أسماء الله الحسنى
10 دروس أخلاقية في ضوء اسم الله «الرزاق»
من أكثر القضايا
التي شغلت الإنسان منذ بدء الخليقة، وكانت سبباً مباشراً في وقوع الجرائم وتحصيل
الذنوب والوقوع في المعاصي، هي قضية الرزق، بل وقد تدفع البعض للوقوع في بعض الخلل
في عقيدته حين يخشى على رزقه فيحمل الهم ولا ينام من شدة التفكير في رزق الغد وبعد
الغد، وكأن الله عز وجل سبحانه سوف يحنث في وعده حين تعهد للإنسان برزقه طالما كان
حياً، ويتجلى ذلك في مثل قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود 6).
ومن فضل الله عز
وجل على عبيده جميعاً، أن كان من أسمائه الحسنى اسمه الرزاق، ليطمئن خلقه بأنه لن
يتركهم حتى ولو كانوا كافرين به سبحانه، وأنه جعل الرزق مقدراً قبل خلق البشرية،
فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: «كتب الله مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»
(رواه مسلم)، فلكل مخلوق رزقه، لا ينقصه حاكم ظالم، ولا ينال منه معتد، ولا يمنعه
عنه الدنيا ولو اجتمعت.
فضل معرفة أسماء الله الحسنى
عن أبي هريرة قال،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ
أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (متفق عليه)، ومن أهم زيادة الإيمان بالقلب معرفة
الله تعالى عن طريق مدارسة أسمائه، وكذلك من بركات معرفة أسمائه سبحانه، أن يتقن
الدعاء، يقول تعالى: (وَلِلَّهِ
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي
أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف 180)، وقال
تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ
أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)
(الإسراء 110).
ومن فوائد معرفة
أسماء الله الحسنى أن يحقق المسلم الخشية في قلبه، فالخشية لا تتحقق إلا بالمعرفة،
والمعرفة يلزمها معرفة الأسماء والصفات، يقول ابن كثير: «إنما يخشاه حق خشيته
العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات
الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت
الخشية له أعظم وأكثر»(1)، فإلى حظ المسلم من اسم الله الرزاق:
الدرس
الأول: اليقين بأن الله هو وحده الرزاق:
يعرض البعض نفسه
للمذلة والطاعة المهينة للآخرين؛ اعتقاداً منه بأن رزقه مرهون بهذا أو بذاك، فهو
مضطرب في كل وقت، غاض الطرف والروح والنفس، فلا يكاد يعرف لنفسه كرامة، والله عز
وجل يقول: (وَمَا مِنْ
دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، فعلى المؤمن أن
يعتقد اعتقاداً جازماً أن كل رزق سواء كان مادياً أو معنوياً، هو من الله وحده،
وهذا يحرر القلب من التعلق بالأسباب (وإن وجبت)، كما يتخلص من خوفه من المخلوق ولا
يخش إلا الله وحده.
الدرس الثاني: اتخاذ الأسباب مع ترك نتائجها كاملة على الله:
يقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو
خماصاً وتروح بطاناً» (رواه الترمذي)، فالإيمان المطلق بأن الله هو الرزاق، لا
يعني ترك العمل، والاكتفاء بالقعود منتظراً السماء تمطر رزقاً، فالله الذي تعهد
بالرزق، هو سبحانه الذي أمر بالعمل، لكن المسلم يعمل وهو على يقين بأنه الله
سبحانه من يفعل الأسباب أو يعطلها، فالطير توقن بالرزق، لكنها منذ الصباح الباكر
تسعى للحصول عليه، فتسعى وهي موقنة به.
الدرس الثالث: الاستغناء عن الحرام:
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (فاطر: 3)، فالمسلم حين يوقن أن الله هو الرزاق،
فيقرر حتماً أن يستغني عن طرق الكسب الحرام، لا يسرق، ولا يغش، ولا يحتال على
الخلق، ولا يحتكر السلع ليبيعها في وقت تشح فيه فيكسب المزيد نتيجة الجشع، فالرزق
مضمون من الله مع السعي الحلال والمشروع.
الدرس الرابع: القناعة لا تعني قبول الظلم:
قال صلى الله
عليه وسلم: »قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ
بِمَا آتَاهُ» (رواه مسلم)، ويجب أن يعلم المسلم أن القناعة بالقليل والرضا به لا
يعني أن يقبل المسلم بالدونية، أو أن يقبل الظلم والهضم وأكل حقه من الظالمين، بل رضا
القلب بما قسم الله له، مع السعي الحثيث لتحسين وضعه، يقول ابن مسكويه: «القناعة:
التساهل في المآكل والمشارب والزينة»(2)، وهي: «الرضا بما أعطى الله»(3).
الدرس الخامس: الكرم والشعور بالمسؤولية:
يقول تعالى: (وآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ
الَّذِي آتَاكُمْ) (النور: 33)، والمسلم معطاء، أمره الله عز وجل بالتكافل
والإنفاق، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنفق يا ابن آدم أنفق عليك» (متفق
عليه)، فالبعض يمسك خشية الفقر، وهو ما ليس من الإسلام في شيء، وهو يعلم أن المال
مال الله وما هو إلا مستخلف فيه، والإنفاق على الأهل، وإخراج الزكاة والصدقة ليست
منا منه ولا إحسانا، بل هو رد لحق الغير في أمانة لديه.
الدرس السادس: التوازن بين الدنيا والآخرة:
يقول تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ
الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77)،
فالتوازن سمت المسلم في كل أمره، فهو غير مبذر وغير مقتر، لا ينشغل بالبحث عن رزق
الدنيا، وينسى العمل لآخرته، ولا ينشغل بالآخرة ويترك الدنيا خربة وقد أمره الله
بتعميرها.
الدرس السابع: التعاون والتكافل الاجتماعي:
يقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا
نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم)،
فالمجتمع المسلم مجتمع متحاب متكامل ومتعاون ومتكافل في ذات الوقت، الفقير فيه
مصان، ولا يبيت فيه جائع وجاره شبعان، يحمل بعضه بعضا والجميع مطمئن إلى أن الرزاق
لن يتركه، أعضاءه كالجسد الواحد.
الدرس الثامن: الشكر العملي على النعم:
يقول تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7)، وشكر النعمة يكون بالإنفاق منها، يقول ابن
القيم: في كيف يكون العبد شاكراً: وكذلك حقيقته في العبودية وهو ظهور أثر نعمة
الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً، وعلى قلبه: شهودا ومحبة، وعلى جوارحه:
انقياداً وطاعة، والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له،
واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وألا يستعملها فيما يكره، فهذه الخمس هي أساس
الشكر وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة، وكل من تكلم
في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور(4).
الدرس التاسع: الرحمة بالخلق جميعاً:
يقول تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا
تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) (العنكبوت: 60)،
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر» (رواه البخاري)، فرحمة الله
تشمل كل المخلوقات، فوجب علينا نحن كمسلمين كذلك أن نرحمها، والإيمان بأن الله عز
وجل قد رزق جميع مخلوقاته إلى جانب الإنسان، يجعله كمؤمن أرق قلبا وأكثر رحمة بكل
كائن حي.
الدرس العاشر: الطمأنينة القلبية وعلاج القلق:
ومن أعظم الدروس
التي نخرج بها من اسم الله الرزاق، اطمئنان القلب والانشغال بما ينفع المسلم أكثر
من توقيف حياته لتحصيل المال والمتاع، فحين يوقن بقول الله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا
تُوعَدُونَ) (الذاريات: 22)، تطمئن نفسه وتهدأ ويسعى باتزان بين دنياه
وآخرته لأن الرزق مقدر ومكتوب، وأنه بيد الله بلا كسل، أو ملاحقة للدنيا بكل طريقة
ممكنة.
اقرأ أيضاً:
قراءة في كتاب
القواعد المثلى في أسماء الله الحسنى
7 قواعد لفهم أسماء الله الحسنى
__________________
(1) تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير.
(2) تهذيب
الأخلاق، ص 29.
(3) مشارق
الأنوار للقاضي عياض (2/ 187).
(4) مدارج السالكين، ابن القيم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً