* قانون جديد في ألمانيا صدر عام 1995م يفرض السجن على من يشكك في «المذابح النازية» لليهود
* رغم صعوبة الهجرة إلى ألمانيا إلا أن أي يهودي يصل مهاجرًا إليها يحصل مباشرة على إقامة دائمة وراتب مالي وحق العمل
يقول ميخائيل فولفزون -الأستاذ الجامعي اليهودي للعلوم السياسية في ميونيخ- واصفًا علاقة اليهود الألمان بـإسرائيل وبرنامجها الصهوني: «إنها علاقة انفصام في الشخصية، أو علاقة دفتر شيكات فحسب، ويمكن التعبير عنها بالقول، إنني يهودي في ألمانيا سواء أعجبني ذلك أم لم يعجبني».
وليست هذه العبارة إلا مثالًا على مواقف عديدة أخرى تؤكد هذه الصورة الشاذة، بغض النظر عن المقصود من الترويج لها.. وهذا ما ينعكس مثلًا في قول الرئيس الإسرائيلي وايزمان في مطلع زيارته الأخيرة في ألمانيا في يناير الماضي «كانون ثان»، إنه لا يستطيع أن يستوعب كيف يمكن أن يوجد في ألمانيا في الوقت الحاضر زهاء 40 ألف يهودي «العدد الصحيح أكثر من 70 ألفًا». ويعقب فولفزون على ذلك بالإشارة إلى النبوءة الصهيونية القائلة، إن إقامة الدولة اليهودية بفلسطين ستنهي ظاهرة وجود اليهود في الشتات.. لم تتحقق رغم مرور خمسين عامًا على ذلك.
تاريخ الوجود اليهودي في ألمانيا: الوجود اليهودي في ألمانيا وجود قديم، وعندما كان اليهود يواجهون أشد الحملات ضدهم بزعامة الكنيسة في الدرجة الأولى، كما في إسبانيا وبعض البلدان الشرقية، كانوا قادرين على تثبيت مواقعهم في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية في البلدان الناطقة بالألمانية، فلم يكن غريبًا أن أكبر معبد لليهود في القرن التاسع عشر الميلادي، أقيم في برلين عام 1866م، وهو المعبد الذي هدم في الحرب العالمية الثانية، وأعيد بناؤه بضخامة مماثلة في مطلع عام 1996م وكذلك لم يكن غريبًا أن يختار هرتزل مدينة بازل بالذات -على الحدود الألمانية- السويسرية، ليعقد فيها أول مؤتمر صهيوني عالمي سنة 1897م.. وأسرة روتشيلد التي أصبحت رمزًا للاحتكارات المالية اليهودية، كانت من أصل ألماني، ويمكن تعداد المزيد من الأمثلة، التي تبين أن المواقع اليهودية أصبحت مراكز نفوذ رئيسية في كبرى المدن الألمانية قبل الحرب العالمية الثانية، مثل برلين التي كان يوجد فيها 173 ألف يهودي، أو ميونيخ التي كان فيها 160 ألفًا.
الحملة النازية على اليهود
وقد بدأت حملة النازيين على اليهود بالتنديد بنفوذهم المالي والاقتصادي، واتهامهم باستغلال هذا النفوذ على حساب الألمان من غير اليهود، ثم انتقلت إلى محاربة هذا النفوذ على وجه التخصيص أمَّا أول قرار بالتصفية أو الإبادة، فتقول المصادر اليهودية اليوم، إنه اتخذ في برلين، يوم 20/1/1942م.. أي بعد أن بدأت الحرب العالمية الثانية بثلاثة أعوام، والسؤال: هل قتل النازيون بموجب ذلك القرار ثلث اليهود الألمان بالفعل، وأعدادًا ضخمة من اليهود الأوروبيين، أي ما مجموعة ستة ملايين يهودي؟.. السؤال غير مطروح أو محظور طرحه في ألمانيا أصلًا.. فقد أصبح الأمر من «المسلمات» التي لا تحتاج إلى بحث أو دراسة.. أو لا ينبغي البحث فيها أصلًا، بل إن مجرد التشكيك في الرقم المذكور أصبح بموجب قانون صدر عام 1995م في ألمانيا، جريمة تحاسب دولة القانون مرتكبها وتعاقبه بالسجن!..
التشكيك في مذابح اليهود
والذين يشككون بذلك كثرة.. من الألمان وغير الألمان، وقد انطلق بعض هؤلاء مثلًا من أن الإحصاءات اليهودية القديمة تقول إن عدد اليهود في أوروبا كان قبل الحرب العالمية الثانية في حدود 3,5 مليون يهودي، ولكن هؤلاء المشككين أصبحوا على الفور من «المعادين للسامية ومن أنصار النازية» فلا يُعتد بكلامهم، ولا يُستشهد بهم، وإن صدرت مواقفهم تلك بعد أن بلغوا مراتب علمية وجامعية مرموقة لم يكن ينكرها أحد من قبل.
المثال القريب على ذلك هو العالم المؤرخ من برلين إرنست نولتي، الذي كانت كتبه من المراجع المعتمدة في الجامعات الألمانية زمنًا طويلًا، ولم يتخذ موقفًا يتبنى فيه «إنكار المحرقة النازية» أو إنكار أن يكون عدد ضحاياها من اليهود قد بلغ فعلًا ستة ملايين، ولكنه نشر عام 1993م كتابًا بعنوان «نقاط خلاف.. مواجهات معاصرة ومستقبلية مع النازية» وانتقد في أحد فصوله تردد الباحثين الألمان عمَّا يصنعه سواهم من بحوث علمية تتفاعل بأسلوب منهجي مع منكري المذابح النازية، فدعا إلى دراسة حججهم ومناقشتها، كما يصنع مع أي موضوع تاريخي آخر.. ومنذ ذلك الحين أصبح العالم المرموق «جاهلًا» وعرضة للحملات الإعلامية المتوالية.
وكان يشير بقوله ذاك -على سبيل المثال- إلى باحث فرنسي يُدعى جان كلود بريستاك، الذي قضى 12 سنة متوالية باحثًا عن نموذج واحد لما يعرف بالأفران الغازية النازية، التي كان من المفروض أنها كانت وفيرة جدًّا لتكفي لقتل من تتحدث الروايات عن قتلهم بتلك الأعداد الضخمة.. ولكنه لم يجد سوى ما تضمُّه المعارض و المتاحفن في صورة «نسخة طبق الأصل»، صنعت بعد الحرب، فشكك فيما يقال عن أن الأفران الغازية جميعًا دون استثناء، قد دمرت في الحرب، وبالتالي شكك في صحة الروايات عن «المحرقة النازية» قبل صدور كتاب إرنست نولتي المشار إليه أنفًا، ولكن الكتاب الفرنسي الذي تعرض لمضايقات وضغوط كبرى في مطلع التسعينات، فَلَفَت- هو وأمثاله من علماء هولنديين وبريطانيين وأمريكيين -نظر نولتي إليه- عاد فنشر كتابًا آخر عام 1993م، بعنوان «أفران أوسشفيتس» وأوسشفيتس منطقة معتقلات نازية معروفة- مؤكدًا وجود تلك الأفران الغازية، على النقيض مما كان يقول به هو من قبل، وقال إنه اعتمد على «وثائق جديدة» حصل عليها بعد سقوط الشيوعية وانهيار الإتحاد السوفييتي.. ومنذ ذلك الحين تحول بريساك مرة أخرى، من واهم ومتحامل لا يفقه شيئًا ويستحق ألوان المهانة، إلى عالم مرموق يجد مختلف أشكال التكريم والتبجيل!..
ورغم حظر «البحث» يبقى السؤال عن كيفية التوفيق عن الأرقام «المليونية» والأرقام الواردة حول حجم الوجود اليهودي في ألمانيا نفسها، لا سيما في معاقله الرئيسية، وفق ما سبقت الإشارة إليه حول إعداد اليهود في برلين وميونيخ.. ثم ما هو عدد الناجين من المذابح النازية، إذا كان الناجون في برلين كمثال، وكما تقول المصادر اليهودية، بلغ 90 ألفًا، أي أكثر من نصف من كان يعيش في المدينة، وأن عدد القتلى فيها كان 57 ألفًا؟..
وجميع ما سبق لا يهون من جرائم النازية كحركة عنصرية عدوانية، فهذه الجرئم لا تستحق الإدانة بسبب العدد فقط، بل تستحقها من أصل الفكرة والمنطلق والتطبيق تجاه مختلف الشعوب من غير العنصر «الآري».. ولكن يبقى أن استغراب وايزمان وأمثاله أن يعيش يهود في ألمانيا اليوم يستدعي بحد ذاته «الاستغراب»، فالواقع هو أن كل ما يقال عن أن النازيين جعلوا من ألمانيا جحيمًا لليهود، فهم لا يطيقون سماع ذكرها فضلًا عن العيش فيها.. يتناقض على سبيل المثال، مع حقيقة أنه لم يمض على نهاية الحرب سوى خمس سنوات فقط، عندما أقيم في ميونيخ معبد يهودي جديد، بعد أن قامت الروابط اليهودية هناك على الفور، بل لم تكن أنقاض الحرب قد أزيلت في المدن الألمانية بعد، عندما صدر عام 1946م، وأول عدد من «الجيماينة يوديشة فوخن تسايتونج» الجريدة الناطقة باسم اليهود، والتي يصدرها حاليًا «المجلس المركزي لليهود الألمان» الذي تأسس بدوره في وقت مبكر وعلى وجه التحديد عام 1950م، ويضم حاليًا 16 اتحادًا بعدد الولايات الألمانية- و40 رابطة يهودية، كبراها في مقره الجديد «منذ مطلع عام 96م» برلين وتضم 10 آلاف عضو، وتضم سائر الروابط معًا 50 ألف عضو.
اليهود في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية
لقد احتضنت ألمانيا اليهود بعد الحرب مباشرة بمعنى الكلمة، وما تزال إلى اليوم هي البلد الذي يقصده المهاجرون اليهود من الدول الشيوعية سابقًا، بأعداد ضخمة، ففي السنوات الست الماضية هاجر إلى ألمانيا زهاء 40 ألف يهودي «وكان عددهم فيها قبل الوحدة الألمانية أقل من 30 ألفًا» و70% من المهاجرين الجدد أطباء ومهندسون وأساتذة وفنانون، ثمَّ على النقيض من معظم البلدان الأخرى، لا يغادر ألمانيا بالمقابل أحد من اليهود المستقرين فيها سوى قلة لا تذكر، وقد بلغ تعداد هؤلاء 110 عام 91م و146 عام 92م، ولا غرابة في ذلك ففي الوقت الذي بلغت فيه الحملة السياسية والإعلامية -والتقنينية أيضًا- أوجهًا للحد من الهجرة الأجنبية إلى ألمانيا، كان أي فرد يهودي يصل مهاجرًا إليها، يحصل بموجب القانون على الفور على إقامة دائمة، وراتب مالي، وحق العمل، والدعم المادي على صعيد التعليم والرعاية الصحية وتأمين المسكن والطعام وغير ذلك.. كذلك ففي أوج موجة الاعتداءات العنصرية على الأجانب في ألمانيا، حتى وصل تعدادها إلى الألوف سنويًّا، لم يتعرض يهودي واحد لعملية اعتداء مباشر، ورغم ذلك فقد تركَّز الحديث على النازيين الجدد والعداء للسامية، وكأن اليهود هم المقصودون بعنصرية العنصريين أكثر من سواهم، والواقع أن عمليات استطلاع الرأي تشير إلى وضع أخر.. وتقول إحداها مثلًا إن 22% من الألمان لا يرغبون في جار يهودي، ولكن هذه النسبة ترتفع إلى 36% تجاه الأتراك، وإلى 37% تجاه الأفارقة، وإلى 39% تجاه البولنديين، وإلى 47% تجاه العرب، وإلى 68% تجاه الغجر.. فأين موقع اليهود من بقايا المظاهر «العنصرية الألمانية»؟!..
اليهود في ألمانيا حريصون على عدم انتشار الاقتناع بأن العداء النازي لليهود لم يعد له وجود أو مخلَفات، وبالتالي يحرصون على أن يوجد لدى الجيل الحاضر أو الأجيال المقبلة ما يستدعي الإحساس بعقدة الذنب التي يراد أن تكون مؤيدة، وتؤكد الإحساس اليهودي بالقلق وفرة عمليات استطلاع الرأي التي تجري بتكليف من منظمات يهودية عالمية.. علاوة على وفرة المساعي اليهودية لتجديد الإحساس الألماني بعقدة الذنب.
مثالان:.. الأول: ما نشرته مؤسسة إيمنيد المعروفة، يوم 3/3/94م، من نتائج استطلاع أجرته بتكليف من الجمعية الأمريكية اليهودية، ويقول إن 53% من الألمان يلحون على وقف الحديث المتكرر عن المحرقة النازية وإن 39% يقولون إن اليهود يستغلون ذلك لأغراض خاصة، والمثال الثاني: ما نشره معهد فورزا يوم 24/ 1/ 96 من نتاج استطلاع أجراه بتكليف من صحيفة «دي فوخه»، وتقول إن 69% من الألمان لا يجدون داعيًّا إلى الشعور بعقدة ذنب تجاه اليهود رغم تأييد 57% للحفاظ على التذكير بالمذابح النازية مقابل 43% يودون وضع حد لذلك.
ويمكن إيراد مزيد من الأمثلة التي تشير إلى ان أساليب اليهود لتحويل «المسلمات التاريخية» المزعومة أو الحقيقية، إلى نوع من «المعتقل للفكر والمشاعر» لم تعد تحقق أهدافها دومًا، ولكن المحاولات لم تنقطع، بل بدأت تتلون وتتلاءم مع المعطيات الجديدة.
أساليب اليهود في الترويج للمحرقة
ولعل المثال النموذجي على تطوير الأساليب اليهودية على صعيد عالمي ذلك الفيلم السينمائي الذي ساهم الرئيس الأمريكي كلينتون بنفسه في «الدعاية» له، فحث عامة الأمريكيين وسواهم على مشاهدته في مطلع عام 94م، وهو فيلم «قائمة شيندلر» للمخرج اليهودي أوسكار شبيلبيرج مخرج «إي- تي» و«إينديانا جونس» و«جوراسيك بارك».. وكان فيلمًا أمريكي الإنتاج والإخراج، أوروبي الأسلوب والمحتوى والتمثيل، فقد استهدف الجمهور الأوروبي ولا سيما الجيل الشاب الألماني، وتجنب الأساليب القديمة في تصوير النازيين وحوشًا دون استثناء، فجعل من شيندلر شخصية ألمانية بطولية، ولكن في ميدان واحد هو الإسهام في إنقاذ فريق من اليهود من المذابح النازية، هذا مع تصويره كحالة «شاذة» فحسب، وهكذا تطلع المشاهد الألماني إلى قسط من الموضوعية في عرض تاريخه عليه، هو المدخل إلى إقناعه بأسلوب غير مباشر، بسائر ما تعينه كلمة «المحرقة النازية» وما تريد أن تجدد استثارته من «عقدة الذنب المؤبدة».
ومن الأمثلة على الضغوط الخارجية أيضًا -دون تفصيل- مؤتمر بروكسل حول ظاهرة «العداء للسامية» في مطلع عام 93م.. وكذلك قرار اللجنة الدولية لحقوق الإنسان تشكيل لجنة خاصة لمتابعة تجدد النزعات القومية والعنصرية عالميًّا، وكان المقصود ألمانيا بصورة واضحة.
واقترنت الحملة الدولية في تلك الفترة بالذات، بحملة إعلامية داخلية ساهمت فيها وسائل إعلام كبرى، لا تعتبر تابعة للنفوذ اليهودي ماليًّا أو أفرادًا بصورة عامة.. مثل جريدة دي تسايت الأسبوعية الكبرى ومجلة دير شبيجل الإخبارية في نهاية عام 92م، وهذا ما يشير إلى جانب هام تغفل عنه أقلام عديدة تتحدث عن النفوذ اليهودي في الغرب.. ومثاله هنا ألمانيا، حيث لا تتمثل أدوات النفوذ اليهودي في اليهود أنفسهم أو فيما «يحققونه رغم قلة عددهم وإمكاناتهم بالمقارنة مع العرب المسلمين»، كما يتردد في بعض التحليلات والدراسات بأقلام عربية وإسلامية، أن يعتمد النفوذ اليهودي اعتمادًا أكبر على مراكز القوى المتعددة الأخرى، وعلى الجهات المحلية ذات التأثير المباشر على المجتمع، والتي ترى في التلاقي مع اليهود محليًّا وإقليميًّا ما يحقق أغراضاها الذاتية.
هذا ما يوصل إلى أن المواقف التي تمس اليهود، تعرض أصحابها للخطر وتؤدي إلى سقوطهم في الأوساط التي يشتغلون فيها، سواء كانوا من العلماء مثل نولتي، أو السياسيين، وحتى القضاة، ولا يتسع المجال للاستطراد بذكر الأمثلة، فإسقاطهم لا يتم نتيجة الحملات اليهودية المباشرة، وإنما عبر تلك الجهات المتنفذة، التي تنطلق من تصوراتها الذاتية في مواقفها.. ويحسن اليهود بالمقابل ربط ذلك بمصالحهم وأهدافهم بمصالحها.
مثال ذلك «التلاقي» على أرضية مشتركة في ألمانيا ما يعرف برابطة «أسبوع الإخوة اليهودية النصرانية» وقد بدأت الجهود لتأسيسها منذ عام 1984م وتأسست فعلًا عام 1951م، وتنسق العمل ما بين 73 هيئة تضم زهاء 20 ألف عضو، ولا يتسع المجال لبيان ما صنعته في مختلف الميادين، بدءً بنصوص الصلوات في الكنائسن مرورًا بالكتاب المدرسي، وانتهاءً بالإنتاج الإعلامي.. ولكن يكفي التنويه كمثال، إلى أن المجلس المركزي ليهود ألمانيا والكنيسة البروتستانتية في ألمانيا أصدرا في 31/10/95م بيانًا، يعارض أي شكل من أشكال التبشير النصراني بين اليهود، ويخص بالذكر مراكز خدمات كنسية في جنوب غرب ألمانيا، مع التأكيد على رفض استغلال الوضع الاقتصادي للمهاجرين اليهود من الشرق، فإذا اتصل أحدهم برجل كنسي وجب عليه تحويلهم إلى أقرب رابطة يهودية.. وتكرر هذا الموقف بصورة مشابهة في 17/1/1996م.
وكما تتطور الأساليب المتبعة في الضغوط اليهودية الدولية، تتطور الأساليب داخليًّا فعلاوة على ما لا ينقطع حتى اليوم من الأفلام والمسلسلات القديمة والجديدة والندوات الإعلامية وما شابه ذلك من الوسائل التقليدية حول اليهود وحول النازيين وهو ما انحسر مفعوله نسبيًّا تظهر باستمرار وسائل جديدة، مثل المعارض والمتاحف والروابط المخصصة للشبيبة، أو حتى بعض النشاطات غير المألوفة.. ومثالها تخصيص أكثر من 24 ساعة متواصلة «ابتداءً من الساعة السادسة مساء 15/4/96م» لعملية استعراضية في برلين، لا تتضمن سوى قراءة أسماء 55696 يهودي ممَّن يعتبرن من ضحايا النازيين في المدينة.
العلاقات الألمانية الإسرائيلية
وما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان هو أن سائر ما شهده الموقف الألماني من النفوذ اليهودي المحلي والعالمي «بما فيه الإسرائيلي» تجاوبًا أو نفورًا، كان نتيجة تطور المصالح الذاتية الألمانية والموقع الألماني دوليًّا وتجاه المنطقة العربية والإسلامية.
وكانت علاقات ألمانيا بإسرائيل قد شهدت عدة مراحل، ففي الخمسينيات والستينيات الميلادية كانت الاتفاقات السرية بين بن جوريون وأديناور مع الدعم العسكري والتعويضات المالية الكبرى، جزءً من الجهود الألمانية إلى الاندماج في الغرب.. الذي كان من وراء إقامة الكيان الإسرائيلي وتعزيز وجوده في قلب الأرض العربية الإسلامية.. ولكن ما إن وقفت السياسة الألمانية على قدميها دولية فاتحة أبواب الانفراج نحو الشرق، حتى ظهرت دعوة المستشار الأسبق فيلي براندت إلى علاقات طبيعية متميزة بدلًا من «خاصة» تمليها عقدة الذنب.. و وصل ذلك إلى ذروته في عهد المستشار السابق هلموت شميدت الذي رفض الزيارة بشروط إسرائيل في حقبة تميزت ببروز دور الطاقة النفطية العربية مع حرب عام 73م وبعدها.. ثم كانت الحقبة الأولى من عهد المستشار الحالي هلموت كول متميزة بمواقف التحدي كما كان في زيارته مع الرئيس الأمريكي الأسبق رونالدن ريجان لمقابر بلدة «بيتبورج» وسط احتجاج يهودي شديد باعتبارها تضم رفاتًا من «الجنود النازيين الألمان».. ووصل التحدي ذروته في اجتماع كول مع المستشار النمساوي السابق كورت فالدهايم عام 92م، ورده الشديد على احتجاجات المؤتمر اليهودي العالمي بالتذكير بسيادة ألمانيا الموحدة، واستقلالية قرارها، وهجومه على اليهود الذين عارضوا إعادة توحيد ألمانيا.. واقترن ذلك بالكشف عمَّا عرف بفضيحة إرسال الدبابات سرًا إلى إسرائيل وهو ما أدى لاحقًا إلى سقوط وزير الدفاع الألماني شتولتنبيرج.
في تلك الفترة تجددت الحملات القاتلة باستمرار وجود «العداء للسامية» في ألمانيا.. كما سبقت الإشارة.. ولكن أهم العوامل التي ساهمت في انحسار ظاهرة الخروج من عقدة الذنب وممارسة مواقف «التحدي» المشار إليها، هو تبدل أرضية النزاع العربي -الإسرائيلي وانقلابها رأسًا على عقب بعد مؤتمر مدريد.. وهو ما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل.
وعلى سبيل المثال كانت ألمانيا ترفض لفترة طويلة الاستجابة لسلسلة من الرغبات اليهودية والإسرائيلية على صعيد متابعة دفع «التعويضات المالية» بصيغ جديدة.. وفي السنوات القليلة الماضية فقط، بدأت تستجيب لذلك على أكثر من صعيد، منها تسديد ما وصف بالتعويضات لصالح فئات من المهاجرين اليهود في أمريكا، وهو ما يزيد على 150 مليون مارك سنويًّا.. وكذلك القانون الصادر عن المجلس النيابي في بون في مطلع عام 96م لدفع رواتب تقاعدية لصالح 35 ألف يهودي هاجروا من الشرق أثناء الحرب العالمية الثانية، ويقدر ما ينبغي دفعة تبعًا لذلك بحوالي 2,3 مليار مارك.
بين نوعية علاقات الألمان باليهود لا تتبدل من حقبة إلى أخرى ومن ميدان تحت تأثير ما يوصف بـ «عقدة الذنب» فحسب، مع عدم الاستهانة بشأنها وبالمحاولات المستمرة لجعلها مؤبدة.. ولكن التأثير الأكبر على تلك العلاقات يعود إلى تطور موقع ألمانيا ومصالحها حقبة بعد أخرى منذ الحرب العالمية الثانية، داخل إطار تطور الأرضية الدولية التي تتحرك عليها.. بما فيها ما يرتبط بالمنطقة العربية والإسلامية وموقع قضية فلسطين من سياساتها الآنية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل