أسماء الله الحسنى رؤى جديدة (7)

الواحد.. الأحد.. الوتر

محمد الحداد

12 أكتوبر 2026

72

الواحد.. الأحد.. الوتر

مدخل إلى أسماء الله تعالى الواحد.. الأحد.. الوتر

وحدانية الله فكرة مركوزة في الفطر، لا ينازع الناس فيها بداهة، فحتى المشركون المصرحون بالشرك يدّعون مع ذلك التوحيد! والشرك لا يغفره الله عز وجل قط بخلاف سائر المعاصي؛ قال الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء: 48).

ودوننا كمثال على ذلك التناقض بفعل الشرك وادعاء التوحيد؛ المشركون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يعبدون الأوثان؛ وهم مع ذلك يقرون بأن لهم خالقاً أعلى يملكهم، قال عبدالله بن عباس: كان المُشرِكونَ يقولونَ: لَبَّيكَ لا شَريكَ لَكَ، قال: فيَقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ويلَكُم! قد قد»، فيَقولونَ: إلَّا شَريكًا هو لَكَ، تَملِكُه وما مَلَكَ، يقولونَ هذا وهم يَطوفونَ بالبَيتِ. (رواه مسلم، 1185).

ودوننا من سبقهم من الذين أشركوا من أهل الكتاب الذين يصرحون بعبادة ثلاثة شركاء، ويعترفون «بأن كل أقنوم بذاته إله وربٌ» (قانون الإيمان الأثناسي لأثناسيوس الرسولي فقرة 19)، وهم مع ذلك يدعون التوحيد، يقول غريغوريوس النزينزي: «هنالك ثلاثة؛ ليس الواحد الله أكثر من الآخر ولا ذاك أقل، ليس الواحد قبل والآخر.. وهكذا عندما نتطلع إلى الألوهة العلة الأولى والمونرخيا لا نرى غير الوحدة، وعندما نتطلع إلى من فيهم الألوهة الذين يأتون من العلة الأولى على غير زمن وبتساوٍ في المجد والكرامة نجد الثلاثة الذين نعبدهم) (الخطب اللاهوتية، 27 – 31، ص150)، وهو يقصد بالعلة الأولى ما يسمونه الآب، والذي هو رب الأرباب.

والمراد مما سبق بيان أن المشركين المعددين للآلهة هم مع ذلك لا ينازعون في وجوب التوحيد ووجود إله أعلى هو علة وجود غيره من الآلهة والأرباب؛ مبررين شركهم بمبررات شتى ليس فيها حجة ولا عليها برهان من الله، وذلك من حجة الله عز وجل على خلقه والذي غرس في فطرتهم توحيده وتقبيح للشرك به، حتى ليدعيه المصرحون بنقيضه، وهذا هو المدخل الأول في التعريف بأسمائه الحسنى؛ (الواحد.. الأحد.. الوتر).

اسم الله «الواحد»

هو اسم بُني لمفتتح العدد، ويطلق على الفرد الذي ليس معه ثانٍ، وهو في حق الله عز وجل حاصل من حيث عدم المثل في ذاته وصدور كل شيء موجود عنه وحده تبارك وتعالى.

وقد ورد اسم الواحد في القرآن 22 مرة، منها قول الله عز وجل: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف: 39)، مما يفهم به وجوب نفي الشريك عنه سبحانه وتعالى وبطلان ألوهية غيره وتقبيحها.

ومن آثار هذا الاسم في الواقع بطلان الشرك عقلاً، فإن العقل لا يتصور مفتتح أي شيء إلا واحداً، فكيف يتصور صدور الوجود إلا عن واحد! فاللهم يا واحد ارزقنا توحيدك حق التوحيد وثبتنا عليه إلى أن نلقاك به.

اسم الله «الأحد»

والأحد هو المتفرد بكل كمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله فليس له في ذلك نظير ولا مثيل ولا شبيه.

وقد ورد اسم الأحد في الكتاب والسُّنة مقروناً بنفي الولد والكفؤ، قال الله عز وجل: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الإخلاص)، وجاء في الحديث القدسي عن عبدالله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابنُ آدَم ولَمْ يَكُنْ له ذلك، وشَتَمَنِي ولَمْ يَكُنْ له ذلك، فأمَّا تَكْذِيبُه إيَّايَ فقوله: لَنْ يُعِيدَنِي، كما بَدَأَنِي، وليس أوَّل الخَلْقِ بأَهْوَن عَلَيَّ مِن إعادَتِه، وأَمَّا شَتْمُه إيَّايَ فَقَوْله: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا وأنا الأحَدُ الصَّمَد، لَمْ ألِدْ ولَمْ أُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لي كُفْئًا أحد» (رواه البخاري، 4974).

ومن آثار هذا الاسم في الواقع أن البشر الذين يرون في حياتهم التفاوت في الكمالات والنقائص سواء في البشر أو المخلوقات؛ لا يتصورون خالقهم عز وجل إلا وفيه كل صفات الكمال ومتنزهاً عن كل صفات النقص، وهذا ما يدفع إلى التوحيد ويبعد عن الشرك ويرغّب في كل كمال يرضاه الله وينفر عن كل نقص يبغضه عز وجل، فاللهم يا أحد نزهنا عن النقائص وأنعم علينا بأحسن ما يحوزه البشر من كمالات.

اسم الله «الوتر»

الوتر هو الفرد الذي لم يتشفع، وهو مباين لخلقه جميعاً فإنه خلقهم أزواجاً لا وتراً، وهذا ملمح عظيم يفيد تذكره تحقيق كمال وحدانيته وتفرده عن كل مخلوق في الذات فضلاً عما احتوته من صفات، وهذا موجب لتوحيده عز وجل، قال الله عز وجل: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {49} فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ {50} وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الذاريات).

وقد ورد اسم الله «الوتر» في السُّنة النبوية، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لِلهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» (رواه البخاري (6410)، ومسلم (2677))، ولهذا نجد أن عامة الشرائع وتراً، كجعل الصلوات خمساً، والغسل في الوضوء ثلاثاً، ونصاب الزكاة في الزروع والورق والإبل خمساً، والطواف والسعي ورمي الجمرات سبعاً، وصلاة الليل وتراً، وغير ذلك كثير.

ومن آثار هذا الاسم في الواقع ما يُرى من احتياج البشر جميعاً إلى من يكملهم من أزواجهم، وصدور كل تكاثر لهم عن اثنين لا واحد؛ كل منهم يحتاج الآخر، فكيف بحاجتهم إلى الوتر الذي لا يحتاج أحداً ويحتاجه كل أحد؟! فأولى بالكل الفرار إلى من له هذه الكمال تبارك وتعالى، فاللهم يا وتر ارزقنا اللجوء إليك والكفاية بك والأنس بوصلك والسكينة بهدايتك.

التمايز بين الأسماء الثلاثة

وقد يبدو لمن لم يحقق أن الأسماء الثلاثة يفيدون معنى واحداً، وهذا منتفٍ في العربية، فكيف بأسماء الله عز وجل الذي يستقل كل اسم منها بقدر من المعنى ممايز لغيره وإن اشترك بعضهم مع بعض في قدر آخر؟!

ولذا نقول: إن التمايز في الأسماء الثلاثة أن الواحد ينفي العددية والمثلية؛ فليس لله عز وجل آخر يساويه أو يشاركه في ذاته، ولا يقبل الانقسام أو التجزئة أو الثنوية، والأحد: ينفي الشبيه بالكلية؛ فليس له كفؤ ولا شبيه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، وأن الوتر: ينفي الشفعية والزوجية؛ فلا زوج له ولا حاجة له إلى آخر بخلاف خلقه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة