الشعارات المعلقة والثقافة الغائبة (1)
لماذا تغيّر وجه الرئيس؟
في اجتماع لإحدى
المؤسسات الكبرى في العمل الخيري والإنساني، التي لها مكاتب وشركات في عشرات
الدول، ضم معظم فريق العمل في الإدارة المركزية للجمعية، طرح رئيس المؤسسة سؤالًا
على الحاضرين: ما رؤيتنا ورسالتنا وقيمنا وأهداف مؤسستنا؟ (أتحفظ على ذكر اسم
المؤسسة حرصاً على الغاية لا الأشخاص).
وكانت المفاجأة
أن معظم الحاضرين لم يكونوا على علم ودراية بها، فتغير وجه الرجل، وأدرك أن فريقه
لا يعيش هذه الأهداف والقيم والمبادئ التي رسمتها المؤسسة، وإن كانوا يقرؤونها على
أغلفة المطبوعات وملصقات الدعاية، أو مرسومة على الجدران.
وهنا بدأ رئيس
المؤسسة يوضح أهمية فهم هذه الثقافة، مؤكدًا أنها يجب أن تكون معاني محفورة في
الصدور، وتملأ العقول قبل أن ترددها الألسنة، وأن يعرفها العاملون ويؤمنوا بها
ويعيشوها في ممارساتهم اليومية.
لكن، مع مرور
الوقت، لم أرَ تغيرات فعلية تعكس ذلك.. وهنا يبرز أحد أكبر التحديات التي تواجه
المؤسسات الإنسانية والخيرية؛ هي الثقافة المؤسسية والمجتمعية؛ فليس المهم أن تكون
الرؤية والرسالة والقيم مكتوبة ومحفوظة، وإنما أن تتحول إلى ثقافة حية تنعكس على
سلوك العاملين وإدارتهم وممارساتهم.
ولكي تتجسد الثقافة المؤسسية، لا بد من معرفة معناها لغة واصطلاحًا؛ ففي اللغة، ترجع إلى الجذر «ثَقِفَ»، وهي تعني الفهم والفطنة والحذق، كما ورد في «لسان العرب» لابن منظور: الحذق والفطنة وسرعة الفهم، و«رجل ثقف» أي حاذق فطن.
أما في
الاصطلاح، فيعرّف مالك بن نبي الثقافة بأنها: مجموعة الصفات الخلقية والقيم
الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعوريًا العلاقة التي تربط
سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه.
وبالتالي، فأرى
أن مفهوم الثقافة في المؤسسات الإنسانية وغير الربحية مجموعة القيم والمبادئ التي
تنشئ وتبني السلوك الوظيفي للعاملين داخل المؤسسة تجاه الداعمين والمانحين
والمستفيدين وأصحاب المصلحة وبرامجها وأنشطتها.
تنشأ ثقافة
المؤسسة منذ اليوم الأول لانطلاق فكرتها عبر مؤسسيها، فيتشكل سلوكها الداخلي وفقًا
لأفكار وطريقة تفكير وخبرات مؤسسيها ومجالس إدارتها.
فمثلًا، إذا كان
المؤسسون من رجال الأعمال، غالبًا ما تتصبغ المؤسسة بآليات تفكيرهم الربحية وطريقة
التعامل مع الداعمين والمتبرعين.
وإذا كان
المؤسسون من الدعاة، فهل يتشكل فريق العمل من البيئة الفكرية نفسها، أم من ذوي
الكفاءات في المجال؟ وسيظهر ذلك على طريقة تفكيرهم وأدائهم كدعاة.
وحين يكون
المؤسسون من ذوي المرجعية الحكومية، فربما يتجه سلوكهم نحو البيروقراطية
والتوقيعات والتراتبية وغيرها.
وكل طريقة وخبرة
سابقة ستؤثر حتمًا في البناء الداخلي للمؤسسة، وتحدد طريقة عملها ونموها وأنشطتها
وبرامجها؛ فالثقافة المؤسسية ليست ما تكتبه المؤسسة عن نفسها، وإنما ما يراه الناس
في سلوكها، وما يلمسه العاملون في قراراتها، وما يعيشه المستفيدون في تعاملاتها،
وما يختبره الداعمون في علاقتها بهم.
وقد تُحفظ
الرؤية والرسالة والقيم عن ظهر قلب، لكن الثقافة الحقيقية للمؤسسة تظل في مكان آخر؛
في الممارسة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً