيانًا أن يقنعك بأنه عادي.

ومن هنا ينبغي أن نفهم التكرار لا بوصفه مجرد إعادة للواقعة، بل بوصفه عاملًا قادرًا على إعادة تشكيل الإدراك، فالواقعة الأولى تُقرأ باعتبارها خرقًا، والثانية سابقة، والثالثة ظاهرة، ثم قد يأتي وقت يُسأل فيه لا: كيف وقع هذا؟ بل: ماذا حدث اليوم أكثر مما يحدث عادة؟ وهنا يكون معيار القياس نفسه قد تحرك دون أن نشعر، وهذا بالضبط ما ينبغي أن نحرس وعينا منه.

المألوف ليس دليلًا على المشروع

في الفقه وأصول الفقه معنى بالغ الأهمية هنا: كثرة وقوع الشيء لا تمنحه في ذاتها حكم المشروعية؛ فليس كل واقع حقًا، ولا كل مألوف معروفًا بالمعنى الشرعي، ولا تتحول الممارسة إلى حجة لمجرد طول بقائها.

ومن هنا تبدو قاعدة الإمام الشاطبي في النظر إلى المآلات شديدة الصلة بموضوعنا؛ إذ يقول: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة"، ثم يبين أن المجتهد لا يكتفي بصورة الفعل الحاضرة، وإنما ينظر إلى ما يؤول إليه الفعل([2]).

وهذا النظر المقاصدي هو ما يحررنا من أسر الصورة المفردة. فلا نسأل فقط: ماذا جرى صباح اليوم؟ بل: إلى ماذا يمكن أن يؤول تكرار هذا المشهد؟ ماذا يفعل في المكان؟ وماذا يفعل في القانون والسياسة؟ والأهم هنا: ماذا يفعل في وعي الناس؟

فقد تكون إحدى مآلات التكرار أن تتغير اللغة نفسُها، وما كان يوصف في بدايته بأنه أمر استثنائي يصبح «إجراءً معتادًا»، وما كان يثير سؤالًا عن أصل حدوثه يصبح النقاش منصبًّا على حدوده وحجمه، وهكذا قد تتحرك نقطة البداية في النقاش العام شيئًا فشيئًا، حتى نناقش مقدار الشيء بعد أن كنا نرفض أصله، وهذه خسارة في المعنى قبل أن تكون خسارة في المكان.

المعركة على معنى «الأقصى» أيضًا

حفظ المسجد الأقصى لا يقتصر، في النظر المقاصدي، على حفظ بنائه وحجارته، فللمقدسات وجود مادي، ولكن لها كذلك وجود في العقيدة والذاكرة والشعور والوعي؛ وإذا كان الاعتداء على عين المقدس خطرًا، فإن تآكل معناه في النفوس خطر من جنس آخر.

لقد ربط القرآن الأقصى منذ اللحظة المؤسسة له في الوعي الإسلامي بالبركة والتقديس، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. وربطه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجغرافيا التعبدية للأمة فقال: "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"([3]).

وهذا يعني أن علاقتنا بالأقصى لا ينبغي أن تنشأ يوم الاعتداء عليه؛ فالمسجد ليس مقدسًا لأن أحدًا اقتحمه، ولا يصبح جزءًا من وعينا لأن خبرًا عاجلًا أعاده إلى الشاشة؛ إنه جزء من بنية الاعتقاد والعبادة والتاريخ الإسلامي قبل الحادثة وبعدها.

ومن هنا فإن من أخطر صور الاختلال أن يُصبح المعتدي هو الذي يحدد موعدَ علاقتنا بمقدسنا: إذا دخل تكلمنا، وإذا خرج صمتنا؛ وإذا جاء موسم تابعنا، فإذا انقضى الموسم انصرفنا، عندئذ تكون أجندة الآخر قد أصبحت - من حيث لا نشعر - هي التي تضبط حرارة ذاكرتنا وبرودتها.

الذاكرة ليست مستودعًا للحزن

وهنا نصل إلى أحد أهم واجبات المرحلة: بناء ذاكرة مؤسسية للأقصى؛ فالذاكرة التي نحتاج إليها ليست ألبومًا للصور المؤلمة، ولا أرشيفًا ضخمًا للأخبار لا يستطيع أحد أن يرى ما وراءه، إننا نحتاج إلى ذاكرة تحول الوقائع إلى معرفة: خطوط زمنية، وخرائط للتحولات، وإحصاءات مقارنة، وأرشيف للقرارات، وتوثيق دقيق لما كان ممنوعًا ثم ظهر، وما كان فرديًّا ثم صار جماعيًّا، وما كان محدودًا بمكان ثم اتسع، وما كان موسميًّا ثم أخذ طريقه إلى التكرار.

وهنا نستطيع أن نقلب قانون الاعتياد نفسه: بدل أن يكون التكرار مخدرًا للوعي، نجعله مصدرًا للمعرفة، فالخبر المنفرد يقول لك: إن واقعة حدثت، أما السلسلة الموثقة فتقول لك: إن مسارًا يتكون، والصورة الواحدة تستثير المشاعر، أما المقارنة بين صور السنوات فتكشف التحول، والرقم المنفرد قد يثير الدهشة، أما سلسلة الأرقام فتمكن الباحث من قياس الاتجاه.

وقد قال العز بن عبد السلام في تقرير فقه الوسائل: "وللوسائل أحكام المقاصد"، وبيّن أن قيمة الوسيلة تتحدد بقدر ما تفضي إليه من مصالح أو مفاسد([4])، وإذا كان حفظُ الوعي بالمقدسات مقصدًا معتبرًا، فإن التعليم والتوثيق والبحث والترجمة والإعلام وبناء قواعد البيانات ليست أعمالًا هامشية؛ إنها وسائل لحفظ ذلك الوعي من التآكل والنسيان.

الإعلام الذي لا يسمح للخبر بأن يشيخ

وهنا تقع على الإعلام مسؤوليةٌ أدقُّ من مجرد نقل المشهد؛ فالمشكلة الكبرى في الأحداث الممتدة أن الخبر يشيخ سريعًا؛ وما لم يجد الإعلامُ طريقةً جديدة لفهمه، يصبحُ التكرارُ عدوًّا للاهتمام.

ولا يكون العلاج بالصراخ الأعلى، ولا بأن نصف كل يوم بأنه «الأخطر»، وكل حادثة بأنها «غير مسبوقة»؛ لأن المبالغة نفسها تصنع نوعًا آخر من التخدير؛ فإذا كان كل شيء استثنائيًّا لم يعد شيء استثنائيًّا، وإذا كان كل يوم هو الأخطر فقدت الكلمة معناها؛ فالعلاج هو الدقة.

قل الرقم كما هو، واذكر مصدره، وميّز الخبر من التحليل، والمؤكد من المحتمل، والمعلومة من التوقع، وإذا كان الوصف صادرًا عن جهة فلسطينية أو إسرائيلية أو دولية فانسبه إليها، وإذا اختلفت الروايات فقل إنها اختلفت، ثم ضع الواقعة في سياقها، وقارنها بما سبقها، واسأل ماذا تغير بالفعل.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]. والسداد هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب؛ إنه قوة استراتيجية للحق، فقضية عادلة لا تحتاج إلى خبر غير دقيق ليحميها، بل إن الحقيقة الموثقة أبقى وأعصى على النقض وأقدر على مخاطبة العالم.

لا تجعلوا «الأقصى» رهينة المواسم

انتهى عيد العرش، وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها الامتحان الحقيقي للوعي، ففي أيام التصعيد يسهل أن نتحدث عن الأقصى؛ الصور موجودة، والأخبار متلاحقة، والمشاعر متحفزة، لكن ماذا عن الأسبوع القادم؟ والشهر القادم؟ والفصل الدراسي القادم؟ ومناهج التعليم؟ وخطب المساجد؟ والرسائل الجامعية؟ ومراكز البحوث؟ ووسائل الإعلام في الأيام التي لا يقع فيها حدث مثير؟

إن إحدى أقوى وسائل مقاومة الاعتياد أن يكون الأقصى حاضرًا في الوعي قبل الخبر وبعده: أن يعرفه الطفل قبل أن يرى صورة اقتحامه، وأن يدرس الطالب تاريخه قبل أن يسمع النزاع حوله، وأن يعرف الباحث وثائقه وأوقافه وعمارته ومكانته قبل أن يُطلب منه الرد على رواية تناقضها، وأن يمتلك الإعلاميُّ أرشيفًا يمكّنه من تفسير الحدث بدل أن يبدأ كل صباح من الصفر، وبهذا لا نسمح للموسم أن يقرر متى نتذكر، ولا للخبر أن يقرر مقدار معرفتنا.

مقبرة باب الرحمة.. والسؤال الذي ينبغي أن يبقى

لذلك فإن المشهد الذي خُتم به هذا الموسم عند مقبرة باب الرحمة يستحق أن نتوقف أمامه، لا لنقول مرة أخرى إن الخطر «اتسع إلى المحيط» فحسب؛ فقد تحدثنا عن ذلك من قبل، وإنما لنسأل: إذا تكرر هذا المشهد في العام القادم، هل سنراه بالعين نفسها التي نراه بها اليوم؟

أكدت «وفا» ووكالة «بترا» أن طقوسًا دينية أُديت صباح 2 أكتوبر قبالة باب الرحمة من الجهة الخارجية للسور الشرقي للأقصى وبمحاذاة القبور، وأن محافظة القدس قالت إن المنطقة شهدت ممارسات متكررة في الأسابيع الأخيرة، وحذرت من محاولة جعلها موقعًا دوريًّا لهذه الطقوس.

هنا تظهر أهميةُ النظر في المآل مرة أخرى، فلسنا مضطرين إلى الادعاء بأن المستقبل محسوم، ولا إلى تحويل كل احتمال إلى يقين؛ فهذا يناقض المنهج الذي ندعو إليه، لكننا ملزمون بألا ننتظر حتى يستقر التحول كي نبدأ دراسته، فالإنذار المبكر ليس تنبؤًا بالغيب؛ إنه قراءة للاتجاه قبل اكتماله، والفرق كبير بينهما.

اجعلوا الزمن يعمل لـ«الأقصى» لا عليه

بعد عام من الآن يمكن أن نكون أمام واحد من احتمالين في وعينا نحن: إما أن تقع أحداثٌ جديدة فنعود إلى المعلومات نفسها، والصور نفسها، والأسئلة نفسها، ونبدأ مرة أخرى من نقطة الصفر؛ وإما أن يكون العام قد أضاف إلى الأمة معرفة جديدة، ووثائق جديدة، وبحوثًا جديدة، ومناهج تعليمية، وترجمات، وخرائط، وقواعد بيانات، وخبراء أقدر على قراءة المشهد، هنا يصبح الزمن نفسه ميدانًا للعمل.

فالطرف الذي يكرر فعلًا ثم يدرس تجربته ويطور أدواتِه يتراكم لديه أثرُ الزمن؛ أما من يكرر رد الفعل ثم ينساه، فإن السنوات تمر عليه ولا تضاف إليه؛ ولهذا فإن السؤال بعد انتهاء هذا الموسم ليس فقط: ماذا فعل الآخرون في الأقصى؟ بل أيضًا: ماذا أضاف هذا الموسم إلى معرفتنا نحن بالأقصى؟

ماذا عرف علماؤنا ولم يكونوا يعرفونه؟ ماذا وثقت مراكزنا؟ ماذا درس باحثونا؟ ماذا تعلم أبناؤنا؟ ماذا ترجمت مؤسساتنا؟ ماذا تغير في خطاب إعلامنا؟ وما المؤسسة التي أصبحت بعد هذا الموسم أقدر على خدمة الأقصى مما كانت قبله؟

إذا لم يتغير شيءٌ في هذه الإجابات، فقد يكون الموسمُ قد انتهى عند الآخرين، لكنه مر علينا نحن دون أن يترك في قدرتنا أثرًا يوازي ما تركه في ذاكرتنا من ألم.

لا تعتادوا المشهد

هذه - في النهاية - ليست دعوة إلى الغضب الدائم، وإنما إلى اليقظة الدائمة؛ وليست دعوة إلى أن نعيش أسرى صور الاعتداء، وإنما إلى ألا تصبح كثرةُ الصور حجابًا يمنعنا من رؤية ما تعنيه، فلا تعتادوا المشهد؛ لأن أخطر ما يفعله الاعتياد أنه لا يغير الواقع أمامك فقط، بل يغير المعيار داخلك: يرفع عتبة ما يصدمك، ويخفض عتبة ما تقبله، حتى تحتاج كل مرة إلى انتهاك أشد لكي تستشعر الخطر القديم نفسه.

لا تعتادوه، ولكن لا تكتفوا أيضًا برفضه في القلوب، حوّلوا الذاكرة إلى علم، والعلم إلى تعليم، والتعليم إلى وعي، والوعي إلى مؤسسات وأعمال مدنية وقانونية وإعلامية مشروعة مستدامة، وليكن كل موسم يمر على الأقصى سببًا في أن تصبح الأمة أعرف به، وأحفظ لتاريخه، وأدق في توثيق حاضره، وأقدر على صيانة مكانته في وعي أجيالها.

فقد تمر السنون وتتغير الحكومات والسياسات وموازين القوى، أما قول الله تعالى فيبقى يتردد في ضمير الأمة: ﴿الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. وحراسة هذه البركة تبدأ من ألا تسمح الأمة لذاكرتها أن تبرد، ولا لميزانها أن يختل، ولا لتكرار المشهد أن يعيد تسمية الأشياء.

فليس أخطر ما يمكن أن يحدث للأقصى أن يرى الناس مشهدًا مؤلمًا؛ بل أن يروه مراتٍ كثيرةً، ثم لا يعود في أعينهم مشهدًا يستحق التوقف، وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: أن يتغير الأقصى في الواقع، ويتغير معه إحساسنا بالتغيير.



الهوامش
  • 1 رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، رقم (49
  • 2 الموافقات: 5/ 177-178. دار ابن عفان، 1997م.
  • 3 رواه البخاري ومسلم.
  • 4 قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1/ 53.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة