منهجية القرآن الكريم في بناء القيم

فوزي جابر

24 مايو 2026

356

منهجية القرآن الكريم في بناء القيم

القرآن الكريم المنهج الأسمى الذي أنزله الله لعباده، لتزكيتهم على مراده، فهو منهجٌ فريدٌ، بل هو المنهج التربوي الوحيد، الذي تنوعت وتعددت أساليبه التربوية، في بناء القيم والأخلاق الإسلامية، والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أنه وضع للقيم أصولًا كليةً ترجع إليها جميع القيم، وجاءت على النحو التالي:

1- القيم التي يحتاجها الإنسان في معاملته لربِّه عز وجل، مثل: الشكر والعبادة والإحسان.. إلخ.

2- القيم التي يحتاجها الإنسان في معاملته لنفسه، مثل: العفة والحياء والصبر.. إلخ.

3- القيم التي يحتاجها الإنسان في معاملته لرحمه (الوالدين – الزوجين – الأقارب)، مثل: بر الوالدين، والحب والرحمة والتعاون، وصلة الرحم.، إلخ.

4- القيم التي يحتاجها الإنسان في معاملته مع أخيه الإنسان، مثل: التواضع والرحمة والكرم.. إلخ.

5- القيم التي يحتاجها الإنسان في معاملته مع الطبيعة والكون، مثل: التفكر والإبداع والعلم.. إلخ.

وهذه الأصول القيمية في القرآن الكريم لن نجدها مبسوطة على هذا النحو في أي كتاب آخر؛ وذلك لأنه كتاب ربِّ العالمين، قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: 192).

وأيضًا فإن للقرآن الكريم منهجية فريدة في طريقة بنائه للقيم.

تعريف المنهج لغة واصطلاحا

وكلمة المنهج لغة: تدل هي الطريق الواضح المستقيم.

قال ابن منظور: «والمِنهاجُ: الطريقُ الواضِحُ، واسْتَنْهَجَ الطريقُ: صَارَ نَهْجاً، ونَهَجْتُ الطريقَ: أَبَنْتُه وأَوضَحتُه وسَلَكتُه؛ يُقَالُ: اعْمَلْ عَلَى مَا نَهَجْتُه لَكَ، وفلانٌ يَستَنهِجُ سبيلَ فلانٍ أَي يَسلُكُ مَسلَكَه، والنَّهْجُ: الطريقُ المستقيمُ، ونَهَجَ الأَمْرُ وأَنهَجَ، لُغتانِ، إِذا وضَحَ»(1).

ومن هذا التعريف اللغوي نستطيع أن نضع تعريفًا مختصرًا لكلمة المنهجية على أنها: «طريقة واضحة، ووسائل محددة، وأسس ثابتة، للوصول إلى غاية معينة».

أما منهجية القرآن الكريم في بناء القيم فتنطلق من وصفه الذاتي الذي وصفه به منزله سبحانه وتعالى إذ يقول: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (الواقعة: 77).

قال ابن القيم في تفسير هذه الآية الكريمة: «فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته، فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع، وهو من كل شيء أحسنه وأفضله، والله سبحانه وصف نفسه بالكرم، ووصف به كلامه، ووصف به عرشه، ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره»(2).

وقد جُبِلَ الإنسان على حب الكريم، فلا يستثقل صحبته، ولا يمل من مجالسته، بل يلبي دعوته، ويتعجل زيارته، لكثرة خيره وبركته، فكيف بكرم من وصفه الله بالكريم العظيم؟!

ومن كرم القرآن الكريم أن عطاءه لا ينفد، وأسلوبه متعدد، فتارة يأتي بالقصة المؤثرة التي تشد الانتباه، وتثير الانفعال، وتسكب في النفس المعاني اللازمة لبناء القيم الإيمانية، وقد أكثر القرآن الكريم في هذا المسلك حتى قال العلماء: إن القرآن ثلثه قصص وأخبار، وقد نوّع أيضًا في طريقة عرضه للقصص ليصبّ الفائدة في القلوب صبًّا.

مثال عن استخراج القيم من قصص القرآن الكريم

أول قصة استفتح الله بها القرآن الكريم هي قصة آدم عليه السلام؛ قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)؛ وهنا سؤال يفتح لنا مجالًا للتدبر واستنباط القيم وهو: لماذا اختبر الله تعالى آدم بالأكل من الشجرة؟ طالما أن الله خلقه ليكون خليفة في الأرض؟!

الإجابة: لينزل آدم إلى الدنيا بأهم ثلاث قيم على الإطلاق، وهي:

  • قيمة معرفة الله تعالى.
  • قيمة معرفة النفس.
  • قيمة معرفة الشيطان.

وليتمثل أمامه شعار حياته «اعرف ربك، اعرف نفسك، اعرف عدوك».

اعرف ربك: فهو شديد العقاب (لإبليس وأتباعه) وهو الغفور الرحيم (لمن تاب وآمن وعمل صالحًا).

اعرف نفسك: فمن طبيعتها (النسيان، الضعف، العزيمة، التوبة).

اعرف عدوك الأبدي: إبليس قال الله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 34).

وجاءت قصة قابيل وهابيل بعد ذلك مؤكدة هذه القيم الثلاث:

قيمة معرفة الله، في قوله تعالى: (وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ) (المائدة: 27).

قيمة معرفة النفس: في قوله تعالى (فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ) (المائدة: 30).

قيمة معرفة الشيطان: «قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَتَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيسُ وَأَخَذَ طَيْرًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى حَجَرٍ ثُمَّ شَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ آخَرَ وَقَابِيلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَعَلَّمَهُ الْقَتْلَ، فَرَضَخَ قَابِيلُ رَأْسَ هَابِيلَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ»(3).

فهذه القيم نزل بها آدم إلى الأرض وقد استوعبها بعمق، وعمل بها بصدق، فعاش آدم في الأرض قرابة ألف عام طائعًا لربه، فلم يعصه في الأرض طرفة عين، عاصيًا لإبليس وأعوانه، مقيمًا لنفسه على الطريق المستقيم.

يقول د. عبدالرحمن النحلاوي: «وللقرآن أسلوبٌ تربويٌّ رائعٌ وفريدٌ في تربية المرء على الإيمان بوحدانية الله، وباليوم الآخر، وعلى قِيَم الإيمان وأخلاقه، إنه يفرض الإقناع العقلي مقترنًا بإثارة العواطف والانفعالات الإنسانية، فهو يُرَبي العقل والعاطفة جميعًا، متماشيًا مع فطرة الإنسان في البساطة، وعدم التكلف»(4).

وتارةً نجد القرآن الكريم يضرب الأمثال لتستقر المعاني في الأفهام، واستقرار المعنى استقرار للمبنى، مثال قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النحل: 76).

وهذه الآية بها دلالةٌ تربويةٌ من سؤال نطرحه: هل يختلف اثنان أن الآمر بالعدل خير من الأبكم العالة عديم النفع؟ لذلك ترك الله الجواب لك: (هَلۡ يستوي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ) ليكون الإقرار من قارئ القرآن ليقول: لا.. لا يستويان، فيترسخ هذا المعنى في وجدان وأعماق قارئ القرآن (أن الذي لا يأمر بالعدل أبكم)، فكم من حقٍّ ضاع بسبب أبكمٍ؟ وكم من مجلسٍ عرفيٍّ ضاعت فيه الحقوق بسبب أبكم؛ يكتم الحق، ولو نطق به لعاد الحق إلى أهله؟ وكم من إنسانٍ سُلب حقه بسبب أبكم؟ والواقع يشهد على ذلك.

وتارة يُرَغّب في القيمة نفسها، معلنًا عن جائزتها، قال الله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134).

وتارة يُرَهّب، قال الله تعالى: (وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ) (النحل: 116).

وتارة يذكر الجزاء، قال الله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ) (آل عمران: 136).

وتارة يذكر العقاب، قال الله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) (آل عمران: 87)، فيقف المستمع بين هذه الحالات منجذبًا متأثرًا بما يسمع، فتعلق بخفايا نفسه القيم والمعاني التي أرادها الله تعالى لإصلاح عباده.

فحريٌّ اليوم بأمتنا وهي تواجه سيلًا من التحديات الأخلاقية والقيمية، أن تعود إلى هذا النبع الصافي، لتدبّره والاستمداد من منهجيته الفريدة في بناء الفرد والأسرة والمجتمع، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وقد صلح أولها بالقرآن الكريم واتباع هدي النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الهوامش
  • 1 لسان العرب، ابن منظور (2/ 383).
  • 2 مصباح التفاسير القرآنية الجامع لتفسير ابن قيم الجوزية (18/ 173).
  • 3 معالم التنزيل في تفسير القرآن، تفسير البغوي، محمد بن الفراء البغوي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي -بيروت، ط1، 1420هـ (2 / 40).
  • 4 عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها، مصر، ص24-25.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة