حرب غزة بعد 3 سنوات.. ماذا تغيّر في الاحتلال والعالم؟
3 سنوات مرت
على عملية السابع من أكتوبر 2023م، تلك العملية البطوليّة، التي استطاعت تسديد
ضربة قاسية للاحتلال، وقد حاول الأخير أن يمحو آثارها من خلال شنّ حرب الإبادة
التي شنها على قطاع غزة، وما تلاها من عدوانٍ طاول عددًا من الدول العربية، ما جعل
السنوات الثلاث الماضية، مترعة بالتحولات الكبرى، أولها تغيّر موقع الاحتلال
وسرديته في العالم، وإطلاق موجات من التضامن غير مسبوقة.
وشكلت هذه
السنوات اختبارًا فعليًا لقدرة الاحتلال على تحقيق أهدافه العسكرية والسياسيّة،
وكشفت حجم الدمار الذي يُمكن أن تتركه حرب طويلة على مجتمع كامل، وفي الوقت نفسه
شهدت تصاعدًا في الهجمات التهويديّة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في سياق سعي
الكيان إلى إعادة تشكيل الضفة الغربية والقدس وتغيير الوقائع على الأرض، وتكثيف
أدوات السيطرة والاستيطان والتهجير.
الاحتلال بعد 3 سنوات.. كلفة الحرب وتآكل الصورة
أراد الاحتلال
منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة، أن يجعل من السابع من أكتوبر نقطة انطلاق
لاستعادة الردع وإعادة بناء صورة التفوق «الإسرائيلي»، وأن يقدم حربه في غزة
بوصفها حربًا ضرورية لاستعادة الأمن ومنع تكرار ما حدث، إلا أن مرور 3 سنوات يفرض
سؤالًا مختلفًا: ماذا بقي من هذه الصورة؟
ولا تعني تكبّد
الاحتلال كلفًا كبيرة، أنه فقد قدراته العسكرية، فهذه نتيجة لا تسندها الوقائع،
وخاصة ما تمتلكه دولة الاحتلال من قدرات عسكريّة كبيرة، ودعم أمريكي كبير، ولكن
الحرب على غزة كشفت تكبّد جيش الكيان أثمانًا كبيرة، فبحسب بيانات رسمية «إسرائيلية»،
نشرت في 4 أكتوبر 2026م، بلغ عدد قتلى الاحتلال منذ اندلاع الحرب نحو 2347
مستوطنًا، بينهم 1318 من عناصره الأمنية، فيما سجلت مؤسسة التأمين الوطني نحو 87286
مصابًا، وأقرت قرابة 40 ألف حالة إعاقة مرتبطة بالحرب، من بينها نحو 34878 حالة
نفسية.
وتُشير المعطيات
إلى تسجيل أكثر من 7150 مستوطنًا على أنهم أفرادٌ في عائلات القتلى منذ بداية
الحر، وهو ما يؤكد حجم الاستنزاف، الذي طال المؤسسة العسكرية والمجتمع في دولة
الاحتلال، ومع استمرار العدوان، وعدم قدرة الاحتلال على تحقيق أي أهداف لها علاقة
بالقضاء على المقاومة ووجودها، أصبح من الصعب الحفاظ على صورة الحرب، والتعامل
معها على أنها حققت كل الأهداف التي أعلن عنها.
الرواية «الإسرائيلية».. من احتكار الصورة إلى اتساع التضامن
وإلى جانب ما
سبق، شكلت الرواية وموقع الاحتلال في العالم، أبرز آثار السابع من أكتوبر وما
تلاه، فخلال العقود الماضية استطاعت الرواية الصهيونية الاستفادة من شبكة واسعة من
المؤسسات ووسائل الإعلام الغربية، لصياغة صورة الاحتلال وتثبيت سرديته لدى قطاعات
واسعة من الجمهور، إلّا أنّ حرب الإبادة على غزة كشفت حدود هذا الاحتكار، خصوصًا
مع الانتقال المتزايد للأجيال الجديدة إلى منصات التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى
انتشار المحتوى المتعلق بفلسطين، وسعي الغربيين إلى التعرف على القضية بشكلٍ أعمق.
وهو ما انعكس
كذلك على حجم الفعاليات المرتبطة بفلسطين، حيث تكشف معطيات إحصائية حديثة كشفت بأن
أوروبا شهدت أكثر من 68 ألف مظاهرة وفعالية، احتضنتها نحو 818 مدينة في 30 دولة
أوروبية، خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو رقم بالغ الدلالة والأثر.
وهكذا لم يعد
احتكار الرواية أمرًا مضمونًا، على الرغم من استمرار الانحياز السياسي الغربي
للاحتلال، فإن النقاش العام تغيّر، وتوسعت المساحة التي تصل فيها الرواية
الفلسطينية إلى جمهور عالمي لم يكن يتلقاها بالسهولة نفسها قبل الحرب، والتي تجلت
في خلال خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة، ومشهد انسحاب عشرات ممثلي الدول المشاركة،
في مشهد يكشف حجم الحنق تجاه الاحتلال وآلة القتل.
غزة بعد 3 سنوات.. دمار يطال الإنسان وشروط الحياة
إذا كان المسار
الأول يكشف كلفة الحرب على الاحتلال وصورته، فإن المسار الثاني يكشف الكلفة الأشد
على غزة، فقد أدت هذه الحرب الشرسة إلى إبادة للسكان، وامتدت إلى الحيّز الجغرافي،
والاقتصاد، والخدمات والبنية الاجتماعية، وشروط الحياة اليومية، فمع مضي الاحتلال
في استهداف الفلسطينيين على الرغم من وقف إطلاق النار، وصف كاتبٌ فلسطيني ما تقوم
به سلطات الاحتلال بأنه «إعدام الحياة في غزة»، ودفع الفلسطينيين إلى العيش في
ظروف تمس الأمن والكرامة والذاكرة، وبحسب مصادر فلسطينية، وصلت الحصيلة التراكمية
للعدوان «الإسرائيلي» على قطاع غزة منذ بدء الحرب إلى 74243 شهيدًا، و175232
إصابة.
وتكشف المعطيات
الميدانية حجم التحول الذي أصاب المجال العمراني في القطاع، فبحسب تقييم أممي قائم
على صور الأقمار الصناعية، تعرضت حتى 16 يونيو 2026م نحو 201290 منشأة؛ أي ما
يعادل 82% من جميع المنشآت في قطاع غزة، لأضرار، ومن بينها 134422 منشأة صنفت
مدمرة، كما تضررت 328627 وحدة سكنية.
ولا تتوقف
المسألة عند المباني المهدمة، فالاقتصاد الغزي دخل في حالة شبه شلل؛ إذ يقدر البنك
الدولي أن الناتج المحلي في غزة انكمش بنسبة 83% في عام 2024م، فيما بلغت البطالة
78% في عام 2025م، وبلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار نحو 71.5 مليار دولار،
وهي أرقام بطبيعة الحال مرشحة للازدياد مع استمرار الحصار وعدم وقف العدوان.
وتؤدي مروحة
الاعتداءات آنفة الذكر، وآثار العدوان الغائرة، ابتداءً من أعداد الشهداء
والمفقودين، مرورًا بتفاقم الحاجات الصحية والاجتماعية، وأخيرًا مع سعي الاحتلال
إلى إعادة هندسة المجتمع الفلسطينية، كل ذلك قد ترك آثاراً غائرة على كل مناحي
الحياة، من السكن والتعليم والصحة، والبيئة العمرانية، وعلى الذاكرة الفردية
والجماعية.
ولهذا، فإننا
أمام معركتين، الأولى: معركة وقف العدوان بشكلٍ كامل، وكفّ يد الاحتلال عن القطاع
وسكانه، والثانية: إعادة بناء الإنسان بالتوازي مع بناء الحجر، وترميم قدرة
المجتمع على استعادة الحياة، وتعزيز الأطر الاجتماعية التي سعى الاحتلال إلى
إنهائها بشكلٍ كامل.
الضفة والقدس.. حرب موازية لإعادة تشكيل الجغرافيا
في الوقت الذي
مضى فيه الاحتلال قدمًا بحرب الإبادة على غزة، لم تتوقف هجماته التهويديّة على
بقية الجغرافيا الفلسطينية، وخاصة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، من خلال
تصعيد حصار المناطق الفلسطينية، والسعي إلى تحويل هذه المناطق إلى جزرٍ معزولة
يصعب التواصل فيما بينها، بالتوازي مع تصاعد الهدم والإخلاء، وعنف المستوطنين.
وتُشير بيانات
الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 4000 فلسطيني هُجّروا في أنحاء الضفة الغربية خلال
عام 2026م بسبب عمليات الهدم والإخلاء، وهجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها،
وأن أكثر من 60% من حالات التهجير ارتبطت بهجمات المستوطنين.
وفي الشطر
الشرقي من القدس المحتلة، شهدت الأعوام الماضية تصاعدًا في الهجمة التهويديّة على
المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، حيث تعرض المسجد لتصعيد غير مسبوق
في أعداد المقتحمين، وما يرافق هذه الاقتحامات، من أداء علنيّ للطقوس العلنية،
وصولًا إلى إغلاق «الأقصى» لنحو 40 يومًا.
وأخيرًا ما جرى
في موسم العدوان الطويل الأخير على المسجد، وهو ما يُنذر بتطوراتٍ خطيرة في قادم
الأيام، أما على الصعيد الديموغرافي، فقد هدمت سلطات الاحتلال نحو 1099 منشأة
فلسطينية خلال 3 سنوات، وقد شهدت أحياء مثل سلوان وبيت حنينا عمليات هدم متكررة،
فيما تظل أحياء أخرى معرضة لمخططات تهويدية واستيطانية طويلة الأمد.
وبلغ عدد
المشاريع الاستيطانية نحو 209 مشروعًا، تضم آلاف الوحدات الاستيطانية، إلى جانب
المشاريع الكبرى وفي مقدمتها مشروع «E1»، ومشروع «القدس
الكبرى»، وتعزيز البناء الاستيطانية في المستوطنات المحيطة بالقدس المحتلة، وهي
مشاريع تُهدّد آلاف الفلسطينيين بالتهجير، وتؤثر بصورة عميقة في التواصل الجغرافي
بين القدس ومحيطها الفلسطيني.
حرب غزة بعد 3 سنوات.. تحولات في الوعي والرواية
أخيرًا، بعد 3
سنوات، يصعب اختزال المشهد في مشهدٍ واحدٍ، أو ثنائية بعينها، فالحديث بالمعايير
المادية المجردة يجعل أي فعلٍ مقاوم كلفته بالغة الخطورة، ومن يختزل المشهد
بالإنجازات في الرواية يتجاوز بشكلٍ مقصود أو غير مقصود تلك التضحيات الجليلة التي
قدمها الفلسطينيون، وخاصة في قطاع غزة.
ومع استعراض
المسارات الثلاثة السابقة، من المهم الإشارة إلى مسارٍ رابع، يتقاطع مع هذه
المسارات الثلاثة، وهو مسار الوعي والرواية والذاكرة، فلم تستطع الحرب، على الرغم
من حجمها وخسائرها، أن تجعل الفلسطينيين مجرد موضوع صامت، فقد أنتجت أشكالًا جديدة
من التوثيق والشهادة والتفاعل الشعبي العالمي.
وفي المقابل،
فإن قيمة هذه التجربة لا تكتمل بمجرد حفظ الذاكرة، وإنما بتحويلها إلى معرفة
ومراجعة وقدرة على التعلم، وأداة جديدة في المعركة الكبرى مع الاحتلال.
ولهذا، فإن
السؤال في الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا حدث خلال
الحرب؟ فنحن كنا شهودًا على مجرياتها، لذلك يجب أن نطرح سؤالًا آخر: ماذا غيّرت
الحرب فينا وفي العالم؟ وماذا كشفت؟ وما الذي بدأ يتشكل بعدها؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً