كيف جسّد المعماري المسلم فلسفة الفن النافع؟
المعماري المسلم.. حين نتأمل خلق
الله عز وجل في هذا الكون، نجد معادلة دقيقة تجمع بين الغاية العملية والروعة
البصرية؛ فقد خلق الله عز وجل كل شيء بوظيفة محددة تسير وفق نظام دقيق، وجعل مع
هذه الوظيفة جمالاً يسحر الألباب.
من هذه الرؤية
الكونية الشاملة، استمد المعماري المسلم فلسفة الخالق سبحانه في بناء الكون؛ حيث
أدرك أن صنعته لا تكتمل بتقديم الوظيفة المجردة وحدها، بل يجب أن تحاط هذه الوظيفة
بمسة جمالية تُبهج النفس وترتقي بالروح.
فلم يبتكر شكلاً
هندسيًا للزينة المجردة، ولم يكتفِ ببناء جدران صماء تحقق الغرض الوظيفي، بل مزج
بينهما في تناغم فريد جعل من كل عنصر معماري قطعة فنية تُؤدِّي دورها العملي بأعلى
كفاءة.
تجليات الوظيفة والجمال في عناصر العمارة الإسلامية
لم تكن عناصر
البناء الإسلامي مجرد حليةً زائدة تُضاف للزينة بدون تحقيق منافع، بل صيغت كل وحدة
هندسية لتؤدي دورًا معماريًا معقدًا مع الاحتفاظ برونقها الفني:
1. الصحون المفتوحة والنافورات: بيئة صحية بجماليات تدفق المياه:
في قلب المنازل
والمساجد القديمة، نجد دائمًا الصحن (الفناء المفتوح) وتتوسطه نافورة أو بركة ماء،
لم تكن هذه النافورات مجرد عنصر لتزيين المكان وتوفير رؤية بصرية منعشة أو إمتاع
الأذن بخرير الماء المهدئ للنفس، بل كانت بمثابة القلب البيئي للمبنى، إذ يُعد هذا
لتصميم نظام تكييف طبيعي مبتكر يضمن ترطيب الجو.
فالماء المتبخر
يلطف درجة حرارة الهواء الجاف في المناطق الحارة، والصحن المفتوح يضمن حركة تدوير
الهواء ونشاط التهوية داخل الغرف المحيطة به، لتتعانق وظيفة النفع البيئي مع
المنظر الجمالي.
2- المشربيات الخشبية.. حماية الخصوصية وضبط الضوء:
تُعد المشربية
واحدة من أبهى ابتكارات العمارة الإسلامية، وهي شبكة من الخشب المعشق المفرغ
بالكامل بدقة متناهية، تُوضع على النوافذ المطلة على الشارع:
من الناحية
الجمالية: تمت زخرفه المشربيات بنقوش هندسية تحول الضوء الداخلي إلى لوحات ظلية
متحركة، وتمنح الواجهات الخارجية ظلالاً هندسية ساحرة تضفي لمسة دافئة من الخشب
المشغول.
من الناحية
الوظيفية: المشربية معالجة هندسية فائقة الذكاء تكسر حدة أشعة الشمس المباشرة،
وتمنع اكتساب الحرارة، وتنظم دخول الإضاءة الطبيعية دون إزعاج بصري، مع توفير
التهوية الجيدة من خلال تنظيم حركة الهواء عبر الفتحات، فضلاً عن تقديمها حلاً
عبقريًا لمفهوم الخصوصية؛ حيث تمكّن أهل البيت من رؤية الخارج دون أن يراهم من في
الشارع.
3- القباب والعقود.. دعم إنشائي وتوزيع متناسق للضوء والصوت:
لم تكن القباب
العالية في المساجد مجرد رموز تعكس الشموخ وتسر الناظرين، بل قامت على أسس هندسية
وديناميكية دقيقة، تساعد على تجميع الهواء الساخن ورفعه للأعلى بعيدًا عن المصلين،
كما تُسهم في توزيع الضوء القادم من النوافذ الصغيرة بطريقة متوازنة، وتعمل على
تضخيم الصوت وترديده في أرجاء المساجد بوضوح قبل اختراع مكبرات الصوت.
أما العقود
والأقواس المدببة فقد أقيمت لتوزيع الأحمال الإنشائية، حيث وزعت أحمال الأسطح
الثقيلة على الجدران والأعمدة بكفاءة عالية، وهو ما سمح بفتح مساحات واسعة وأسقف
مرتفعة دون الحاجة لأعمدة كثيرة تعوق صفوف المصلين، فضلاً عن دورها في انسيابية
حركة الهواء.
4- المقرنصات والزخارف الهندسيّة.. إخفاء العيوب الإنشائية وكسر الملل:
عند النظر إلى
أسقف المساجد أو أعلى الأبواب، نلاحظ وجود «المقرنصات»؛ وهي تكوينات ثلاثية
الأبعاد تشبه خلايا النحل، هذه المقرنصات لم توضع لمجرد إبهار البصر، بل وُجدت لحل
مشكلة هندسية معقدة، وهي تدرج انتقال البناء من المربع (الجدران) إلى الدائرة
(قاعدة القبة)، فبدلاً من ترك هذا الانتقال الهندسي الحاد باديًا للعيان، غطاه
المعمار المسلم بالمقرنصات ليحول الرابط الإنشائي إلى تحفة فنية تُوزع الضوء وتصنع
ظلالاً هندسية ساحرة الجمال.
كما أن الزخارف
النباتية والهندسية (الأرابيسك) التي ملأت الجدران، جاءت لتغطي المساحات الصماء
وتمنح العقل فرصة للتأمل في الانضباط والتكرار اللانهائي، مقتدية بالتناسق الذي
يلف كل ذرة في هذا الكون.
5- المآذن.. الشاخص البصري والنداء المرتفع:
أُنشئت المآذن
في الأصل لتأدية وظيفة عملية هي إيصال صوت الأذان لأبعد مدى ممكن ليبلغ المسلمين
بوقت الصلاة، لكن المعماري المسلم لم يجعلها مجرد أَبراج صماء مرتفعة، بل صممها
برشاقة هندسية وتدرج زخرفي متناسق، لتتحول إلى علامات معمارية تزين أفق المدينة،
وتتجه بأبصار الناظرين ونفوسهم نحو السماء.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً