لتسكنوا إليها.. فلسفة السكون في البناء الزوجي

لتسكنوا إليها.. فلسفة السكون في البناء الزوجي

قالَ رَبُّنَا جَلَّ شَأْنُهُ: (وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).

كَلِمَاتٌ قَلِيلَةُ الْمَبْنَى، عَظِيمَةُ الْمَعْنَى، ثَرِيَّةٌ بِالْخَيْرِ أَقْصَى الثَّرَاءِ، تَجُودُ بِمَا يَفُوقُ السَّخَاءَ، حَوَتْ مِنَ الْجَمَالِ مَا عَجَزَتِ الْمُطَوَّلَاتُ عَنْ احْتِوَائِهِ، وَاشْتَمَلَتْ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا ضَاقَ عَنْهُ الْكَلَامُ، وَلَوْ أَنَّا امْتَثَلْنَاهَا فِي حَيَوَاتِنَا لَحُزْنَا الْهَنَاءَ، وَظَفِرْنَا بِالسُّرُورِ.

وَإِلَيْهَا هُنَا تَحْصُرُ الْإِشَارَةَ فِي الْمَرْأَةِ؛ فَهِيَ مَحَطُّ السُّكُونِ، وَالرَّجُلُ هُوَ السَّاكِنُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ هِيَ الْمُنَاط بِهَا إِحْدَاثُ ذَلِكَ السُّكُونِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهَا جُبِلَتْ عَلَى اللِّينِ، وَوُهِبَتْ ضَعْفًا جَمِيلًا، فَجُعِلَتْ كَالْمِهَادِ الْوَثِيرِ، يَأْوِي إِلَيْهِ الرَّجُلُ الْمَوْكُولُ بِالْمُكَابَدَةِ، الْمُصَاوِلُ لِصُرُوفِ الْحَيَاةِ.

يُنْفِقُ سَاعَاتِ نَهَارِهِ فِي نَبْشِ الْأَرْضِ، طَلَبًا لِقُوتٍ يَسُدُّ بِهِ حَاجَةَ رَعِيَّتِهِ مِنْ بَنِينَ وَأُمِّهِمْ، فَيُصِيبُهُ مِنْ سَعْيِهِ الْعَنَتُ وَالرَّهَقُ، وَيُعْوِزُهُ بَعْدَ ذَلِكَ سُكُونٌ يَجُبُّ هَذَا الْعَنَتَ، وَيُذْهِبُ ذَاكَ التَّعَبَ، فَلَا يَجِدُهُ إِلَّا عِنْدَ زَوْجَتِهِ الرَّؤُومِ، الَّتِي أُوكِلَ إِلَيْهَا أَنْ تَكُونَ لِبَعْلِهَا الْمُسْتَرَاحَ وَالْمَأْوَى.

السر في التعبير بقوله: «إليها»

وَإِنَّ اخْتِيَارَ حَرْفِ الْجَرِّ «إِلَى» دُونَ «مَعَ» إِشَارَةٌ بَالِغَةُ الدِّقَّةِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَلِيقُ بِالْمَرْأَةِ، وَهُوَ قَرَارُهَا فِي بَيْتِهَا؛ فَهِيَ فِيهِ دَائِمَةُ الْوُجُودِ، لَا خُرُوجَ إِلَّا لِحَاجَةٍ. "وَإِلَيْهَا"، فِي هَذَا الْبَيْتِ، يَسْكُنُ الرَّجُلُ وَيَسْتَرِيحُ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَلَّا تُزَاحِمَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِي مِيدَانِ كَدِّهِ وَعَمَلِهِ؛ فَإِنْ خَرَجَتْ خُرُوجَهُ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَكُونُ لَهُ مَوْضِعَ السُّكُونِ؟

وَلَوْ كَانَتْ مَجْبُولَةً عَلَى نِدِّيَّتِهِ فِي الْعَمَلِ لَقَالَ سُبْحَانَهُ: «لِتَسْكُنُوا مَعَهَا»، وَلَكِنَّهُ قَالَ: «إِلَيْهَا»، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا فِيهِ.

أسرار السكون الزوجي

وَلَيْسَ السُّكُونُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ قَاصِرًا عَلَى مَا يَسْبِقُ إِلَى الْأَذْهَانِ، بَلْ هُوَ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ. فَالرَّجُلُ قَبْلَ الزَّوَاجِ يَكُونُ فِي مَوَارٍ خَفَّاقٍ، لَا قَرَارَ لَهُ، بِهِ رَغْبَةٌ مُتَّقِدَةٌ، تُلْهِبُ الْبَدَنَ وَتُثِيرُ الْعَصَبِيَّةَ، لَا يَخْبُو أُوَارُهَا إِلَّا بِإِشْبَاعِهَا. فَإِذَا أُفْرِغَتْ هَدَأَ مَا كَانَ يَجِدُ، وَاسْتَقَرَّ بَعْدَ هَيَجَانٍ، وَاسْتَرْخَى بَعْدَ شِدَّةٍ، فَيَحْصُلُ لَهُ السُّكُونُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالزَّوْجَةِ.

وَقَلْبُ الرَّجُلِ مُتْرَعٌ بِالْعَاطِفَةِ، مُحْتَبَسٌ فِيهِ مِنَ الْوَجْدِ مَا يَدْعُوهُ إِلَى أَنْ يُفِيضَهُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ بَنَاتِ حَوَّاءَ، فَيَبْقَى قَبْلَ الزَّوَاجِ فِي تِيهٍ بِلَا اهْتِدَاءٍ، وَفِي ظَمَأ بِلَا ارْتِوَاءٍ، حَتَّى إِذَا اخْتَارَ وَأَشْرَفَ عَلَى الزَّوَاجِ، تَسَلَّلَتْ تِلْكَ الْعَاطِفَةُ مِنْ مَحْبَسِهَا، وَانْسَكَبَ مِنْهَا مَا يُطْفِئُ بَعْضَ ظَمَئِهِ. فَإِذَا تَزَوَّجَ، تَدَفَّقَتْ وَانْفَلَتَتْ مِنْ كَبْتِهَا، وَغَمَرَ بِهَا شَرِيكَةَ حَيَاتِهِ، فَيَسْتَشْعِرُ الْقَرَارَ لِقَلْبِهِ، وَيُحِسُّ بَرْدَ الرِّيِّ بَعْدَ لَفْحَةِ الظَّمَأ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سُكُونَهُ بَعْدَ طُولِ اضْطِرَابٍ وَقَلَقٍ.

وَيَكُونُ الرَّجُلُ بِلَا عَائِلٍ قَائِمٍ عَلَى شَأْنِهِ، يَقْضِي حَوَائِجَهُ، حَتَّى يُرْزَقَ حَلِيلَةً، فَلَا الْأُمُّ، عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهَا، تُوَفِّيهِ حَاجَتَهُ كَمَا يَنْبَغِي، وَلَا الْأُخْتُ كَذَلِكَ؛ فَهَذِهِ وَتِلْكَ لَيْسَتَا لَهُ وَحْدَهُ، وَلَهُ فِيهِمَا شُرَكَاءُ. وَلَا تُقْضَى خُصُوصِيَّاتُهُ تَمَامَ الْقَضَاءِ إِلَّا بِمَنْ كَانَتْ لَهُ وَحْدَهُ، زَوْجَةً لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهَا، تَلُمُّ شَعْثَهُ، وَتُوليهِ الِاهْتِمَامَ الْخَالِصَ، وَتَنْهَضُ بِخُصُوصِيَّاتِهِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَتْ أُمًّا أَوْ أُخْتًا، وَهَكَذَا يَكْتَمِلُ السُّكُونُ؛ سُكُونُ الْبَدَنِ، وَسُكُونُ الْقَلْبِ، وَسُكُونُ النَّفْسِ.

السر في التعبير بكلمة «جَعَلَ»

ثم قال سبحانه: (وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) وَلَنَا أَنْ نَتَأَمَّلَ الْفِعْلَ «جَعَلَ»؛ فَهُوَ هُنَا يُفِيدُ الْإِيجَادَ وَالْخَلْقَ لِمَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ لَمْ تَكُونَا قَبْلَ الْمُشَارَكَةِ، وَقَدْ حَدَّ الدِّينُ الْقَوِيمُ مِنَ الْخُلْطَةِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، فَلَمْ يُبِحْهَا إِلَّا لِضَرُورَاتٍ يَسِيرَةٍ، لِيَبْقَى الْقَلْبُ مَخْزُونًا بِالْحُبِّ كَامِلًا غَيْرَ مَنْقُوصٍ، فَيَفِيضَ بِهِ عَلَى مَنْ قُدِّرَ لَهُ شَرِيكًا فِي الْحَيَاةِ. فَيَفِيضُ الْحُبُّ حَلَالًا، فَتَنْبُتُ آصِرَةٌ مَتِينَةٌ، تَقْوَى مَعَ الْأَيَّامِ، وَتَرْبُو كُلَّمَا سُقِيَتْ بِالْوُدِّ، فَيَقُومُ عَلَيْهَا بِنَاءُ الْحَيَاةِ صَلْدًا، يَصْمُدُ لِعَوَادِي الزَّمَانِ وَكَبَوَاتِ الْأَيَّامِ.

أَمَّا مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ، وَخَالَفَ أَمْرَ الدِّينِ، وَسَفَحَ وُدَّهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَلَا مَحَلِّهِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ حَيَاتَهُ الزَّوْجِيَّةَ خَالِيَ الْوِفَاضِ، بَارِدَ الْقَلْبِ، فَقِيرَ الشُّعُورِ، لَا يَجِدُ فِي مَاعُونِ قَلْبِهِ بَقِيَّةَ وُدٍّ يَبْذُلُهَا، وَلَا يَبْقَى لَهُ إِلَّا وَطَرٌ بَهِيمِيٌّ يُقْضَى بِلَا رُوحٍ. فَيَقُومُ بُنْيَانُ حَيَاتِهِ عَلَى أَسَاسٍ وَاهٍ، يَهْتَزُّ لِأَدْنَى رِيحٍ، وَيَنْهَارُ عِنْدَ أَوَّلِ عَاصِفَةٍ.

غَيْرَ أَنَّ الْوُدَّ لَا يُصْنَعُ؛ فَهُوَ صَنِيعَةُ الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ لَا سُلْطَانَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَضِنُّ بِالْحُبِّ، فَلَا يَجُودُ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، فَهَلْ تَكُونُ النَّكْبَةُ وَيَكُونُ الْإِخْفَاقُ؟

كَلَّا، لَا نَكْبَةَ وَلَا إِخْفَاقَ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنْ غَابَ الْحُبُّ، وَبَعُدَتْ أَسْبَابُهُ، بَقِيَتِ الرَّحْمَةُ، وَهُمْ عَلَيْهَا قَادِرُونَ. فَيُسْبِغُونَهَا عَلَى حَلَائِلِهِمْ، وَيَتَخَلَّقُونَ بِهَا، فَتَكُونُ كَفِيلَةً بِدَوَامِ الرِّبَاطِ الْمُقَدَّسِ، وَمَتَانَتِهِ عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ، إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.

وَذَاكَ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَأُولِي الْأَلْبَابِ وَالنُّهَى.


اقرأ أيضا:

مفتاح السعادة والسكينة

خواطر زوجية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة