فهم الأدلة الشرعية.. بين الاستنباط المقاصدي والترجيح القسري

يُعدُّ الدليل الشرعي أساسًا لبناء الفقه الإسلامي وتنظيم حياة المسلمين في شؤونهم العقدية والعملية؛ غير أن التعامل مع الأدلة يحتاج إلى وعي دقيق بين الغاية في فهم الحكم والميل إلى الترجيح القسري، الذي قد يؤدي إلى الانحراف عن معالم الشريعة ومقاصدها، فالفهم العميق للدليل الشرعي لا يقتصر على مجرد معرفة النصوص، بل يشمل إدراك المراد منها، والسعي لاستنباط الحكم بما يتوافق مع السياق العام للشريعة ومقاصدها العليا.

لا بد من التأكيد على أن الرغبة في الفهم دافع أساسي لاستنارة الإنسان بالشرع والارتقاء بفكره النقدي، فالمسلم المدرك لقيمة الأدلة الشرعية يسعى إلى معرفة الحكمة وراء الأحكام، وليس مجرد الالتزام الظاهري بما ورد في النصوص.

ففهم الدليل الشرعي يساعد على استيعاب روح الشريعة ومراعاة مقاصدها، في حماية النفس، والمال، والعرض، والدين؛ لذلك، فإن الناظر في الدليل الشرعي عليه أن يكون متفتح الذهن، مستعدًا لاستيعاب المعاني المختلفة للنصوص، مستندًا إلى القواعد الأصولية في الاستنباط، دون أن يقحم رأيه الشخصي بطريقة غير رشيدة.

مشكلات القراءة المجتزأة للأدلة

إن الترجيح القسري نوع من الميل غير المدروس لإعطاء نصوص أو أدلة معينة أولوية مطلقة على غيرها، دون النظر في السياق العام للشريعة.

وغالبًا ما ينجم عن هذا السلوك تشويه الفهم الشرعي، حيث يتحول الدليل إلى أداة للإجبار على موقف معين، بدلاً من أن يكون وسيلة لاستنارة العقل والفهم، وقد يحدث الترجيح القسري عندما يلتزم الباحث بالنص حرفيًا أو يتبنى مذهبًا بعينه دون إدراك المرونة التي تتميز بها بعض النصوص، خصوصًا في مسائل الاجتهاد والاجتماع بين الأدلة المتعارضة.

اتهام في غير محل

يذهب بعضهم إلى أن المرونة في التعامل مع الأدلة الشرعية تعني التهاون أو الإهمال، والحق أنها تعكس حكمة الشريعة في تيسير حياة الناس، فمثلاً، قد نجد في القرآن الكريم والسُّنة النبوية نصوصًا تبدو متقاربة في المعنى أو متعارضة في التطبيق الظاهري، وهنا يأتي دور الاجتهاد المبني على الفهم العميق للغة النص، والسياق، والمقاصد العامة للشريعة.

وعلماء أصول الفقه وضعوا قواعد دقيقة تساعد في ترتيب الأدلة، وتحديد الأولويات، ومعرفة حالات التعارض، بما يضمن عدم الانزلاق إلى الترجيح القسري الذي يخالف مراد النص.

إن الرغبة في الفهم تحفز الباحث على الحوار الفقهي البنَّاء، ومناقشة القضايا بطريقة علمية موضوعية، فالتعلم الشرعي لا يكتمل إلا بالاستماع للآراء المختلفة، والتمحيص بين الأدلة المتعددة، ومحاولة استنباط الحكم المناسب وفق منهجية علمية، بينما يؤدي الترجيح القسري إلى إغلاق باب النقاش، وإيقاف التفكير النقدي، وربما يولد نزاعات فقهية أو تفسيرية غير مبررة، تؤثر على وحدة المجتمع المسلم وفهمه للشريعة.

طبيعة لا يجب إغفالها

يجب الانتباه إلى أن الفقه الإسلامي قائم على الاجتهاد الممنهج؛ ما يتيح للمجتهد أن يوازن بين الأدلة المختلفة دون أن يفرض رأيًا قسريًا، فالفهم الشرعي الرشيد هو الذي يتيح للباحث أن يوازن بين النصوص والأدلة، ويدرك أبعاد الحكم، ويستخلص نتيجة تلائم الواقع المعاصر دون الخروج عن ثوابت الشريعة، وهذا ما يميز الفقه عن الجمود، ويجعله أداة حيّة تتفاعل مع متغيرات الحياة.

إن العلاقة بين الدليل الشرعي والرغبة في الفهم تتسم بالدقة والاعتدال، فالدليل لا يُطلب لفهمه فحسب، بل لتطبيقه بوعي وحكمة، مع مراعاة مقاصد الشريعة العامة، أما الترجيح القسري فهو تهديد لفهم النصوص، حيث يحولها إلى أدوات فرضية لا تعكس روح الدين.

من هنا، فإن الباحث عن المعرفة الشرعية عليه أن يسعى دائمًا إلى فهم الأدلة بعمق، ويوازن بين النصوص المختلفة بحكمة، مسترشدًا بمقاصد الشريعة العليا، بعيدًا عن الانحياز القسري، ومتمسكًا بالحق والموضوعية في التعامل مع الحكم الشرعي.

ظاهريون في الاستدلال

إن الأدلة الشرعية لم تكن قطُّ أسواراً تسجن الأحكام خلف ما ظهر من نصوصها دون أن تفهم على طريقة من نزل القرآن بلسانهم، فقوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ) (الإسراء: 23)، يقول الرازي: اختلف الأصوليون في أن دلالة هذا اللفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالة لفظية أو دلالة مفهومة بمقتضى القياس، قال بعضهم: إنها دلالة لفظية، والثاني: إنها تدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء بحسب القياس الجلي.

فهذه المناقشة من الرازي يقابلها قول ابن حزم: إن هذه الآية ناطقة بالنهي عن التأفيف، ولكنها ساكتة عن حكم الضرب!

فابن حزم لا يرى أن حرمة ضرب الوالدين ثبتت بدلالة الآية، وأن الآية حرمت التأفيف لا غير ذلك، والعجب من فهمه لقوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) (الإسراء: 31)، فإن ذلك عنده لا يدل على التحريم مع الغنى واليسار، بل التحريم ثبت بغير تلك الآية.

لكن العلماء لم يقبلوا منه هذا الكلام، وإن كان كلامه من حيث الاعتبار بظاهر الدليل صحيحاً، لكن الذي جعله يقع في هذا أنه لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله، وأهمل تنبيه الخطاب، وفحواه وأنكر قياس الأولى، وإن لم يدل عليه الخطاب، فقد يكون أولى بالحكم من المنطوق به.

وهكذا تغيب تلك المعاني على المتجرئين، وربما سُئل أحدهم سؤالًا، فقال: قول الرسول كذا، وقول أبي حنيفة أو مالك كذا، فأيهما نتبع؟ فيضع سائله بين خيارين؛ ليلزمه بالظاهر من الدليل الذي يراه، وتلك المقابلة بين كلام الله ورسوله وكلام الأئمة حيف وزور، غير مسلَّمة قطُّ، فالحقُّ أنه ما وضع إمام من أئمة المسلمين نفسه في مقابل الأدلة الثابتة عن الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه الفهم لما اقتضته تلك الأدلة.

ولما سئل علي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: «لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة..» (رواه البخاري).

قال الشراح: يعني ما يفهم من فحوى القرآن، ويستدرك من باطن معانيه التي هي غير ظاهرها، وذلك جميع وجوه القياس والاستنباط التي يتوصل إليها من طريق الفهم والتفهم.

قواعد لفهم الأدلة

لقد وضع علماء الأصول في تناول الأدلة قواعد ينبغي مراعاتها، وهي: في حال التعارض بين نصين أن المتأخر يُرَدّ إلى المتقدم، والأعمّ يُرَدّ إلى الأخصّ فيما يدلّ عليه دليلٌ خاص، ويجمع بين النصوص إن كان ممكنًا.

فالتعامل مع الأدلة ليس تعسفيًا أو شخصيًا، بل هو قائم على فهم علمي، يمنع الترجيح القسري الذي يخرج النص عن دلالته الأصلية، ويجعله تبعاً للحكم بالطريق العكسي للاستدلال، فبعضهم يطلق الحكم، ويبحث له بعد ذلك عن دليل أو تأويل دليل.

الفهم في التطبيق المعاصر

إذا أردنا أن نضرب لما سبق مثالاً نقول: عند مناقشة مسائل جديدة، كقضايا التكنولوجيا، والمعاملات المالية غير التقليدية، وقضايا الصحة العامة، فإن الفهم العميق للنصوص الشرعية ومقاصدها يتيح للفقهاء استنباط أحكام تلائم الواقع دون الانسياق وراء ترجيحات قسرية قد تعرقل مواكبة الحاجة المجتمعية، فعند بحث موضوعات الاقتصاد الرقمي أو المعاملات البنكية الحديثة لا يكفي النقل الحرفي من كتاب أو سُنة بقدر ما يلزم الفهم الشامل، حيث إن الشريعة جاءت للهداية والتيسير للإنسان في حياته، ولا يمكن تحقيق ذلك إذا صار التعامل مع الأدلة منصبًا على فرض فهم معين دون اعتبار للعقل والظروف والمقاصد، وإصدار الحكم عاجلاً، والتدليل عليه نسيئة أو آجلاً، كما يفعله بعض المتجرئين.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة