العنوان مفهوم الاخوة في الإسلام
الكاتب حسن هويدي
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002
مشاهدات 121
نشر في العدد 1502
نشر في الصفحة 66
السبت 01-يونيو-2002
ورد مفهوم الأخوة في كتاب الله في أربع صور: «ولا أخوة بغير رابطة»: الصورة الأولى: هي أخوة الإيمان، قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10) والرابطة هنا بين الأخوة هي الإيمان، وهي أكمل صور الأخوة وأدومها وأحبها إلى الله ورسوله، وقد ابتدأت الآية الكريمة بحرف «إنما» وهي أداة للحصر نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَد﴾ (النساء: ۱۷۱) حيث حصرت الآية الإلهية والوحدانية لله سبحانه وتعالى فكذلك حصرت الآية الأولى أخوة الإيمان وقصرتها على المؤمنين لا تتعداهم إلى غيرهم، وقد عرفها رسول اللهr تخصيصًا بقوله «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه» (أخرجه أحمد (5357)
الصورة الثانية هي أخوة النسب، قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: ۲۲) وقد دل السياق والسباق في هذه الآية الكريمة بكل وضوح أن المقصود في الأخوة المذكورة أخوة النسب حيث اقترنت بذكر الآباء والأبناء فلزم ذكر الأخوة في مجال تقديم حب الله ورسوله على مودة الآباء والأبناء والأشقاء ومن ظن أن المقصود بهم الإخوان مجازًا فقد استثنى الأشقاء بغير حق، ومجال التضحية هنا يقضي بتقديم حب الله ورسوله على الأعز والأغلى من الأشقاء قبل بقية الإخوان والأصدقاء على أن الإخوان الآخرين والأصدقاء مشمولون في العشيرة لزامًا فلا حاجة إلى التكرار، يقول ابن كثير: «إن هذه الآية نزلت في أبي عبيدة بن الجراح حين قتل أباه في بدر وفي أبي بكر الصديق حين أراد قتل ابنه عبد الرحمن وفي مصعب بن عمير حين قتل أخاه عبيد بن عمير» وهذا يؤكد أن الأخ المذكور في الآية هو الأخ من النسب ([1])
وقد ورد ذكر هذه الأخوة أيضًا في أية أخرى في قوله تعالى في قصة هابيل وقابيل حكاية عن هابيل: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة:31) فسماه «أخاه» على ما بينهما من خلاف كبير يشبه الفرق بين الكفر والإيمان ذكرته الآية الكريمة.
فهذه الأخوة يجوز أن يتخاطب بها مؤمن وكافر حيث كان النسب هو الرابطة بينهما.
الصورة الثالثة: هي أخوة العشيرة والقبيلة. قال الله تعالى ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ (الأحقاف: ۲۱) وقال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (الأعراف: ۷۳). والرابطة هنا هي رابطة العشيرة، وهي أشبه شيء برابطة النسب فلا يصح أن تتعدى إلى غيرها بغير رابطة. وقد تقلصت هذه الصورة في زماننا في بعض الأقطار، ولعلنا نجد مثلًا على ذلك في الغساسنة وهم نصارى العرب، فإن لقينا من أسلم منهم جاز لنا أن نقول له: يا أخا غسان.. وهكذا قياسًا على ما ورد في الآيات الكريمة، أما قياس رابطة المبادئ والمثل على رابطة العشيرة والنسب فلا يصح حيث لا وجه من وجوه الشبه بين الأنساب وبين الإيمان ودواعيه.
الصورة الرابعة: هي أخوة الكفر والنفاق قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (الحشر: ۱۱) والرابطة فيها هي رابطة الكفر.
وقد ذكر الله تعالى كُفر من كفر من أهل الكتاب ومن المنافقين في آيات كثيرة، وكما جمع بين المؤمنين في أخوة الإيمان، جمع كذلك بين الكافرين والمنافقين في أخوة الكفر.
ومن هنا نجد أن لا سبيل إلى الجمع بين المؤمن والكافر في أخوة واحدة، عدا أخوة النسب والعشيرة، حيث لكل أخوة رابطتها المناقضة للأخرى.
أما من ادعى رابطة إنسانية، فنقول إن الإنسانية هذه من عهد قابيل وهابيل اشتملت على هداية وضلال، وصلاح وفساد، وكفر وإيمان وشيع وأحزاب، فأي حبل متين يمكن أن يجمع بين هذه المتناقضات لتجعل منه رابطة أخوية أما أن تكون هذه الرابطة لفظًا نظريًا بغير مضمون فإن اللفظ الفارغ لا يغني من الحق شيئاً ولا معنى له في ميدان الأخوة.
فهذه خلاصة ما نجد في كتاب الله تعالى وهدي رسوله اللهr في استعمال لفظ الأخوة، فلا أخوة بغير رابطة، ولا معنى لرابطة متناقضة أو فارغة.
ولعله يتصل بهذا البحث أمر محاسنة غير المسلمين والعدل معهم فنقول: نحن المسلمين مأمورون أن تعدل مع جميع الناس حتى مع أعدائنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة : ۸) وقال عن المشركين ﴿مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (التوبة: ٧)، وخص أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة:8) فأمرنا الله ببرهم والإقساط إليهم وحسن معاملتهم، ولا تنافي بين هذا السلوك وبين ما قدمنا، أما التعاون مع جميع أصناف البشر لتحصيل مصلحة أو دره مفسدة فهو أمر مشروع كما حدث في حلف الفضول، وذلك غير مفهوم الأخوة.
([1]) كل ماورد في المقال عن ذكر الشقيق والاشقاء فالمقصود به الاخ من النسب