الطلاب يشعلون فرنسا.. ماذا يريدون هذه المرة؟

جمال خطاب

07 أكتوبر 2026

31

الطلاب يشعلون فرنسا.. ماذا يريدون هذه المرة؟

في صباح أحد أيام مايو 1968م، خرج آلاف الطلاب من جامعات باريس إلى الشوارع وهم يعتقدون أنهم يحتجون على قضايا تخص الحرم الجامعي وحريات الطلاب، لكن ما بدأ باعتصامات داخل القاعات الدراسية تحول خلال أسابيع إلى أكبر أزمة سياسية واجتماعية شهدتها فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية؛ توقفت المصانع، وأضرب نحو 10 ملايين عامل، واهتزت سلطة الجنرال شارل ديجول، عند ذلك أدرك الفرنسيون أن شرارة صغيرة قادرة على إشعال حريق سياسي كبير.

بعد 6 عقود، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فشوارع باريس وليون ومرسيليا وليل تشهد اليوم موجة جديدة من الاحتجاجات يقودها هذه المرة طلاب المدارس الثانوية، لكن الأدوات تغيرت.

جمهورية الاحتجاج الدائم

يصعب فهم ما يجري في فرنسا اليوم بعيداً عن التاريخ، فمنذ الثورة الفرنسية عام 1789م، ترسخت في الوعي الجمعي فكرة أن الضغط الشعبي قادر على فرض التغيير عندما تعجز المؤسسات عن الاستجابة للمطالب، ومنذ ذلك الحين، تعاقبت موجات من الانتفاضات والإضرابات والتحركات الشعبية التي استطاعت في كل مرة إعادة رسم المشهد السياسي.

في مايو 1968م، تحول تمرد طلابي إلى حدث مفصلي غيّر المجتمع الفرنسي ثقافياً وسياسياً، ثم جاءت احتجاجات عام 1986م ضد إصلاحات التعليم العالي، وتبعتها موجة واسعة عام 1995م ضد إصلاحات التقاعد والضمان الاجتماعي.

أما في عام 2005م، فقد انفجرت ضواحي باريس ومدن فرنسية أخرى في واحدة من أسوأ أعمال الشغب الحديثة، بعدما توفي مراهقان خلال مطاردة للشرطة، واستمرت الاضطرابات أسابيع مخلفة خسائر اقتصادية هائلة وكاشفة حجم الفجوة الاجتماعية بين الضواحي والسلطة المركزية.

وفي عام 2006م، قاد الطلاب مجدداً احتجاجات واسعة ضد قانون «عقد التوظيف الأول»، وأجبروا الحكومة على التراجع عنه، ثم جاءت حركة «السترات الصفراء» عام 2018م لتؤكد أن الشارع لا يزال لاعباً رئيساً في الحياة السياسية الفرنسية، قبل أن تعود أعمال الشغب إلى الواجهة عام 2023م إثر مقتل الشاب نائل المرزوقي خلال عملية تفتيش مروري.

اكتظاظ في الفصول ونقص في المعلمين

الاحتجاجات الحالية انطلقت رسمياً بسبب مشكلات يعرفها قطاع التعليم الفرنسي منذ سنوات؛ فالتلاميذ والمعلمون يشكون من اكتظاظ الفصول الدراسية (الصف يصل لـ35 طالباً أحياناً)، ونقص أعداد المدرسين، وغياب البدلاء للمعلمين المتغيبين، وتهالك البنية التحتية للعديد من المدارس، إضافة إلى أيام دراسية طويلة تمتد أحياناً حتى السادسة مساء.

لكن ما بدأ بمطالب تعليمية تحول بسرعة إلى مواجهات ميدانية واسعة، فقد تعطلت الدراسة في أكثر من 1200 مدرسة ثانوية خلال ذروة الاحتجاجات، بينما بقيت مئات المدارس مغلقة في الأيام التالية.

ويكمن التناقض الأكبر في أن حركة تقول: إنها تدافع عن التعليم وجدت نفسها متهمة بإغلاق المدارس وحرمان آلاف الطلاب من الدراسة.

«تيك توك» سلاح جيل «زد»

إذا كان طلاب عام 1968م قد استخدموا الملصقات والمنشورات الورقية، فإن طلاب عام 2026م يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي في التعبئة والتنظيم.

وتتهم الحكومة الفرنسية حركة «فرنسا الأبية» اليسارية بزعامة جان لوك ميلانشون باستثمار حالة الغضب داخل المدارس وتحويلها إلى رافعة سياسية، وبرز في هذا السياق النائب الشاب لوي بويار، الذي ظهر في مقاطع مصورة وهو يخاطب الطلاب المعترضين أمام المدارس المغلقة، فيما حققت فيديوهات مرتبطة بالاحتجاجات ملايين المشاهدات على منصة «تيك توك».

في المقابل، تنفي «فرنسا الأبية» هذه الاتهامات وتؤكد أن تحركاتها تأتي دعماً لمطالب طلابية مشروعة.

لماذا يلجؤون للعنف؟

السؤال الأكثر إلحاحاً في فرنسا اليوم ليس لماذا يحتج الطلاب؟ وإنما لماذا يتحول جزء من الاحتجاجات دائماً إلى عنف؟

أحد المشاركين في الاحتجاجات قال لإذاعة فرنسية: نحن نريد فقط أن نظهر استياءنا، والطريقة الوحيدة كما أثبت التاريخ هي العنف، واستحضر في حديثه الثورة الفرنسية باعتبارها المثال الأبرز على أن التغيير الجذري جاء عبر المواجهة وليس عبر الحوار.

لوبان المستفيدة الكبرى.. وترمب يدخل على الخط

وكالعادة، لا تبقى الاحتجاجات شأناً محلياً محصوراً داخل الحدود الوطنية؛ فقد دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الخط، متهماً «الهجرة» و«الإسلام» بالوقوف وراء ما تشهده فرنسا! وكتب عبر منصة «تروث سوشيال» أن ما يحدث «لا يتعلق بالمدارس، بل برغبة الإسلام في السيطرة على بلد كان عظيماً ذات يوم»، في قراءة متعسفة وغريبة تتجاوز المطالب التعليمية والاجتماعية التي يطرحها المحتجون.

أما داخل فرنسا، فتبدو المستفيدة الأكبر من هذه الاحتجاجات العنيفة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، فكلما تصاعدت صور الحرائق وإغلاق المدارس والاشتباكات مع الشرطة، ازدادت قدرة اليمين على تقديم نفسه بوصفه القوة القادرة على فرض النظام واستعادة هيبة الدولة.

وهكذا يجد اليسار الراديكالي نفسه في مفارقة لافتة؛ فبينما يحاول استثمار غضب الشباب ضد الحكومة، قد تؤدي نتائج هذا الغضب في النهاية إلى تعزيز خصمه السياسي الأكثر خطورة.

فرنسا.. بين الأمس واليوم

من يراجع أرشيف الصحف الفرنسية خلال العقود الستة الماضية سيلاحظ تكرار المشهد نفسه تقريباً؛ شباب غاضبون، ومؤسسات متهمة بالتقصير، وأحزاب تسعى إلى استغلال الأزمة، وشرطة تواجه الشارع، ثم موجة سياسية جديدة تعيد رسم موازين القوى.

لكن الفارق هذه المرة أن جيل «زد» لا يكتب شعاراته على جدران السوربون، بل يبثها مباشرة إلى ملايين المتابعين عبر الهواتف الذكية.

ورغم تغير الأدوات، يبقى السؤال الذي رافق فرنسا منذ الثورة الفرنسية وحتى اليوم دون إجابة حاسمة: هل تستطيع الجمهورية إصلاح أزماتها عبر الحوار والمؤسسات، أم أن الشارع سيظل الوسيلة المفضلة لدى الفرنسيين لإجبار الدولة على الاستماع؟

في انتظار الإجابة، تواصل المدارس الاشتعال، ويواصل الطلاب التظاهر، بينما تراقب القوى السياسية المشهد بحثاً عن الأصوات التي ستولد من رحم هذا الغضب.

الهوامش
  • 1 تقرير «لماذا يضرم جيل «زد» النار في مدارس فرنسا؟» المنشور في «إندبندنت عربية».
  • 2 تقارير الاضطرابات الفرنسية منذ عام 1968م.
  • 3 تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن احتجاجات فرنسا.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة