في الحروب والمحن.. 4 أسباب تجعل إلقاء بقايا الطعام جريمة

في الحروب والمحن.. 4 أسباب تجعل إلقاء بقايا الطعام جريمة

لا أحد من البشر يتمنى خوض الحروب، أو يرجو حلول الابتلاءات والمحن، ولا يستطيع عقل بشر أن يتصوّر حجم تبعاتها الكارثية وآثارها المدمرة على الأبرياء، والعائلات، والأطفال؛ لما تحمله في طياتها من ترويع، وخراب، ودمار شامل.

ومع كل هذا الخوف والرهبة، فإن الحروب تقع لا محالة، وتطال خسائرها الفادحة الجميع دون استثناء رغم خشيتهم المسبقة منها، غير أن المعضلة تكمن في أن الناس لا يستعدون ولا يعدون العدة ليوم وقوعها المؤلم.

فبعد أن كانت بقايا الأطعمة تُلقى في سلال القمامة، تتغير الحال تماماً؛ ليقف أصحاب تلك الموائد في طوابير طويلة ومضنية بانتظار رغيف خبز واحد يطعمون به أطفالهم وسط دوي القصف وركام الدمار، وبعد أن كانت الموائد تمتلئ بألوان الطعام بما يزيد بكثير عن حاجة أهلها، تصبح البيوت ذاتها تنقب وتفتش في مخازنها المنسية عن آخر حفنة من أرز أو دقيق؛ بعد أن أغلقت الحرب أبواب الأسواق، وقطعت شرايين الإمداد، وأصبح الطعام يُوزَن ويُحسب بالجرامات الدقيقة بعد أن كان يُحسب بالأطباق والموائد الممتدة.

ومن هذا المنطلق، لم يكن النهي الإسلامي عن الإسراف مجرد تحذير من خسارة مالية مجردة، بل لأن الإسراف يفسد صلة الإنسان بنعم الله، ويجعله يعتاد امتهانها والاستهانة بها حتى يفقد شعوره بقدسيتها وقيمتها، قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31).

وقد تمر على الإنسان سنوات وأعوام طويلة دون أن يستوعب الحكمة العميقة الكامنة وراء هذه التوجيهات الربانية، حتى إذا ما اندلعت الحرب، جاءت لتفسر له بيقينٍ قاطع معنى كل لقمة أهدرها في أيام رخائه، وكل رغيف استهان به، وكل نعمة ظن بجهله أنها دائمة لن تنفد.

فما الأسباب والعلل التي تجعلنا نلتزم بعدم إلقاء بقايا الطعام حتى في أوقات الترف والرخاء؟

أولاً: الحرب تعيد للطعام قيمته الحقيقية:

في أوقات السلم والاستقرار، يتملك كثيراً من الناس وهمٌ بأن امتلاء الأسواق بالخيرات أمر دائم لا ينقطع، وأن الخبز سيتواصل خروجه كل صباح من الأفران كما اعتادوا، وأن الماء والغذاء من البديهيات والمسلَّمات التي يستحيل اختفاؤها.

غير أن الحرب التي تشتعل فجأة بفعل الغدر وسياسات الأطماع، تهدم تلك الأوهام والآمال في أيام معدودة؛ فقد يستيقظ الناس ليروا مخابزهم مدمرة، وحقولهم محترقة، وشاحنات الإغاثة والغذاء عاجزة عن الوصول إليهم، حينها فقط، يتحول رغيف الخبز من سلعة متوفرة بكثرة إلى كنز عزيز، وتتحول فتات الخبز التي كانت تُمسح عن الموائد وإهمالها دون اهتمام، إلى شيء ثَمين لا يجرؤ أحد على التفريط فيه أو إضاعته.

وهنا يتذكر المسلم المعنى العميق والتوجيه النبوي الكريمة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يرشد أمته إلى أهمية اللقمة والكسرة من الخبز حتى في زمن السعة والرخاء، حيث أمر برفع اللقمة إذا سقطت، فقال: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان» (رواه مسلم).

إن هذا الحديث الشريف ليس مجرد كلام عن لقمة صغيرة، بل هو تأسيس لفلسفة إيمانية وإنسانية كاملة تقوم على احترام النعمة ورعايتها؛ وهي فلسفة لا يستوعبها الناس غالباً إلا بعد أن يفقدوا الأمن الغذائي الذي ظنوا أنه ثوابت دائمة، ولهذا السبب، فإن أقسى ما تتركه الحروب ليس مجرد ألم الجوع، بل الذكريات الموحشة أيضاً؛ ذكريات الأيام التي كان الطعام فيها يُهدر ويُلقى بلا حساب، ليتمنى الناس بعد ذلك لو يعود إليهم جزء مما فرطوا فيه واستهانوا به.

ثانياً: بقايا الأمس قد تصبح أمنية الغد:

يقول تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) (النحل: 112)؛ فالمحارب والمظلوم قد تقع عليه الحروب بسب وجود الظلم، والطمع بما في أيدي الناس، والعداوات المتجذرة، ورغبات الانتقام، وفي هذه الحالة، يتوجب على المظلوم أن يلوذ بالصبر والصمود، وأن يدخر لتلك الأوقات العصيبة؛ حتى لا تتراكم عليه قسوة الحرب مع قسوة العوز والجوع والصدمات النفسية الصعبة التي تصيب الكبار والصغار على حد سواء.

ومن أشد دروس الحرب قسوة أنها تجتث المعتقد الفاسد والقائل بدوام النعمة؛ إذ تكشف الحرب جلياً أن النعم عارية مؤقتة، وأن فتات الأمس قد يغدو هو قوت اليوم الوحيد، فالإسراف لا يكتفي بتبديد النعم الظاهرة، بل يقتل في أعمق أركان النفس فضيلة القناعة، حتى إذا ما تقلبت الأحوال، لم يجد القلب رصيداً يعينه على الصبر والمثابرة.

ثالثاً: احترام الطعام يبني مجتمعاً أكثر قدرة على الصمود:

إن الحرب لا تمنح الطعام قيمة جديدة لم تكن فيه، بل هي تزيح الستار عن القيمة الحقيقية التي غفل الناس عنها في أوقات السعة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه يحمد الله عز وجل، وكان يعلم أصحابه أن البركة قد تكون في آخر جزء من المائدة ليعودهم على التواضع واحترام النعمة، ولينبههم إلى أن الوفرة والرخاء قد يعقبهما الضيق، وأن الشبع قد يليه الجوع.

إن الحضارات الحقيقية لا يُقاس قدرها بما تستهلكه وتستهلك أطرافه، بل بمدى حُسن محافظتها على الموارد، والأمة التي تتعلم احترام اللقمة والنعمة في زمن الرخاء والاتساع، تكون بلا شك أكثر ثباتاً وقدرة على الصمود في أزمنة الشدة والابتلاء.

رابعاً: احترام النعمة يبدأ قبل نزول البلاء:

ليست الحكمة الرشيدة في أن يتعلم الإنسان قيمة الخبز بعد فقدانه، ولا قيمة الماء بعد العطش الشديد، ولا قيمة الأمن بعد أن يسمع دوي القذائف والانفجارات فوق رأسه، بل الحكمة الحقيقية والتربية الإيمانية السليمة أن يتربى المرء على شكر النعمة والاعتراف بفضلها وهي حاضرة بين يديه، وأن ينظر إلى كل لقمة بصفتها أمانة ربانية وليست مجرد طعام يُلتهم.

ولهذا السبب، اختتم القرآن الكريم حديثه عن ملاذ ونعم الدنيا بقوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: 8)، فالمساءلة يوم القيامة لن تقتصر على الأموال والقصور فقط، بل ستشمل كل نعمة أنعم الله بها على عباده: كيف اكتسبوها؟ وفيما استخدموها؟ وهل أدوا الشكر عليها أم أضاعوها وفرطوا فيها؟

تظل دروس الحرب الدروس المتأخرة دائماً؛ لأنها تأتي غالباً بعد فوات الأوان وسقوط الفأس في الرأس، ومن هنا، فإن السلوك المتمثل في إلقاء بقايا الطعام ليس مجرد عادة مجتمعية سيئة فحسب، بل مظاهر جليّة للغفلة عن قيمة النعم، وتجاهل لمشاعر ملايين البشر الذين حولتهم أهوال الحروب من أصحاب موائد عامرة وممتلئة إلى باحثين متعبين عن كسرة خبز تسد رمقهم.

ولعل أعظم رسالة تحملها لنا مشاهد الحروب في واقعنا اليوم، هي أن نتوقف ملياً ونراجع أنفسنا قبل أن نلقي بما تبقى في أطباقنا، وأن نطرح على أنفسنا هذا السؤال المصيري: ماذا لو تبدلت الأحوال والأيام؟ ماذا لو أصبح هذا الفتات الذي نستصغره اليوم ونزهد فيه أمنية غالية نتمنى العودة إليها؟

فالنعم لا تُعرف حقيقتها وقيمتها حين تملأ الموائد وتفيض، وإنما تُعرف حين تغيب عن الأيدي؛ ومن حرص على شكرها ورعايتها في زمن الرخاء والسعة، كان أحرى وأرجى أن يحفظها الله له، أو يمنحَه الصبر والجميل واليقين إن ابتلي بفقدانها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة