ألمانيا وغزة.. بين ذاكرة الماضي ومسؤولية الحاضر
لم تعد حرب الإبادة على غزة تكشف حجم الجرائم التي تُرتكب بحق الفلسطينيين، ولا طبيعة الانحياز السياسي الغربي لدولة الاحتلال «الإسرائيلي»، بقدر ما تطرح سؤالاً حول الدول التي لا تطلق النار أن تكون بمنأى عن المسؤولية عندما توفر السلاح والغطاء السياسي والقدرة على استمرار الحرب، وفي حالة ألمانيا وغزة، تقف برلين اليوم أمام واحدة من أكثر لحظاتها السياسية إحراجاً منذ تأسيس جمهوريتها الحديثة.
فبرلين لم تكن يوماً دولة عادية في علاقتها بدولة الاحتلال؛ فمنذ أن تحولت المسؤولية الألمانية عن جرائم الماضي إلى قاعدة مركزية في السياسة الألمانية تجاه «إسرائيل»، أصبحت حماية «إسرائيل» تُقدَّم في الخطاب السياسي الألماني بوصفها جزءاً من مصلحة الدولة وواجبها التاريخي، لكن غزة وضعت هذه العقيدة أمام اختبار لم يكن في الحسابات الألمانية.
ألمانيا وغزة.. عندما يصبح التاريخ عبئاً على الحاضر
لا أحد يستطيع أن ينكر الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا النازية بحق اليهود وغيرهم، كما أن مسؤولية ألمانيا التاريخية لا يمكن محوها أو التنصل منها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المسؤولية من درس تاريخي وأخلاقي إلى سياسة تمنح «إسرائيل» بصورة عملية مساحة استثنائية من الحصانة السياسية، فالتاريخ لا يمكن أن يكون رخصة دائمة للحاضر، ولا يمكن أن تتحول جريمة ارتُكبت بحق شعب إلى سبب ليس للصمت أمام معاناة شعب آخر وإنما بدعم عسكري وسياسي لا محدود بارتكاب إبادة جماعية.
المسؤولية التاريخية الحقيقية لا تعني الوقوف إلى جانب دولة مهما فعلت، وإنما تعني الدفاع عن المبدأ الذي يفترض ألا تتكرر، وهي الجرائم الجماعية ضد أي شعب، ومن هنا تظهر المفارقة الألمانية الكبرى، هل يمكن لألمانيا أن تقول: لن نسمح بتكرار التاريخ بينما تتجاهل ما يقوله الفلسطينيون عن حاضرهم؟ إن كانت الإجابة «نعم»، فإن مفهوم المسؤولية التاريخية يكون قد فقد جزءاً من معناه الأخلاقي.
السلاح الألماني في دائرة الأسئلة
القضية المطروحة أمام محكمة العدل الدولية تكتسب أهميتها من أنها لا تسأل ببساطة هل ألمانيا قصفت غزة؟ فهذا ليس محل النزاع لأن السؤال الأكثر تعقيداً هو ماذا تعني مسؤولية الدولة عندما تكون مساهمتها في الحرب غير مباشرة؟
الدول اليوم لا تحتاج بالضرورة إلى إرسال جنودها إلى ساحة المعركة حتى يصبح موقفها السياسي ذا أثر ميداني، السلاح الذي يصل إلى الجيش والذخائر التي تسمح باستمرار العمليات والدعم الذي يمنح الحكومة المتحاربة شعوراً بأنها لن تواجه عزلة دولية حقيقية، كلها عناصر تدخل في حسابات الحرب والسلام، ولهذا فإن قضية ألمانيا تحمل دلالة تتجاوز المحكمة نفسها.
فإذا كانت الدولة التي ترتكب الإبادة والمجازر مسؤولة، فماذا عن الدولة التي تعلم بخطر الانتهاك وتستمر رغم ذلك في تقديم الأدوات التي تساعد على استمرار الحرب، فالمسألة ليست مسألة فلسطينية فقط، بل تعتبر مسألة ستلاحق مستقبل تجارة السلاح والعلاقات العسكرية بين الدول، وستفرض على الحكومات أن تعيد النظر في فكرة أن الدعم العسكري يمكن أن يبقى منفصلاً تماماً عن نتائجه.
أخطر ما في القضية أنها قد تكسر قاعدة قديمة طوال عقود جرى التعامل مع الحروب الدولية بمنطق بسيط هناك دولة تقاتل، وهناك دول تدعمها، بموجب هذا المنطق تستطيع الدولة الداعمة أن تقول: لسنا نحن من ارتكب الجريمة، لكن غزة جعلت هذا الفصل أكثر صعوبة لأن الحرب الحديثة لا تُدار فقط في الميدان، بل تُدار في مصانع السلاح، وغرف القرار ومجالس الوزراء، ومراكز الاستخبارات، وساحات الدبلوماسية، ومجالس الأمن، والأسواق المالية.
ولهذا، فإن المسؤولية السياسية لا يمكن أن تتوقف بالضرورة عند حدود الجغرافيا التي سقطت فيها القنابل والصواريخ، فالذي يصنع السلاح ليس بالضرورة يطلقه، ومن يبيع السلاح ليس هو الذي يختار الهدف، ومن يوفر الغطاء السياسي ليس هو الذي ينفذ العملية، لذا النظام الدولي يكون قد خلق ثغرة يمكن من خلالها تفكيك أي جريمة إلى حلقات صغيرة، بحيث لا يتحمل أحد مسؤوليتها كاملة.
غزة تغيّر معنى الدعم
قبل غزة كان من السهل سياسياً وصف تصدير السلاح بأنه جزء من العلاقات الدفاعية بين الدول، أما بعد حجم الدمار والمجازر الذي شهدته غزة فقد أصبح السؤال أكثر إلحاحاً إلى أي حد تستطيع الدولة المصدرة للسلاح أن تتجاهل الطريقة التي يستخدم بها، لأن القانون الدولي لا ينظر فقط إلى لحظة وقوع الجرائم، بل يفرض على الدول التزامات، وإذا تحولت هذه المبادئ إلى قواعد أكثر وضوحاً في الممارسة الدولية؛ فإن آثارها لن تتوقف عند «إسرائيل».
وقد يصبح كل عقد سلاح في حرب مستقبلية موضع سؤال هل الدولة المصدرة تعرف طبيعة الصراع وأخطار استخدام السلاح؟ وهل اتخذت إجراءات لمنع استخدامه في انتهاكات جسيمة؟ هذه الأسئلة قد تكون أهم من القضية الألمانية نفسها.
تكمن حساسية الموقف الألماني في أنها لا تتعامل مع «إسرائيل» باعتبارها حليفاً عسكرياً فحسب، تتعامل معها من خلال ذاكرة تاريخية ثقيلة، ولهذا فإن الموقف الألماني أكثر تعقيداً من مواقف دول غربية أخرى، فالدولة التي بنت جزءاً من هويتها السياسية الحديثة على رفض الجرائم الجماعية والاضطهاد، يفترض أن تكون أكثر قدرة على رؤية المعاناة الإنسانية خارج حدود الهوية والذاكرة، والدفاع عن «إسرائيل» لا ينبغي أن يعني الدفاع عن كل سياسات الحكومات «الإسرائيلية».
المحكمة لا تحاكم ألمانيا وحدها
حتى لو بقيت القضية في حدودها القانونية، فإن الرسالة السياسية التي تحملها تتجاوزها، لأن العالم يراقب الدول التي تقدم السلاح لـ«إسرائيل» والدول التي توفر الغطاء السياسي لها والدول التي قد تدخل مستقبلاً في حروب مشابهة، ولهذا فإن أي تطور في القضية يمكن أن يصبح جزءاً من نقاش عالمي حول مسؤولية الدول عن أفعال حلفائها، وهنا تظهر المفارقة، فقد يكون الفاعل المباشر في مأمن من العقاب بسبب قوته العسكرية والسياسية، لكن الدولة التي تزوده بالسلاح قد تجد نفسها في قاعة محكمة تسأل عن حدود مسؤوليتها وهذا وحده تطور بالغ الأهمية.
لذا، فالمسألة لا أن تنتصر فلسطين في قضية قانونية ضد ألمانيا أو أن تخسر ألمانيا القضية، المسألة تتعلق بما إذا كان القانون الدولي قادراً على التعامل مع القوة السياسية والعسكرية بوصفها شبكة مترابطة، أم سيبقى أسيراً لفكرة أن المسؤولية تقع فقط على اليد التي ارتكبت الفعل مباشرة.
من ذاكرة «الهولوكوست» إلى مسؤولية الإنسان
إذا كانت ذاكرة الماضي قد أنتجت في ألمانيا التزاماً أخلاقياً عميقاً، فإن الاختبار الحقيقي لهذا الالتزام ليس عندما يكون الضحية يهودياً، بل عندما يكون الضحية فلسطينياً أيضاً، هنا فقط يصبح التاريخ أخلاقاً لا مجرد سياسة.
فما يجري في لاهاي ليس تفصيلاً قانونياً بعيداً عن غزة، فهو جزء من معركة أوسع على معنى القانون الدولي نفسه، فإما أن يبقى القانون أداة تتحرك بقوة عندما يتعلق الأمر بالدول الضعيفة، وتتردد عندما تصطدم بالدول القوية وحلفائها، وإما أن يتحول إلى قاعدة واحدة لا تتغير بتغير هوية الضحية أو قوة المعتدي، وهذا ما وضع ألمانيا أمام تاريخها، وتضع الدول الداعمة لـ«إسرائيل» أمام مسؤولياتها، وتضع النظام الدولي كله أمام مسؤولياته.
فإذا كانت مسؤولية ألمانيا عن الماضي قد صنعت عقيدتها السياسية تجاه «إسرائيل»، فإن غزة تضع هذه العقيدة أمام امتحان الحاضر، فهل تكون الذاكرة طريقاً إلى حماية الإنسان، أم تتحول إلى جدار يحجب معاناة الإنسان الفلسطيني؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً