محطات إيمانية في طريق التربية..

ومَن مِثل أخي!

ومَن مِثل أخي!

إنه شقيق نفسي، وتوأم روحي، وقرة عيني وراحة ناظري، هو رفيق طفولتي، وصديق شبابي، وشريك ذكرياتي، به يشتد أزري ويقوَى ساعدي، ومعه تذهب همومي وتتبدد أحزاني، هو موضع نجوايَ ومحل سِري ومستشاري، فهو أنا، وأنا هو! ولِمَ لا وقد تقلّب كلانا في رحِم واحد جنيناً في بطن أمِّنا تسعة أشهر، وخرجنا من نفس الرحم وإن اختلف الزمان، ورضعنا من نفس الأم، وتربينا في حِجرها؟! نمنا صغاراً على سرير واحد، وضمَّتنا معاً غرفة واحدة، ولعبنا بنفس اللعب، وتجمَّعنا في طعامنا على سُفرة واحدة وطعمنا من نفس الطبق، ونشأنا وتربينا في بيت واحد ننتمي معاً فيه لشجرة العائلة التي نحن فرعان من فروعها اليانعة.

نعمة الأخوة

إن الأخوّة نعمة عظيمة امتنّ الله تعالى بها على عباده، يعرفها من تذَوَّق حلاوتها بصدق، ويرجوها من حُرم منها، فبالإخوة والأخوات تزدان العائلة ويمتد نسلها ويزيد، فهم فروع في شجرة الآباء والأجداد، وبهم تعز الأسرة وتكبر، وتزداد مكانة ومهابة بين الأنام، فهم لها قوة ومنعة لا سيما الصالحين منهم والصالحات.

كان للإخوة معاً وهم في حضن أبيهم وأمهم ذكريات وحكايات لا تُنسَى، فقد كان لكل منهم صفة يتميز بها عن الآخرين، لكنهم معاً يجتمعون كالجسد الواحد فيكمل بعضهم بعضاً.

وكان للأخ الأكبر في العائلة مكانة كبيرة بين إخوته وأخواته، فهو لهم بمثابة الأب الثاني، حيث يرعاهم وينظر في مشكلاتهم، ويعينهم في دراستهم، ويقضي حوائجهم، ولا يبخل عليهم بنصحه ووداده، يطعم إخوته ما في يديه، ويخصهم بلذيذ الحلوى بمصروفه المتواضع، ويحوطهم برعايته كالأب الحاني، وحين يكبر إخوته ويتزوجون فإن أولادهم ينادون هذا الأخ الأكبر بلفظ الأبوة «بابا» بدلاً من عمي! يذكرنا ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: «يا عُمَرُ، أَما شَعَرْتَ أنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟» (رواه مسلم).

الأخ الصالح في القرآن الكريم

وقد أشار القرآن الكريم إلى مكانة الأخ في قصة موسى عليه السلام، حين طلب من الله أن يرسل أخاه هارون عليه السلام ليكون رسولاً معه، ووزيراً له فقال: (وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي {29} هَارُونَ أَخِي {30} اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي {31} وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (طه)، وقال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ ردءا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ) (القصص: 34).

قال ابن كثير: أن يكون وزيراً ومعيناً ومقوياً لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز وجل، واستجاب الله له وقال: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) (القصص: 35)، وحين طلب المغفرة طلبها لنفسه ولأخيه معاً؛ (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف: 151)، فهذا مثال للعلاقة الطيبة بين الأخ وأخيه.

برّ الأخ

أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببر الإخوة بعضهم بعضاً فقال: «بِرَّ أمكَ وأباكَ وأختَكَ وأخاكَ ثم أدناكَ أدناكَ» (رواه أحمد)، فالأخ أقرب الأقارب لأخيه بعد والديه، وبره والإحسان إليه واجب أوجبه الله تعالى وأمر به فقال: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ) (النساء: 37)، وقال: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (الإسراء: 26)، وقال: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ) (البقرة: 215).

ومن أعظم البر الصلة بين الأخ وأخيه، وهذه الصلة ثمرة من ثمرات الإيمان وعلامة عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (رواه البخاري)، فمن وصل أخاه وصله الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ منه قامَتِ الرَّحِمُ، فقالَ: مَهْ، قالَتْ: هذا مَقامُ العائِذِ بكَ مِنَ القَطِيعَةِ، فقالَ: ألا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَن قَطَعَكِ، قالَتْ: بَلَى يا رَبِّ، قالَ: فَذَلِكِ لَكِ» (رواه البخاري).

إن من وصَل أخاه وكانت صلته حباً وبراً جعل الله محبته في قلوب أهله، ومن وصله بمال بارك الله له في ماله وزاده رزقاً، وجعل له الذكرى الحسنة والأثر الطيب في حياته وبعد موته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن صلةَ الرحِمِ مَحَبَّةٌ في الأهلِ، مَثْرَاةٌ في المالِ، مَنْسَأَةٌ في الأَثَر» (رواه الترمذي)ِ، وقال: «مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (رواه البخاري).

ليس الواصل بالمكافئ

«ليس الواصل بالمكافئ»، قالها النبي صلى الله عليه وسلم تأكيداً على وجوب الصلة وترغيباً في ألا نعامل القاطع بمثل قطيعته، فيقول صلى الله عليه وسلم: «ليسَ الواصِلُ بالمُكافِئِ، ولَكِنِ الواصِلُ الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها» (رواه البخاري).

فإذا كانت هذه منزلة الصلة ومكانتها في الإسلام، فما بال البعض يدَع مجالاً للشيطان يُذهب مشاعر الأخوّة الجميلة وينزعها من قلوبهم ويلقي بها بعيداً؛ فينقلب حب الأخ إلى بغض وكراهية، ويتحول الوئام بين الأخوَين إلى خصام، والوصال إلى هجر وقطيعة؟!

وكيف يغفل البعض عن قيمة الأخوّة ولا يحافظون عليها بسبب سوء ظن في كلمة قيلت بحسن نية، أو انشغالٍ ظنه الأخ إهمالاً من أخيه له وتقصيراً في حقه، أو موقفٍ عابر حصل غير متعمَّد، أو خطأ مقصود ارتكبه الأخ في حق الأخ في وقتِ ضعفٍ وضغطٍ نفسي يمر به لكنه لم يلبث أن فاء من خطئه وجاءه معتذراً؟!

وما بال بعض الإخوة يحب المال أكثر من حب أخيه؛ فيأكل ماله ويحرمه منه ميراثاً كان أو غير ذلك، ولا يسد عوزه عند الحاجة؟!

ولماذا تبرد روح الأخوّة الدافئة بين الأخ وأخيه وتصير مشاعرها باردة كالثلج قاسية كالحجارة؛ فيحسد الأخ أخاه حسد قابيل لأخيه هابيل، وإخوة يوسف لأخيهم يوسف؛ بسبب دنيا فانية لا وزن لها عند الله؟!

ألا إن على المسلم أن يحرص على دوام العلاقة الأخوية الطيبة القائمة على الحب والتراحم وكف الأذى، ولا يأذن لأي أحد أن يفسدها؛ فعلاقة الأخ بأخيه معقودة برباط النسب وقد أمر الله بها أن توصل، كما أن الحاجة إليها فطرية، ودوامها ونماؤها يحتاج لمجموعة من القيم الأخلاقية العالية من الحب والإيثار، والتغاضي عن الزلات والتسامح والتغافر وحسن الظن والتماس الأعذار، ولنا في يوسف عليه السلام قدوة، فقد قال لإخوته بعد كل ما حصل له بسببهم: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة