التحولات الدولية تجاه حرب السودان (1)
من إدارة الأزمة السودانية إلى البحث عن مخرج إستراتيجي
هذه سلسلة
مقالات متواصلة ليست محاولة لقراءة الحرب في السودان من زاوية الحدث اليومي أو
ردود الفعل الآنية، وإنما لفهم ما يجري خلف الكواليس الدولية والإقليمية، وكيف
ولماذا تغيّرت مقاربة العالم لهذه الحرب؟ وماذا يعني ذلك للسودان دولةً ومصيرًا؟
في الحلقات
الثلاث، نتابع انتقال الملف السوداني من مربع إدارة الأزمة إلى فضاء البحث عن مخرج
إستراتيجي، ونفكك بعض الأدوار الدولية كالولايات المتحدة، والسعودية، وتركيا، ليس
بوصفهم وسطاء محايدين فقط، بل كقوى تسعى إلى إعادة ترتيب أولوياتها انطلاقًا من
حسابات الأمن الإقليمي والمصالح الكبرى.
هذه قراءة
متسلسلة، كل حلقة تكمل الأخرى، وتكشف تدريجيًا كيف أصبح السودان عقدة مركزية في
توازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولماذا لم يعد العالم قادرًا على تجاهل ما
يحدث فيه؟
منذ فشل انقلاب «الدعم
السريع» في السيطرة على السلطة بمباركة سياسية من بعض قيادات أحزاب تحالف «قحت» الذي
نشأ عشية سقوط نظام الرئيس عمر البشير ودعم إقليمي عسكري ومالي وإعلامي، وانزلاق
السودان في حرب بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في أبريل 2023م؛ تعامل
المجتمع الدولي معها في بداياتها بوصفها أزمة داخلية ذات طابع عسكري – سياسي
محدود، يمكن احتواؤها عبر بيانات الإدانة، والدعوات العامة لوقف إطلاق النار،
وإرسال مساعدات إنسانية عاجلة.
هذا النمط من
التعاطي ليس جديدًا؛ فقد اعتاد النظام الدولي إدارة أزمات الدول الهشة بسياسة تقليل
الأضرار بدلًا من معالجة الجذور.
غير أن طول أمد
الحرب، واتساع رقعتها الجغرافية، وتحوّلها إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في
العالم، فرض تغييرًا تدريجيًا في طريقة النظر الدولية إلى السودان.
ولم تعد الحرب
مجرد اقتتال بين أطراف محلية، بل باتت عامل تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي في
البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، ونشاط عمليات تجارة وتهريب السلاح والمخدرات،
وفتحت الباب على مصراعيه لعمليات الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.
هذا التحول في
الإدراك الدولي هو ما يفسر تغير اللغة، وتبدل الأولويات، وصعود أدوار إقليمية كانت
في السابق تعمل من خلف الستار.
لماذا تغيّر الموقف الدولي؟
يمكن تلخيص
أسباب التحول الدولي في 3 عوامل رئيسة مترابطة:
1- استدامة الحرب دون أفق:
خلافًا لتوقعات
كثير من العواصم الغربية، لم تكن الحرب في السودان قصيرة أو قابلة للحسم السريع،
خاصة بعد فشل قوات «الدعم السريع» في الاستيلاء على السلطة أو تحقيق نصر عسكري
واضح، كما فشلت كل محاولات وقف إطلاق النار المؤقتة في الصمود لعدم التزام «الدعم
السريع» بها خاصة إعلان جدة الموقع في مايو 2023م برعاية أمريكية سعودية، الذي نص
على خروج «الدعم السريع» من الأعيان المدنية والمستشفيات ومنازل المواطنين التي
حولها إلى قواعد عسكرية.
هذا الاستنزاف
المستمر خلق حالة من اللايقين الإستراتيجي، وهو أسوأ سيناريو بالنسبة لصناع القرار
الدوليين.
2- تفاقم الكارثة الإنسانية:
مع مرور الوقت،
تجاوزت الأزمة الإنسانية حدود الطوارئ إلى مشارف الإبادة الجماعية والنهب المنظم وإفقار
المدنيين بجانب المجاعة والانهيار المجتمعي.
فهناك آلاف
القتلى وملايين النازحين داخليًا وخارجيًا، ومدن مدمّرة، وانهيار شبه كامل للخدمات
الصحية والتعليمية، هذه الكلفة البشرية لم تعد قابلة للتجاهل، لا أخلاقيًا ولا
سياسيًا، خصوصًا مع اقتراب موجات الهجرة من السواحل الأوروبية.
3- تهديد المصالح الدولية:
السودان ليس
دولة هامشية في الحسابات الجيوسياسية، موقعه على البحر الأحمر، والقرن الأفريقي
وقربه من مضيق باب المندب، وحدوده مع 7 دول، جعله جزءًا من معادلة الأمن الدولي، فأي
انفلات طويل الأمد فيه يعني:
- تهديد الملاحة
الدولية.
- ازدياد نشاط
شبكات تهريب السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر.
- فراغاً أمنياً
تستثمره جماعات متطرفة أو قوى منافسة.
هذه العوامل
مجتمعة ربما دفعت القوى الكبرى إلى إدراك أن سياسة إدارة النزاع لم تعد كافية، وأن
المطلوب مخرج إستراتيجي يمنع الانهيار الكامل.
الموقف الأمريكي
الولايات
المتحدة كانت اللاعب الأكثر حضورًا في المشهد الدولي المتعلق بالسودان، خاصة عبر
مسار جدة الذي رعته بالشراكة مع المملكة العربية السعودية، لكن تعثّر هذا المسار
كشف حدود القدرة الأمريكية على فرض حلول في نزاع معقّد ومتشابك المصالح.
ويمكن تلخيص
الموقف الأمريكي في هذه النقاط الرئيسة:
1- واشنطن لا
تريد دولة فاشلة جديدة في أفريقيا، بعد تجارب مكلفة في ليبيا والصومال.
2- تخشى تمدد
نفوذ قوى دولية منافسة في فراغ إستراتيجي جديد.
3- تدرك أن
استمرار الحرب سيجعل أي تسوية مستقبلية أكثر كلفة وتعقيدًا.
لهذا، بدأت
الولايات المتحدة تتحول من دور المدير المباشر إلى دور المنسّق والمفوّض، مع إعطاء
مساحة أكبر لحلفائها الإقليميين القادرين على التأثير الفعلي في مسار الأحداث،
وعلى رأسهم السعودية ومصر.
هذا التفويض لا
يعني انسحابًا أمريكيًا، بل إعادة توزيع للأدوار، بحيث تتحمل القوى الإقليمية عبء
الضغط المباشر، بينما تحتفظ واشنطن بدور الضامن السياسي والداعم الدولي.
السودان في الحسابات الإقليمية الجديدة
نتيجة لهذا
التحول، لم يعد السودان يُنظر إليه كملف ثانوي، بل كاختبار حقيقي لقدرة الإقليم
على إدارة أزماته بنفسه، هذا ما يفسر صعود دور الدول المجاورة، وتزايد الحديث عن الخطوط
الحمراء، ورفض أي سيناريوهات تقسيم أو تفكيك مؤسسات الدولة السودانية.
الرسالة الدولية
الضمنية أصبحت أكثر وضوحًا وتتلخص في الآتي:
- لا شرعية
لواقع يُفرض بالقوة.
- لا اعتراف
بكيانات موازية.
- لا تسامح مع
تفكيك الدولة السودانية.
ماذا يعني هذا للسودان عمليًا؟
على الأرض،
يترتب على هذا التحول عدة نتائج مباشرة وغير مباشرة، منها:
1- تقلص فرص
الاعتراف الدولي بأي ترتيبات سياسية أو إدارية تنشأ خارج إطار الدولة.
2- زيادة الضغوط
السياسية والإعلامية على الأطراف المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة كـ«الدعم السريع».
3- ربط
المساعدات الإنسانية بممرات آمنة وضمانات أمنية وتفاهمات سياسية، بدل تركها رهينة
للفوضى.
كما أن هذا
المناخ الدولي يقلل من فرص تدويل الصراع على طريقة ليبيا، ويزيد من فرص البحث عن
تسوية تحفظ الحد الأدنى من بنية الدولة.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء التحولات
الحالية، يمكن تصور 3 سيناريوهات رئيسة:
الأول: احتواء
طويل الأمد: هدنة إنسانية موسعة دون حل جذري.
الثاني: ضغط
منسّق: توحيد المواقف الدولية والإقليمية لدفع مسار سياسي حقيقي.
الثالث: استمرار
الانفلات: فشل الجهود وتحول السودان إلى أزمة مزمنة.
المعطيات
الحالية تشير إلى أن السيناريو الثاني بات أكثر حضورًا، لكنه يظل مشروطًا بمدى
قدرة الأطراف الدولية على معالجة جذور الأزمة السودانية التي نشأت بعد تدخلات
إقليمية ودولية في الشأن السوداني الداخلي بعد سقوط البشير وقبله.
خلاصة مهمة
التحولات
الدولية تجاه حرب السودان لا تعني بالضرورة اقتراب الحل، لكنها ربما تعني شيئًا
آخر مهمًا، وهو أن العالم، خاصة السعودية ومصر وتركيا وقطر، لم يعد مستعدًا
لمشاهدة انهيار السودان بهذه الفظاعة، خاصة أن انهيار الدولة السودانية يعني
الكثير لهذه الدول، وانتقال الملف السوداني من هامش الاهتمام إلى صلب الحسابات
الإقليمية والدولية يعد فرصة تاريخية، لكنها ليست ضمانة، فالتحول الحقيقي يبدأ من
الداخل، ويُستثمر عبر قراءة دقيقة للمتغيرات، لا عبر انتظار المعجزات.