قراءة تاريخية ونفسية وتربوية في قول عائشة رضي الله عنها عن القعود عن المسير إلى البصرة.
رجلٌ في كفة الأمنيات.. عبدالرحمن بن الحارث
أورد الذهبي في
سيره عن ابن سعد قال: كانت عائشة تقول: «لأن أكون قعدت عن مسيري إلى البصرة أحب إليَّ
من أن يكون لي عشرة أولاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبدالرحمن بن
الحارث».
قد يظن البعض
للوهلة الأولى أن ما قالته أم المؤمنين أنه تعبير عن ندم تاريخي في حادثة مضت، والحق
أن هذه العبارة تمثل منظومة كاملة من القيم التي كانت تحكم وعي الرعيل الأول؛
كقيمة اعتزال الفتن، والحرص على إظهار مناقب الصالحين، والرجوع إلى الحق لا سيما
حين يرى خطأ اجتهاده في بعض القرارات والمواقف الحياتية.
فالعبارة
المنقولة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تجمع بين مشهدين عظيمين؛ مشهد الحسرة
على المشاركة في المسير إلى البصرة، ومشهد الإعجاب بشخصية عبدالرحمن بن الحارث بن
هشام، رضي الله عنهما، حتى صار مثالًا تستحضره في أعظم صورة افتراضية يمكن أن
تتخيلها النفس وهي عشرة أبناء من النبي صلى الله عليه وسلم.
كلمة خرجت من ذاكرة الفتنة الكبرى
وحتى يمكننا فهم
ما قالته عائشة فهماً سليماً، فلا بد من اقتفاء خطى التاريخ، فقد كانت «موقعة
الجمل» عام 36هـ من الأحداث الكبرى التي هزت المجتمع الإسلامي بعد مقتل الخليفة
عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت من أعقد مراحل التاريخ الإسلامي، إذ اجتمعت
فيها عوامل سياسية واجتماعية واجتهادية متعددة.
وعلى الرغم من
ذلك، فإنه لا يصح لنا النظر إلى تلك المرحلة بعين الصراعات الحديثة، فالصحابة رضي
الله عنهم كانوا أهل فضل وسابقة واجتهاد، وقد وقعت بينهم الفتنة مع بقاء حرمة
الإيمان والصحبة.
ومن هنا كانت
مقولة عائشة رضي الله عنها تكشف جانبًا حياتيا مهمًا وهو أن الإنسان مهما بلغ علمه
وفضله قد ينظر بعد وقوع الأحداث إلى بعض اختياراته بعين أخرى، فيتمنى أن لو اختار
طريقًا أكثر احتياطًا.
ولذا، ينبغي لنا
ألا نقرأ التاريخ من زاوية الأحداث فحسب، بل من زاوية الدروس التي تتركها لتعيد
تشكيل وعي الإنسان وخبراته ومهاراته.
النظر في العواقب وتقديم سلامة الدين
أبرز ما يظهر في
العبارة هو فقه المآلات، ونقصد به النظر إلى نتائج الأفعال وعواقبها قبل الإقدام
عليها.
فأم المؤمنين
رضي الله عنها لم تقارن بين أمرين عاديين، بل وضعت في ميزان واحد أعظم صورة من صور
النعيم الدنيوي المتخيل في أمومة أبناء من النبي صلى الله عليه وسلم، والسلامة من
موقف اجتهادي رأت بعده أن القعود عنه كان أحب إليها، وهذا عين النضج الشرعي حين
يعرف المرء متى يتقدم، ومتى يكون التراجع أولى وأحكم.
ولا يشك عاقل أن
سلامة الدين والقلب من الفتن أعظم من كثير من المكاسب التي يتنافس الناس عليها،
فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا ما حث عليه القرآن في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال: 25)، وعندما
نتأمل أحداث السيرة النبوية ندرك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر في مآلات
الأمور، فحين اشتد البلاء على أصحابه في مكة، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة فراراً
بدينهم ومخافة الفتنة، وهو يقول: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم
عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه»(1).
ومن هنا ندرك أن
العبارة ليست دعوة إلى السلبية أو الهروب من المسؤولية، وإنما هي تربية على
التمييز بين المواقف التي تحتاج إلى إقدام، والمواقف التي تكون السلامة فيها
والرجوع عنها أقرب إلى الحكمة.
شجاعة الاعتراف ومراجعة الذات
من أعمق الجوانب
النفسية في هذا الأثر أن الإنسان الذي ينظر إلى الماضي لا يستطيع أن يعترف بخطئه
إلا إذا كان على قدر كبير من الشفافية والصدق مع النفس، فالنفوس البشرية تميل
غالبًا إلى الدفاع عن قراراتها السابقة، خصوصًا إذا ارتبطت بمواقف عامة أو
اجتماعية، لأن الاعتراف والتراجع قد يبدو عند البعض نوعًا من الضعف، حاشا أهل
الإيمان لا سيما صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين ضربوا أروع المثل في ذلك،
وهو ما كان من كعب بن مالك رضي الله عنه مع نفسه، ومع النبي صلى الله عليه وسلم،
ورفض تقديم معاذير كاذبة تخلصه من العقوبة اللحظية كبقية المخلفين.
يقول كعب: فجِئتُ
أمشي حتَّى جَلَستُ بينَ يَدَيه، فقال لي: «ما خَلَّفَكَ؟ ألَم تَكُنْ قدِ ابتَعتَ
ظَهرَكَ؟»، فقُلتُ: بَلى، إنِّي واللهِ لو جَلَستُ عِندَ غيرِكَ مِن أهلِ
الدُّنيا، لَرَأيتُ أن سَأخرُجُ مِن سَخَطِه بعُذرٍ، ولقد أُعطيتُ جَدَلًا،
ولَكِنِّي واللهِ، لقد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرضى به
عَنِّي، لَيوشِكَنَّ اللهُ أن يُسخِطَكَ عليَّ، ولَئِن حَدَّثتُكَ حَديثَ صِدقٍ
تَجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لَأرجو فيه عَفوَ اللهِ، لا واللهِ، ما كان لي مِن عُذرٍ،
واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ، فقال رَسولُ
اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أمَّا هذا فقد صَدَقَ، فقُمْ حتَّى يَقضيَ اللهُ
فيكَ»، فقُمتُ(2).
فالقدرة على
مراجعة الذات ليست نقصًا في الشخصية، وإنما دليل على قوة الضمير وعلامة على حياة
القلب، ولذا أثنى القرآن على من هذه صفاتهم فقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا
أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) (آل عمران: 135).
ومن اللافت أن
عائشة رضي الله عنها لم تجعل الحديث عن نفسها مجرد اعتذار، بل ربطته بقيمة أخرى؛
قيمة الإنسان الصالح الذي يمثل نموذجًا عاليًا في الأخلاق والمروءة، فهي لم تقل:
ليتني لم أفعل فحسب، بل أعربت بما هو أعمق، ولسان حالها: ليتني اخترت السلامة التي
تمثلها حياة أمثال عبدالرحمن بن الحارث.
صناعة الرجال قبل صناعة المواقف
هنا سؤال يفرض
نفسه: لماذا اختارت عائشة رضي الله عنها عبدالرحمن بن الحارث تحديدًا مثالًا على
ذلك؟
والجواب: لأن
الإنسان الصالح في المجتمعات المستقرة أو المضطربة يكون أثره أوسع من أثر كثير من
الأحداث العابرة.
فعبدالرحمن بن
الحارث بن هشام من بيت عريق في قريش، وهو ابن الصحابي الحارث بن هشام رضي الله
عنه، وقد عُرف بالعلم والشرف والعبادة، فالمعنى العميق الذي تحمله العبارة يوحي
بأن قيمة المجتمع ليست فقط في كثرة الأحداث التي تقع على مسرحه، بل في جودة
الأشخاص الذين يفرزهم هذا المجتمع، فالأمم لا تنهض فقط بكثرة المشاريع أو قوة
المؤسسات، بل ببناء الإنسان الذي يحمل القيم ويحسن التصرف عند الاختبار.
ويؤكد الخليفة
الصديق ذات المعنى فيقول عن القعقاع بن عمرو: صوت القعقاع في الجيش خير من ألف
رجل، ولا يُهزم جيش يحارب فيه القعقاع(3).
متى يكون الانسحاب قراراً قيادياً حكيماً؟
عندما يكون
القائد الحكيم فإنه لا يبحث عن مجرد الفعل، بقدر بحثه عن أثر ذلك الفعل، وفي الفكر
القيادي المعاصر يكثر الحديث عن الجرأة والمبادرة وكثرة الظهور والتدخلات، لكن
الحكمة القيادية تفرض معرفة حدود التدخل، فالقيادة الراشدة لا تقاس فقط بعدد
المعارك التي يدخلها الإنسان، بل بقدرته على معرفة المعارك التي تستحق الدخول
وكيفية إدارتها، فليس كل حضور قوة، وليس كل غياب ضعفًا، وقد يكون القرار الأصعب
أحيانًا هو الابتعاد عن بيئة مضطربة لا يستطيع الإنسان أن يغير مسارها، حتى لا
يصبح جزءًا من اضطرابها، وهذا لا يعني ترك المسؤولية، وإنما يعني حسن تقدير
الموقف.
روى مسلم من
حديث عبدالله بن عمرو قال: حاصَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أهلَ
الطَّائِفِ، فلَم يَنَلْ منهم شيئًا، فقال: «إنَّا قافِلونَ إن شاءَ اللهُ»، قال
أصحابُه: نَرجِعُ ولَم نَفتَتِحْه! فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم: «اغدوا على القِتالِ»، فغَدَوا عليه، فأصابَهُم جِراحٌ، فقال لهم رَسولُ
اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّا قافِلونَ غَدًا»، قال: فأعجَبَهُم ذلك،
فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم(4).
وقد تعلم قادة
المسلمين هذه الحكمة القيادية من أستاذهم صلى الله عليه وسلم حيث تجلى ذلك في قرار
عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة «ذات السلاسل» بمنع جنوده من ملاحقة العدو
المهزوم حماية لهم من الكمائن والالتفاف، فعن قيس بن أبي حازم قال: بعث النَّبيُّ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عمرَو بنَ العاصِ في غزوةِ «ذاتِ السَّلاسلِ» فأصابهم
بردٌ شديدٌ، فقال لهم عمرو: لا يُوقِدنَّ أحدٌ نارًا، قال: ثمَّ قابل القومَ
فلمَّا قدِموا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شكَوْا ذلك إليه، فقال: يا
نبيَّ اللهِ، كان في أصحابي قِلَّةٌ فخشيتُ أن يرَى العدوُّ قِلَّتَهم، ونهيْتُهم
أن يتبَعوا العدوَّ مخافةَ أن يكونَ لهم كمينٌ، قال: فأعجب ذلك رسولَ اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّم(5).
وفي الحياة
المعاصرة تظهر هذه القاعدة في مجالات كثيرة؛ في العمل، وفي الإعلام، وفي النقاشات
العامة، وفي العلاقات الاجتماعية، فكم من نزاع كان يمكن تجنبه لو أدرك الإنسان أن
بعض الانتصارات اللحظية قد تكلفه خسائر طويلة.
قوة المقارنة البلاغية في بناء المعنى
قد تكشف الصورة
البلاغية عن قيمة المعاني أحياناً أكثر مما يكشفه التقرير المفصل والخطاب المباشر،
وكان سيد البلغاء صلى الله عليه وسلم يميل إلى هذا الأسلوب في خطابه، فقد وقف يوماً
مخاطباً الأنصار مبيناً لهم تفوق القيمة الروحية والوجودية له بينهم على أي كسب
مادي دنيوي فقال: «أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول
الله؟ فوالله ما تنقلبون به خير ما ينقلبون به».
ولعل الصديقة
عائشة قد تلقت هذه الفصاحة في مدرسة النبوة، حيث تميزت عبارتها بأسلوب عربي بليغ
قارن بين أمرين عظيمين؛ بين «عشرة أولاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم» و«القعود
عن المسير»، فأظهرت بأسلوب موجز عظم قيمة السلامة من الفتنة، وهذا من طرائق العرب
في تقريب المعاني الكبيرة، إذ لا يكتفى بذكر الفكرة مجردة، بل توضع في صورة محسوسة
تهز السامع.
التربية الإيجابية بالقدوة والمثال لا بالشعار
التربية الناجحة
هي التي تحول القيم من أفكار إلى نماذج وشخصيات يراها الناس، فعندما يرى الإنسان
عالمًا أو قائدًا أو شخصية معتبرة تراجع نفسها، ويقدم قيمة السلامة على قيمة
الانتصار، فإن ذلك يرسخ في النفوس معنى التواضع والإنصاف وحب الحق.
وكم غرس النبي
صلى الله عليه وسلم بفعاله قيماً علياً أزهرت في بساتين أصحابه! ففي غزوة «تبوك»
يشارك النبي صلى الله عليه وسلم الشدائد والحر والريح دون تميز؛ ما دفع أبا خيثمة
رضي الله عنه لترك بستانه البارد وظلاله والالتحاق به فوراً، إذ قال لنفسه: رسول
الله في الضح والريح والحر، وأنا في ظل بارد وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء،
في مالي مقيم؟ ما هذا بالنصف، ثم قال: لا، والله، لا أدخل عريش واحدة منكما حتى
ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي التربية
الحديثة يقرر المربون أن القدوة العملية من أقوى وسائل بناء السلوك؛ لأن الإنسان
يتعلم مما يراه مجسدًا أمامه أكثر مما يحكى له، ولهذا كان الأنبياء والصالحون عبر
التاريخ نماذج حية للقيم قبل أن يكونوا أصحاب كلمات مؤثرة.
كيف نقرأ هذا المعنى في واقعنا المعاصر؟
قد يظن بعض
الناس أن أخبار الفتن القديمة بعيدة عن واقعنا، لكن هذه المعاني الإنسانية فيها
متجددة، فالتاريخ ربما يعيد نفسه، والإنسان اليوم يواجه صورًا متعددة من
الاختيارات الصعبة التي تلجئه إلى قراءة التاريخ من جديد:
- هل يدخل كل
نقاش أم يختار الصمت حين يكون الصمت حكمة؟
- هل يخوض كل
معركة إعلامية أم يحفظ قلبه ووقته؟
- هل يجعل إثبات
موقفه أهم من حفظ العلاقات والمصالح الكبرى؟
إن درس هذا
الأثر ليس الانعزال عن الحياة، وإنما امتلاك ميزان يفرق بين المواقف التي تحتاج
إلى شجاعة، والمواقف التي تحتاج إلى حكمة الانسحاب.
دروس مهمة
تكشف كلمة أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن حقيقة عميقة:
1- أن الإيمان
لا يمنع الإنسان من التأمل في قراراته، بل يدفعه إلى الصدق مع نفسه.
2- أن السلامة
من الفتن قد تكون أعظم مكسب يحوزه المرء.
3- أن الإنسان قد يبلغ من الفضل منزلة تجعل سيرته معيارًا للتفاضل ونبراساً يقتدى به، فعبدالرحمن بن الحارث لم يكن حاضرًا في العبارة بسبب منصب أو صراع، بل بسبب قيمته ونقائه واتزان شخصيته.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً