العدالة في الإسلام حق لكل الأنام

العدالة في الإسلام حق لكل الأنام

العدالة في الإسلام أصل شرعي ومقصد إلهي ثابت، تشمل الناس جميعًا دون تمييز بين مسلم وكافر، وقد جاءت الرسالات لإقامة القسط بين العباد، وتجسد ذلك عمليًا في حادثة بني أبيرق، حين نزل القرآن مبرئًا يهوديًا من التهمة ومدينًا من أظهر الإسلام ظلمًا وعدوانًا.

التأصيل الشرعي لشمولية العدالة في الإسلام

أولاً: العدل مع الخصوم والمخالفين في العقيدة:

لم تجعل الشريعة الإسلامية اختلاف الدين باباً للجور أو تسويغاً للبغي، بل جاءت النصوص القرآنية حازمة في قطع الطريق أمام أي انحراف عاطفي أو نفسي قد يحمل المسلم على ظلم خصمه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).

وكذا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90)، إذ جاء الأمر بالعدل عاماً شاملاً لا يفرق بين مسلم وغير مسلم، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58).

ثانياً: نفي المحاباة في التقاضي والأحكام:

قام النظام القضائي في الإسلام على إلغاء الفوارق الطبقية والعرقية والدينية أمام مجلس القضاء؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا) (النساء: 135)؛ تؤسس لمبدأ العدل المطلق الذي لا يتأثر بالمصلحة الشخصية، ولا بالقرابة العاطفية، ولا بالظروف الاجتماعية.

وجاء النهي فيها واضحاً: فلا تمنعنّكم العاطفة عن القول بالحق، ولا تجعلوا غنى الغني داعياً للمحاباة طمعاً، ولا فقر الفقير داعياً للتعاطف معه على حساب الحق

والرسول صلى الله عليه وسلم يقرر هذه القاعدة بعبارة حاسمة في حديث المرأة المخزومية التي سرقت: «وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (رواه البخاري، ومسلم).

حادثة بني أبيرق.. القرآن يبرئ يهودياً ويدين مسلماً

تعتبر قصة بني أبيرق حادثة مفصلية في التشريع الإسلامي؛ لأنها شهدت بنزول قرآني يصحح مجرى القضاء ويبرئ يهودياً اتُّهِم ظُلماً، على حساب أشخاص يتظاهرون بالإسلام وينتمون لقَبِيلَةٍ ذات ثقل في المجتمع المدني.

وتتلخص الواقعة كما رواها أصحاب السنن والمسانيد (الترمذي، والحاكم، وغيرهما) في أن رجلاً من الأنصار يقال له: رفاعة بن زيد سُرِقَتْ منه دِرعٌ (وكانت في جراب فيه دقيق)، فاستُروح أثر الدقيق حتى انتهى إلى دار بني أبيرق؛ وهم بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وينسبه إلى غيره.

عندما بدأ رفاعة وابن أخيه قتادة بن النعمان بالبحث والتفتيش، خاف بنو أبيرق من الفضيحة، فأتوا إلى رجل يهودي يقال له: زيد بن السمين وأودعوا عنده الدرع المسروقة ليلاً ليُبعدوا الشبهة عن أنفسهم.

فلما أصبح الناس وجاء التفتيش، قال بنو أبيرق: والله ما أخذها إلا زيد بن السمين، فلما سُئل زيد قال: دفعها إليّ بشير بن أبيرق، ولأن بني أبيرق كانوا أناساً من أهل الدار والإسلام ظاهراً، ولهم عشيرة تدافع عنهم، جاء قومهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه يعمدان إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت!

وأمام الوقائع الظاهرة، والشهادات الصادرة من أهل العشيرة، مال النبي صلى الله عليه وسلم بحكم البشرية وبناءً على الظاهر إلى العذر لبني أبيرق، ولام قتادة بن النعمان على رميه إياهم بالسرقة دون بينة قطعية.

ولم يلبث الأمر أن نزل الوحي الإلهي ليقطع الشك باليقين، ليس ببيان حقيقة الحادثة فحسب، بل بتنزيل 10 آيات متتابعة في سورة «النساء» تُعتبر وثيقة خالدة للعدالة المطلقة.

الدرس التشريعي والسبق الحضاري

تولى القرآن الكريم كشف الحقائق وإعادة النصاب إلى أهله عبر آيات تتضمن توجيهاً، وتحذيراً، وبراءة، وحكماً عاماً؛ العتاب والتوجيه للنبي صلى الله عليه وسلم: بدأت الآيات بالتعليم الرباني المباشر للنبي صلى الله عليه وسلم؛ (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً {105}‏ وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً) (النساء)؛ (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)؛ أي بالعدل والحق الذي شرعه الله، وليس بمجرد الظواهر التي قد يُلبّس بها الخائنون، (وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا): نهي صريح عن الدفاع عن بشير بن أبيرق وأمثاله من الخونة، حتى لو أظهروا الإسلام.

بيان بطلان المدافعة عن أهل الباطل

مضت الآيات تُبيّن أن التستر على المفسدين وتبرئة المجرمين بناءً على القرابة أو الانتماء المجتمعي جريمة في حق العدالة؛ (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً {107} يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (النساء)؛ وهنا تعرية لمكر بني أبيرق، الذين حاولوا استغلال حُرمة المجتمع المسلم، للتغطية على جريمتهم وتوريط رجل يهودي لا ذنب له.

إعلان براءة زيد بن السمين اليهودي

توجّت الآيات هذا التنزيل بإعلان براءة الرجل اليهودي وحصر الجريمة والإثم في الجاني الحقيقي؛ (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (النساء: 112)؛ فقد نصت الآية على تبرئة زيد بن السمين وسمّت ما فعله الخائن به «بهتاناً وإثماً مبيناً»، ليُقطع الطريق أمام أي محاولة للاستخفاف بحقوق غير المسلمين داخل الدولة الإسلامية.

الآثار الفقهية والحضارية لحادثة بني أبيرق

تتعدى أبعاد قصة بني أبيرق مجرد كونها حادثة تاريخية وقعت في زمن النبوة، بل تمتد لتكوّن قواعد كليّة يسترشد بها الفقه الإسلامي، بل والفكر الإنساني:

1- إرساء مبدأ «البراءة الأصلية» وحرمة الاتهام بلا دليل: أكدت الحادثة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ببينة قطعية، وأن الحماية الفقهية والقانونية تشمل جميع الرعايا والمواطنين بصرف النظر عن عقائدهم.

2- سموّ الحقيقة التشريعية على الأعراف والروابط العشائرية: في مجتمع قبلي كالمجتمع العربي القديم، كانت العشيرة تدافع عن ابنها بلا اعتبار لحق أو باطل، فجاء القرآن الكريم ليكسر هذا النمط؛ حيث برأ الغريب (اليهودي) الذي لا عشيرة له في المدينة، وأدان ابن العشيرة والدار (بشير بن أبيرق) وردّ دفاع قومه عنه.

3- تعزيز المصداقية الأخلاقية للدولة الإسلامية: لو كانت الشريعة الإسلامية تسعى لتحقيق مكاسب سياسية أو تعصب ديني، لكان من أسهل الأمور إدانة اليهودي وتغطية الأمر على الأنصاري لحفظ تماسك المجتمع المدني، لكن القرآن نزل بغير ذلك تماماً، ليؤكد أن العدل قيمة مطلقة لا تخضع للمداراة المصلحية.

تطبيقات العدالة المطلقة

لم تكن قصة بني أبيرق حادثة فريدة في تاريخ الشريعة، بل رسمت منهاجاً مشى عليه خلفاء المسلمين وقضاتهم عبر العصور، ووعت ذاكرة التاريخ حوادث لا تحصى من عدالة المسلمين مع الكافرين.

ومن هذه الوقائع موقف الفاروق عمر مع القبطي وابن عمرو بن العاص؛ فعندما تسابق ابن أمير مصر (عمرو بن العاص) مع رجل قبطي فضربه ابن عمرو، ذهب القبطي إلى عمر بن الخطاب في المدينة المنورة، فاستدعى الفاروق أمير مصر وابنه، ومكّن القبطي من القصاص، وقال مقالته الشهيرة التي دوت في مسامع الدنيا، وآفاق التاريخ: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟

وكذلك قضاء شريح القاضي في درع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ حيث وقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمام القاضي شريح خصماً لرجل نصراني في درع فقدها عليّ ووجدها عند النصراني، ولما لم تكن لعليّ بينة غير شهادة ابنه الحسن (ولم يُجِزْ القاضي شهادة الابن لأبيه حينها)، فحكم القاضي شريح بالدرع للنصراني!

أسفر هذا العدل عن إسلام النصراني الذي قال: أمير المؤمنين يقاضيني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليّ! أشهد أن هذا دين أنبياء.

إن الدارس للتشريع الإسلامي يدرك بيقين أن العدالة المطلقة ليست مجرد شعار براق، بل هي جوهر الدين وعماد شريعته الخالدة، وأن الشريعة التي حمت حقوق مخالفها وأعلنت براءته في كتاب يُتلى في المحاريب، لهي الشريعة الكفيلة بإرساء السلام العالمي والعيش المشترك القائم على القسط والكرامة الإنسانية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة