قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين جريمة ضد الإنسانية
وضع الإسلام
قواعد واضحة تحفظ كرامة الأسير وتضمن حقوقه، فقد حثّ القرآن الكريم على معاملة
الأسرى معاملة إنسانية قائمة على الرحمة في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا
وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان: 8).
وأوصى النبي صلى
الله عليه وسلم في غزوة «بدر» بحسن معاملة الأسرى في صورة تجسّد أسمى معاني
الأخلاق، وجعل فك الأسر بالفداء أو العفو أو المبادلة أو يُطلب من الأسير تعليم
عدد من المسلمين القراءة والكتابة مقابل حريتهم؛ ما يعكس توجهًا حضاريًا في معاملة
الأسير.
الأسرى الفلسطينيون.. بين الموت تعذيبًا أو إعدامًا
بينما وضعت
الأديان السماوية، وفي مقدمتها الإسلام، قواعد أخلاقية تحفظ كرامة الأسير، جاء
القانون الدولي الإنساني ليحول هذه الأخلاق إلى نصوص ملزمة، وتأتي هذه التشريعات
في وقت كشفت فيه المقررة الأممية د. فرانشسكا ألبانيزي، في تقريرها الأخير حول
التعذيب والإبادة الجماعية، الذي تضمن انتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين بالتعذيب
الوحشي الذي فاق الأهوال في السجون «الإسرائيلية»، وحصد أرواح معتقلين فلسطينيين،
وسياسة التجويع، وسوء المعاملة، والاغتصاب، وسياسة الإهمال الطبي، والإجراءات
التعسفية الأخرى كمنع التقاء المعتقل بمحاميه، والظروف المعيشية القاسية داخل
السجون.
تشير الإحصاءات
إلى وجود قرابة 9300 معتقل فلسطيني، يواجهون تعذيبًا قاسياً في ظل حكومة متطرفة
شرعت منذ أكثر من عامين في ممارسة الإبادة الجماعية بحق شعب غزة والتنكيل بالضفة
الغربية دون عقاب؛ فسار مؤخرًا في إطار سياسة «الإفلات من العقاب» بإقرار مشروع
قانون يوم الإثنين 30 مارس 2026م بـ«إعدام» الأسرى الفلسطينيين بالمخالفة للقانون
الدولي الإنساني بشأن الأسرى.
يشكل قانون «الإعدام»
الجديد من الناحية القانونية خرقًا للمادة (13) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م،
التي تفرض على الدولة الحاجزة توفير معاملة إنسانية للأسرى وحمايتهم من أي فعل أو
إهمال يؤدي إلى الوفاة، وبينما تمنع القوانين الدولية العقوبات الجماعية أو
الانتقامية، يذهب التشريع الجديد نحو حظر تخفيف الأحكام، ضاربًا عرض الحائط
بالضمانات القضائية التي كفلتها المعاهدات الدولية لحماية الأرواح والكرامة
الإنسانية.
«إعدام الأسري» يتعارض مع القانون الدولي الإنساني
في وقت يبدو فيه
الحراك الدولي الرسمي عاجزًا عن كبح جماح حكومة الاحتلال التي انتقلت من التغييب
القسري إلى التصفية الجسدية، فقد شهدت سياسة الاحتلال تحولا جذريًا وأكثر عدوانية
بعد عقود من استنزاف أعمار الأسرى في غياهب السجون تحت مسمى الاعتقال الإداري،
انتقل إجرام الاحتلال نحو الإنهاء الوجودي المباشر بصبغة قانونية تنتهك الحق
الأصيل في الحياة الذي كفلته المواثيق الدولية.
وخطورة هذا
القانون تكمن في كونه يخرج العقوبة من إطارها الجنائي التقليدي ليضعها في سياق التمييز
العنصري التشريعي؛ فاستهداف الأسير بناءً على خلفيته السياسية أو القومية يمثل
انتهاكًا صارخًا للحماية الممنوحة للأشخاص المحميين في القانون الدولي الإنساني.
دور الفضاء الرقمي في فضح سلطات الاحتلال
تبرز أهمية
المنصات الرقمية في مخاطبة الجمهور الغربي مباشرة، وتفكيك الرواية الأمنية التي
تحاول وسم الأسير بـ«الإرهاب» لتبرير قتله قانونيًا، وتدويل القضية عبر تحويل
الانتهاك التشريعي المحلي إلى أزمة أخلاقية عالمية.
وتظل المنصات
الرقمية الثغرة التي يتسلل منها الضوء إلى العالم، وقد أثبتت التجربة أن المنصات
الرقمية لم تعد مجرد ناقل للخبر، بل تحولت إلى سلطة رقابية بديلة عوضت غياب آليات
المحاسبة الدولية الفعالة، وفضح ممارسات الاحتلال تجاه الأسرى وتشكل قوى ضاغطة
ومناصرة لقضية الأسرى في سجون الاحتلال، ويمكن أن يساهم الدور الحيوي للمنصات
الرقمية والمجتمع المدني في دعم قضية الأسرى على النحو التالي:
1- التوثيق
الرقمي المنهجي: ضرورة الارتكاز على محتوى موثق يدمج بين الشهادات الحية، والتقارير
الحقوقية، والمواد المرئية؛ لضمان الوصول إلى جمهور متعدد الثقافات بلغات مختلفة.
2- تكامل الجهود
الحقوقية والمدنية: يبرز دور المنظمات الدولية، مثل العفو الدولية، وهيومن رايتس
ووتش، في منح المصداقية للحملات الرقمية ما يحولها من مجرد تضامن إلى أدوات ضغط
سياسي وقانوني.
3- بناء شبكات
تضامن عابرة للحدود: تبرز قدرة المجتمع المدني على تنسيق حراك رقمي موحد عبر الهاشتاجات
العالمية، والنداءات الإلكترونية، والندوات الافتراضية؛ لتفنيد سياسات الاحتلال
قانونيًا.
دور المؤسسات المدنية والحقوقية
لا يتوقف دور
النشاط الرقمي عند نشر الوعي، بل يمتد لدعم المبادرات القانونية الدولية والعمل
كقوة ضاغطة ترفع التكلفة المعنوية للانتهاكات المستمرة والإنسانية بحق الأسرى
الفلسطينيين على النحو التالي:
1- مسار العدالة
الدولية: دعوة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لإدراج قانون إعدام الأسرى
كدليل إدانة إضافي ضمن ملف الإبادة الجماعية، والتحقيق مع المشرعين والقضاة
المتورطين في شرعنة القتل العمد.
2- تفعيل
الولاية القضائية العالمية: حث الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف على تفعيل
قوانينها المحلية لمحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة بحق الأسرى، استنادًا
إلى مبدأ الولاية القضائية التي لا تسقط بالتقادم.
3- المقاومة
الرقمية: تحويل الحراك العفوي على المنصات الرقمية إلى مرصد حقوقي رقمي موحد يعمل
على أرشفة الانتهاكات باللغات العالمية، وكسر الرواية الأمنية للاحتلال عبر نشر
الشهادات الحية والوثائق القانونية.
4- الضغط
الدبلوماسي المشروط: مطالبة التكتلات الدولية (الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول
العربية، مجلس التعاون الخليجي) بربط الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية مع سلطة
الاحتلال بمدى التزامها بحقوق الأسرى، وتجميد العمل بالاتفاقيات في حال تنفيذ
أحكام الإعدام.
5- الحماية
الأممية العاجلة: مطالبة اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة بالضغط لفرض
لجان تفتيش دورية ومستقلة داخل السجون، لضمان وقف سياسات التجويع والإهمال الطبي
والتعذيب الممنهج.
6- التركيز
إعلاميًا على البعد الإنساني للقضية: التركيز في الحملات الرقمية على القصص
الإنسانية للأطفال والنساء والأسرى المرضى، والوصول إلى ضمير الرأي العام العالمي
مباشرة، وبذلك يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة نضال إستراتيجي تساهم في صياغة
السردية الحقوقية، والضغط المباشر على صناع القرار الدوليين.
وتمنح هذه
المنصات عائلات الأسرى صوتًا مباشرًا لتوثيق معاناتهم؛ مما يضفي بعدًا إنسانيًا
مؤثرًا يكسر القوالب السياسية التقليدية ويستقطب تعاطفًا دوليًا واسعًا.
إن مواجهة الإرهاب
التشريعي المتمثل في قانون الإعدام يتطلب تكاتفًا، لتحويل قضية الأسرى من معاناة
خلف القضبان إلى أزمة ضمير عالمية تستوجب المحاسبة الفورية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً