سُنة التدافع عبر التاريخ والأمم

لا يسير التاريخ البشري عشوائياً، بل تحكمه سنن إلهية ثابتة، ومن أهمها سُنة التدافع بين الأمم والجماعات، الناتجة عن صراع الإرادات بين القوى المختلفة، وقد قرر القرآن أن هذا التدافع ضرورة لحفظ التوازن، ومنع الفساد الشامل في الأرض.

إن التدافع جارٍ بين البشر فيما بينهم، فالتظالم ما زال منذ بدأ الخلق، وتسلط الشيطان على بني آدم؛ (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ {82} إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص)، ولم تزجر القوانين التي اجتهد الناس في وضعها للكف بينهم دون استمرار الدفع والتذاؤب حتى يوم الحساب؛ (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود).

والتدافع سُنة قائمة بين الجماعات والأمم، وقد قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (البقرة: 251)، وقال أيضاً: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً) (الحج: 40).

إن الغالب على أقوال مفسرينا في تفسير الآيتين أن الله تعالى يدفع بأهل الحق والدين أهل الكفر والباطل، ولولا ذلك لساد الكفر، وفسدت الأرض، وتعطلت العبادة، وهدمت مواطنها، وهذا حق بلا ريب، يدل عليه سياق الآيات التي جاءت في معرض بيان الجهاد والدواعي إليه، لكنه لون واحد من التدافع بين الحق والباطل، كما قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) (الأنبياء: 18).

ومن مقاصده قمع الباطل، ودحر قوته، وإبطال استقوائها على البشر، وإفسادها في الأرض، وتدميرها أماكن العبادة من بيع وصلوات ومساجد، تلك التي لا صون لها إلا في دولة يحكمها الإسلام، الذي أقر الحق في الاعتقاد، وبالتالي الحرية في العبادة؛ (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256)، فهي مكفولة لأهل كل دين دخلوا في ذمة المسلمين.

أما في غير منظومة الإسلام، فلا ضمان لتلك الحرية -وإن ادعى أهلها التحضر، وأعلوا رايات الحرية- وقد شهد الواقع أنهم عند شعورهم بالخطر ينقلبون على ما أعلنوه، ويكشفون ستر ما أخفوه، ورأينا ذلك رأي العين، وهم وإن أظهروا حماية المعقدات في بلادهم؛ فإنهم في غيرها لا يرقبون لمؤمن إلًّا ولا ذمة.

وشواهد العدوان الصليبي الغربي على بلاد المسلمين حاضرة، ولا تنتمي للقرون الوسيطة فحسب، بل تمتد إلى زمان الاستعمار الغربي، وزمن القطبين المتحاربين؛ الاتحاد السوفييتي وأمريكا، ففي حال استبداد الأولى في البلاد التي استعمرها حورب الإسلام؛ معتقدًا وعبادة ومسلكًا ومظهرًا، كما حدث في الجمهوريات الإسلامية التي حكمها السوفييت بالحديد والنار، وحكمها الصينيون بالقهر والعسف، وما زالت محنة تركستان والأويغور قائمة، وكما رأينا في إهلاك الأمريكيين الحرث والنسل في العراق وأفغانستان، وكما تفعل ربيبتها «إسرائيل» مع الداخل الأسير، والجوار المستضعف.

لكن صور التدافع أعم من ذلك، فكان سُنة راسخة منذ وصلنا التاريخ المكتوب، ومن ذلك حروب اليونان والفرس، وقد بدأت في عام 499 ق.م وانتهت في عام 449 ق.م، ثم أعقبتها حروب الفرس والرومان التي استمرت نحو 7 قرون، وأنهكت القوتين العظميين، ومهدت لانتصار حاسم للقوة الإسلامية البازغة.

تلك حروب القوى العظمى، أما القوى الأقل خطرًا فهي تملأ صفحات التاريخ، منها الصراع بين الدولة الرومانية الشرقية (البيزنطية) والقوى النابتة على أنقاض الدولة الرومانية في الغرب، من دول الفرنجة التي ملأت الفراغ السياسي في تلك الأنحاء، ومنها الصراعات في الشرق، وأولاها بالذكر حروب المغول واكتساحهم المدمر القوى المجاورة، ثم صراعهم مع القوى الإسلامية المحلية في زحفهم لإسقاط الخلافة العباسية 656هـ.

واستمرت الصراعات حتى قدمت البشرية دماء الملايين منها قرابين للطغاة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأسفرت عن انقسام العالم من جديد بين قطبين؛ الاتحاد السوفييتي، وأمريكا والغرب، وفي مطلع التسعينيات انهار القطب الأول، واستأثر الغرب بالسيادة، ولم ير العالم منه خيرًا، وما زال يزداد فسادًا في الأرض، وما زالت سنن الله فاعلة، حيث يتشكل قطب جديد في أقصى الشرق من قوى الصين وروسيا، لعله يقصر من مظالم الغرب، أو يستبدل للمستضعفين سيدًا بسيد؛ (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140).

كان البقاء للأقوى في شرائع الناب والمخلب، وفي صراعات الجاهلية قديمًا وحديثًا، وسيظل العالم يدفع أثمانًا باهظة حتى يعود الإسلام في دور جديد، بعد أن صهرته الخطوب، ورأى أهله رأي العين أنهم لا صيانة لهم إلا في ظلال شريعتهم، ولا سيادة لهم إلا في عدالة دولتهم.

يمر الطريق عبر تشكيل العقل المسلم الذي يدرك حتمية السنن الإلهية، والتوافق معها؛ «لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها، واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض»، وإن سنن الله لا تتخلف، قال تعالى: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر: 43).

فعلى أمتنا السعي لامتلاك القوة الذاتية؛ (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)، على اختلاف مواطنها؛ علمية واقتصادية وثقافية، واستهداف التكامل والوحدة بين دولها، فالاعتماد على استمداد القوة من خارجها لم يجلب لها أمنًا، ولن يحقق تقدمًا، والله غالب على أمره.


اقرأ أيضا 

السنن الكونية مضرها ومنافعها

سنن وآداب في جمال الثياب

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة