القرآن وآفة المسلمين الكبرى!

إنّ الآفة الكبرى التي قضت على الحضارات وجعلت عاليها سافلها، هي التفرق بين بُناتها والمستحفظين عليها، وقد كان للمسلمين -من بين الأمم القديمة والحديثة- معتصم باذخ، لو اعتصموا به لوقاهم من التفرق فوَقى حضارتهم من الانهيار، وهو القرآن ودينه الإسلام، نعمةٌ خُصُّوا بها دون الأمم.

كانت تعصف بهم من عواصف التفرّق، وتثور فيهم من طبائع المُلْك وغرائز المنافسة فيه ما أقلّه كافٍ في تدمير الممالك وتَتْبير الحضارات، فيرجعون إلى القرآن ويعتصمون بالإسلام فيجدون فيهما الْوَزَر الواقي، إلى أنْ داخلَتْهم الأعراق المدسوسة، ومازجَتْهم الجراثيم الغريبة، وابتُلوا بلقاح سوء مما أَفسد مَنْ قبلهم، وكان من تأثير ذلك أنهم انتقلوا من التفرق الذي يعصم منه الدين إلى التفرق في الدّين نفسه وفي القرآن نفسه، ثم زَهدوا في الدين فلم تبق إلا الصور العملية بلا روح، وزهدوا في القرآن إلا الألفاظ المتلُوَّة بلا نذير، حتى كانت عاقبة أمرها خُسرًا، وذاقت السوء بما صدّت عن سبيل الله.

إنّ أسلافنا قاموا بما شرط عليهم القرآن في قوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (الحج: 41)، فتحقق معهم وعد الله في القرآن: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: 55)، فكانوا خلفاء الأرض يقيمون فيها الحقّ والعدل، وينشرون فيها الخير والرحمة، ويطهرونها من الشرك والوثنية، ويحققون حكمة الله بإقامة سننه الكونية والشرعية، لا يراهم الله إلا حيث يُرضيه أن يراهم؛ لأن مما أفادهم القرآن استجلاء العِبَر من قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (يونس: 14)، وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) (الأنعام: 165)، وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) (الأعراف: 100).

وكان هؤلاء السلف يعلمون لماذا أُنزل القرآن، ويعلمون أنه كتاب الدهر ودستور الحياة، وحجة الله الباقية إلى قيام الساعة، وأنه وافٍ كلّ الوفاء بإسعاد البشر في الحياتَين، وأن عدم فهمه وعدم العمل به وعدم تحكيمه كلّ ذلك تعطيل له. ففهموه أولًا وحكّموه في أهوائهم ونزعاتهم، فاستأصل باطلها ولطف من نزواتها، ورجعوا إليه في فهم الحقائق الغامضة في الحياة والدقائق المشكلة في الكون والأخلاق التي يجب أن يتعايش بها الناس، فرجعوا إلى معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وقد انضوت تحت لوائه أمم مختلفة الأهواء والمنازع والفهوم؛ فوحّد أهواءها، وقارب بين منازعها وفهومها، ووفّق بين مصالحها، وهذه النقطة التي عجزت عنها التربية التعليمية والقوانين الوضعية إلى يومنا هذا.

يعتقد المسلمون كلُّهم أن سلَفهم كانوا أكمل إيمانًا من خلَفهم وهذا صحيح، ولكنهم لا يبحثون عن علّة كمال الإيمان في السلَف، حتى لكأنهم يعتقدون أن ذلك بوضع إلهيّ وتخصيص ربانيّ لا يدَ للكسب فيه، وهذا خطأ فاحش وجهل فاضح.

وما دام الكلام في الإيمان، فهاته وانظر كيف فهمه السلَف؟ ومن أيِّ مَعِينٍ استقَوا فهمه؟ ومن أيِّ أفقٍ استجلَوا حقائقه؟ ثم انظر كيف فهمه الخلف؟ ومن أين سقطتْ عليهم هذه الفهوم السخيفة؟ ثم أرجِعْ كلّ معلول إلى علته بلا إجهاد للذهن ولا إنضاء للقريحة.

إنّ السلف تذرّعوا لفهم القرآن ذريعتَيْن: الذوق العربي الصحيح، والسنة النبوية الصحيحة، وقد كانوا يؤمنون بأنه كلٌّ لا يتجزأ، وأن بعضه يفسِّر بعضه، وقد استعرضوه بعد فهمه بتلك الذرائع، فوجدوه يُعرِّف الإيمان بالصفات اللازمة والتي يتكون من مجموعها، فيقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) (الحجرات: 15) الآية، ويقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) (الأنفال: 2- 4)، ويقول: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (المؤمنون: 1) إلى آخرها، ويقول: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (البقرة: 177) إلى آخرها، ويقول: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63) إلى آخرها، ويقول غيرها من الآيات الجامعة لشعب الإيمان وخصاله وصفاته الذاتية، ثم وجدوه لا يذكر الإيمان في المَعارِض المختلفة إلا مقرونًا بالعمل الصالح، ففهموا من القرآن ما هو الإيمان وما هي الأعمال الصالحة؛ فآمنوا وعملوا الصالحات، فكان إيمانهم أكمل إيمان بالعمل والكسب لا بشيء آخر من الخوارق والاختصاصات، وعلى هذا النحو فهموا العبادة وتوحيد الله وكمالاته المطلقة، والرسل ووظائفهم، والملائكة.. إلخ.

أما الخَلَف فقد عدَلوا عن هذا كلّه منذ صاروا يفهمون الإيمان من القواعد التعليمية، وفقدوا الذوق والاسترشاد بالسُّنّة.

إنّ هذه القواعد الجافّة التي لا صلة بينها وبين النفس إنما تنفع في الصناعات الدنيوية، أما في الدين فإنها لا تغني غَناء، وقد أفسدته منذ أصارها الناس عمدة في فهمه، حتى ضعف إيمانهم وضعفت تبعًا له إرادتهم وأخلاقهم، وكيف يُفلح من يَعدِل في تفهُّم الإيمان عن الآيات المتقدمة إلى قولهم: إنّ الإيمان هو التصديق، وإنّ النطق شرط أو شطر فيه، وإنّ النسبة بين الإيمان والإسلام كذا... إلى آخر القائمة؟! وكيف يكون مؤمنًا -حقًّا- من يبني إيمانه على هذا الجُرف الهاري؟!

إنّ هذا موضوع واسع الجنبات، وهو يتصل بباب أمراض المسلمين وأسبابها، ولا تتسع هذه الكلمة لبعض القول فيه، فكيف باستيعابه؟!

تدبُّر القرآن واتِّباعه هما فَرْقُ ما بين أول الأمّة وآخرها وإنه لفرقٌ هائلٌ، فعدم التدبر أفقدَنا العلم، وعدم الاتباع أفقدَنا العمل، وإننا لا ننتعش من هذه الكبوة إلا بالرجوع إلى فهم القرآن واتباعه، ولا نُفلح حتى نؤمن ونعمل الصالحات، (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف: 157).

 


اقرأ أيضاً:

رمضان شهر القرآن

فرادة الخطاب القرآني

القرآن وتجديد المجتمع

الهوامش
  • 1 المصدر: مجلة «الشهاب»، الجزء الرابع، المجلد الرابع عشر، يونيو - يوليو 1938م.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة