العناد الطبيعي عند الأبناء (12)
الحزم التربوي.. معناه وكيفيته وحدوده (1-2)
يخشى كثير من
الآباء والأمهات من استعمال أسلوب الحزم والحسم في تربيتهم لأبنائهم، إذ تختلط
لديهم مفاهيم الحزم بمفاهيم القسوة والغلظة، فيفرُّون منه إلى تساهل مفرط ودلال
زائد، ثم يُفاجَؤون بعدها بعناد مرَضي مبالغ فيه من قِبل الأبناء، ويشعر الوالدان
حينها بأنهما قد فقدا زمام التربية، وفي المقابل يتمسك آخرون بالحزم القاسي
والغليظ، فيُحكِمون القبضة خوفًا من الفوضى، فإذا بالأبناء أكثر توترًا وقلقا
وحيرة، فيصير الأمر إلى ما لا تُحمد عقباه.
بين هذين
الطرفين، يقف الحزم التربوي بوصفه فنًا دقيقًا لا يُتقنه إلا من فهم النفس قبل
السلوك، وأدرك أن الاحتواء بلا حدود يُربك الطفل، والحدود بلا احتواء تكسِره، فأين
ينتهي الاحتواء؟ ومتى تبدأ الحدود؟ وهل يمكن أن نجمع بينهما دون تناقض؟ ومتى يكون
الحسم واجباً؟
هذا ما نسعى في
بيانه حتى لا يتحول العناد الطبيعي عند الأبناء إلى عناد مرضي بسبب تصرفاتنا
الخاطئة كمُرَبين!
ما الحزم التربوي؟
وهذا مفهوم
ينبغي أن يفهم بوضوح، فالحزم التربوي يعني أن يعرف الطفل حقوقه، وواجباته، وما
المسموح، وما الممنوع، ولماذا، وما عواقب الاختيار دون تهديد ولا صراخ.
فهو ليس عصًا
تضرب، ولا صوتًا يصرخ، بل هو أسلوب هادئ يُوجّه السلوك ويحفظ كرامة النفس، فهو ليس
تشددًا أعمى ولا سلطةً متغطرسة، بل وضوح في القواعد، وثبات في المواقف، مع احترامٍ
كامل لكرامة الطفل ومشاعره.
في الحزم
التربوي يُضبط السلوك ولا تُهان الشخصية، وتُناقَش المشاعر دون تبرير الخطأ،
وتُطبَّق القواعد بثباتٍ هادئ لا بانفعال، وهنا يتعلّم الطفل أن الحدود أمان لا
تهديد، وأن الطاعة اختيار واعٍ وليست خضوعاً قسرياً قهرياً، وأن احترام النظام
واتباعه لا يتعارض مع احترام الذات.
الاحتواء.. لماذا هو ضرورة نفسية؟
الاحتواء هو
استجابة وجدانية قبل أن يكون إجراءً تربويًا، وأن يُفهَم شعور الطفل قبل تعديل
سلوكه، وأن يُسمَع صوته قبل تصحيح خطئه، وأن يشعر بالأمان حتى وهو مُخطئ.
فهو ليس ترفًا
عاطفيًا في التربية، بل حاجة نفسية أساسية تسبق أي توجيه أو حزم، فالطفل لا يستقبل
الأوامر وهو في حالة توتر وقلق، ولا يتعلّم من التجارب وهو يشعر بالتهديد، ولكن
حين نحتوي مشاعره، نُطمئن جهازه العصبي والنفسي أولًا، فنفتح له باب الفهم
والاستجابة والقبول.
فالاحتواء هو
الجسر الذي تعبر عليه الضوابط والحدود الأبوية لتصبح مقبولة عن قناعة وليست مفروضة
بالقهر والتسلط.
وإن من فقه
الاحتواء أن نرى ما خلف السلوك قبل أن نُعدّله؛ وأن نحترم رغبة الطفل دون أن نبرّر
خطأه، وأن نمنحه الأمان الكافي.
تشير دراسات علم
النفس النمائي (إريك إريكسون، وبومريند) إلى أن الطفل الذي لا يشعر بالأمان
العاطفي يقاوم التوجيه مهما كان صحيحًا؛ لأن النفس إذا استُفزت أغلقت أبواب
التعلم.
وفي المقابل،
تشير الدراسات النفسية إلى أن الطفل المطمئن عاطفيًا أقدر على ضبط نفسه أكثر من
غيره، وأسرع في الاستجابة للحزم الهادئ، فمن دون احتواء، يتحول الحزم إلى صدام،
ومع الاحتواء يصبح تنظيمًا واعيًا، لذلك كان الاحتواء ضرورة نفسية؛ لأنه لا يُضعف
الحدود، بل يمنحها القابلية للتطبيق.
متى يصبح الاحتواء خطأً تربويًا؟
يُصبح الاحتواء
خطأً تربويًا حينما ينقلب من فهم للمشاعر إلى تعطيل للتوجيه، ومن تعاطف صحي إلى
تبرير دائم للسلوك الخاطئ، فحين يُرفَع الحرج عن السلوك الخطأ باسم اللين،
وتُؤجَّل العقوبات خوفًا من انزعاج الطفل، يتعلّم الطفل درسًا مضادًا؛ أن الضوابط
والقواعد قابلة للتفاوض بلا نهاية، وأن الشعور الشخصي أعلى من النظام.
الاحتواء الخاطئ
يُربك الطفل أكثر مما يُريحه؛ لأنه يسلبه وضوح الحدود الذي يحتاجه ليشعر بالأمان، ومع
تكرار التنازل، يتحوّل الاحتواء إلى رسالة مُربكة؛ «أفهمك، إذن لا بأس بما تفعل»، عند
هذه النقطة ينتهي دور الاحتواء وتبدأ ضرورة الحزم؛ فالتربية المتزنة لا تفاضل بين
العاطفة والحدود، بل تعرف متى تتقدّم الأولى لتهدئة النفس، ومتى تأتي الثانية
لحماية المسار والسلوك من الانحراف.
وقبل أن نَغُوص
في تفاصيل الحزم التربوي، نلفت النظر إلى أن السُّنـة النبويــة لم تترك هذا الباب
للاجتهادات المتناقضة أو النظريات الغربية المُتأرجحة، بل قدّمت نموذجًا عمليًا
متوازنًا يجمع بين اللين والحسم، وبين الرحمة والضبط، ويضع الحزم في موضعه الصحيح،
لا سابقًا لزمانه ولا متأخرًا عن وقته، ومن أظهر هذه النماذج التربوية ذلك التوجيه
النبوي الدقيق المتعلق بتعليم الأبناء الصلاة.
قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «مُرُوا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهُم عليها
وهمْ أبناءُ عشْرٍ، وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ» (أخرجه الإمام أحمد في المسند،
وأبو داود والترمذي في السنن)؛ فهذا الحديث النبوي يُعدّ من أوضح النماذج العملية
للحزم التربوي الهادف في الإسلام، إذا قُرئ قراءة تربوية نفسية واعية لا قراءة
حرفية جافة.
فالنبي صلى الله
عليه وسلم لم يبدأ الأمر بالصلاة مقرونًا بالعقوبة، بل قرنها بالتدرّج الزمني
والنفسي؛ أمرٌ عند السابعة؛ أي في سنّ الفهم والتهيئة، ثم 3 سنوات كاملة من
التعليم، والتذكير، والمتابعة، والتدريب، والتدرج، والقدوة، والتناسق، وذلك قبل أي
إجراء حاسم أو عقاب متسلط، هذا وحده يقرر قاعدة تربوية عظيمة؛ وهي أن: «الحزم لا
يُمارَس إلا بعد استنفاد وسائل الاحتواء والتدريب والتدرج».
أما قوله صلى
الله عليه وسلم: «واضربٌوهُم عليها لِعَشر»، ليس دعوة للعنف ولا للقسوة، بل إعلان
لبداية مرحلة المسؤولية والانضباط والانصياع للقواعد والضوابط، حيث ينتقل الطفل من
طَور التعوّد إلى طور الالتزام، ومن طَور اللامسؤولية إلى طور المسؤولية.
والضرب هنا كما
قرره علماء الشريعة هو ضَرْبٌ غير مُبرح، وغير مؤذٍ، وغايته التنبيه لا الإيذاء،
ويأتي في سياق واضح من الحب والرعاية والمسؤولية، وليس في سياق الانتقام
والتَّشفي.
إن هذا الحديث
يرسم مُعادلة الحزم التربوي بدقة؛ تعليم قبل إلزام، واحتواء قبل محاسبة، وصبر قبل
حزم، وحدود لا تُفاجئ الطفل بل تُهيّئه، فالحزم النبوي لم يكسر النفس، ولم يُلغِ
الرحمة، لكنه عَلّم الطفل أن القيم العُظمى كالصَّلاة لا تُترك للاختيار المزاجي،
بل تُربَّى في القلب وتضبط في السلوك.
وهكذا يعلّمنا
الحديث أن الحزم التربوي ليس قسوة، وإنما مسؤولية، وليس اندفاعًا، وإنما وعيٌ
بالمرحلة، وبالنفس، وبالغاية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً