الكاتبة المغربية نهيلة الهواري لـ«المجتمع»: الأسرة العربية تواجه تحديات وجودية

أسامة صبرة

29 يونيو 2026

110

الكاتبة المغربية نهيلة الهواري لـ«المجتمع»: الأسرة العربية تواجه تحديات وجودية

تزامنًا مع إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026م، التقت «المجتمع» بالكاتبة المغربية البارزة نهيلة الهواري، فكان هذا الحوار حول عدد من القضايا الفكرية والثقافية والأسرية.

  • نلتقي اليوم في الرباط وهي تحتفي بتتويجها الدولي كعاصمة عالمية للكتاب لعام 2026م، كيف ترصدين نبض هذه الدورة الاستثنائية، وبشكل خاص؟ وكيف تقرئين طبيعة الحضور الكويتي والخليجي في المعرض الدولي للكتاب بالرباط؟

- أهلاً بكم وبمجلة «المجتمع» الغراء في بلدكم الثاني المغرب، إن اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026م ليس مجرد تشريف، بل هو تكليف يترجم حيوية الحراك الثقافي المغربي وجاذبية العاصمة كملتقى للحضارات، في هذا السياق، جاء الحضور الكويتي والخليجي هذا العام ليمثل علامة فارقة؛ فلم يكن حضوراً بروتوكولياً أو مجرد منصات لبيع الكتب، بل تجلى كفعل ثقافي حيوي ممتد.

دولة الكويت، عبر الجناح الرسمي المتميز للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وبمشاركة واسعة من دور النشر الكويتية والخليجية، أثبتت مجدداً أنها تملك رؤية إستراتيجية للإشعاع المعرفي، لقد رأينا تدفق القراء المغاربة بمختلف مشاربهم نحو الأجنحة الكويتية، مدفوعين بـ«نوستالجيا» واعية وتقدير عميق للمنتج الفكري الكويتي الذي تربت عليه أجيال من المثقفين في المغرب العربي.

  • تذكرين «النوستالجيا الواعية» والتقدير لمنتجنا الثقافي؛ ما هي أبرز الركائز والصلات التاريخية التي تربط الوجدان الثقافي المغربي بدولة الكويت والخليج العربي عموماً؟

- الصلات بين المغرب والكويت ممتدة، ولها جذور ضاربة في عمق التنوير العربي، الكويت كانت، ولا تزال، بمثابة مستودع التنوير المشترك، المثقف المغربي لا ينظر إلى الإصدار الكويتي كمنتج وافد، بل كشريك في صياغة وعيه؛ فمجلات وسلاسل مثل «العربي»، و«عالم المعرفة»، و«عالم الفكر»، و«إبداعات عالمية»، و«الثقافة العالمية» شكلت على مدار عقود المعين الفكري الاقتصادي واليسير الذي نهل منه الطالب والأستاذ والمفكر المغربي.

هناك نوع من التكامل الفريد؛ فالخليج عموماً، والكويت على وجه الخصوص، تميزا بمأسسة العمل الثقافي وقوة حركة النشر والترجمة والتمويل، بينما تميز المغرب بالزخم الفلسفي، والنقد الأدبي، والعلوم السوسيولوجية، عندما يلتقي هذا التميز المؤسسي الكويتي بالعمق المعرفي المغربي في معرض الرباط، فإننا نشهد تكاملاً حقيقياً بين مشرق العالم العربي ومغربه، وتجاوزاً تاماً للمسافات الجغرافية لصالح فضاء الهوية الإنسانية المشتركة.

  • من خلال جولتكِ المهنية في المعرض، ما أهم الملامح والإصدارات الكويتية والخليجية التي استوقفتكِ هذا العام، وتحديداً في حقول الفكر والأدب؟

- تميزت المشاركة الكويتية والخليجية هذا العام بالجمع بين الأصالة التراثية والمعاصرة الرقمية والفلسفية، في الجناح الكويتي، شهدنا إقبالاً لافتاً على الأعداد الحديثة من سلسلة «عالم المعرفة» التي تناولت قضايا الذكاء الاصطناعي، وفلسفة العلوم، والتحولات الاقتصادية العالمية، وهي قضايا تهم القارئ المغربي المعاصر بشدة.

كما استوقفتني الإصدارات الأدبية الروائية الصادرة عن دور نشر كويتية وخليجية خاصة؛ حيث برزت روايات كويتية شابة تبتعد عن النمطية، وتغوص في تشريح التحولات الاجتماعية المعاصرة في مجتمع الخليج، أذكر أيضاً الحضور القوي للكتب المعنية بأدب الرحلات، وهو اختيار ذكي جداً من الناشرين يتناغم مع الاحتفاء بشخصية الدورة «ابن بطوطة»، لقد قدمت المؤسسات الثقافية الكويتية دراسات محققة ومترجمة متميزة حول الجغرافيا التاريخية وأدب الرحلة؛ ما أضفى بعداً علمياً رصيناً على المشاركة.

  • ننتقل إلى محور رئيس في هذا الحوار؛ كيف تقرئين القواسم المشتركة بين هموم المرأة والأسرة المغربية ونظيرتها الكويتية والخليجية على المستويين الثقافي والأدبي؟ وكيف ينعكس ذلك في تناول القضايا عبر حركة النشر؟

- هذا هو المحور الأجمل والأكثر عمقاً، عندما نتأمل نتاج الكاتبات في المغرب وفي الخليج، نكتشف أن الهم الإنساني والاجتماعي واحد، وإن اختلفت البيئات الجغرافية أو التفاصيل اللوجستية، الأسرة العربية، سواء في الرباط أو في الكويت، تواجه تحديات وجودية مشتركة في عصر العولمة الرقمية والتسارع الاقتصادي.

على المستوى الثقافي والأدبي، نجد تقاطعاً كبيراً في تناول القضايا التالية:

1- جدلية الأصالة والمعاصرة: الكاتبة المغربية والكاتبة الكويتية تخوضان ذات المعركة الفكرية؛ كيف تحافظ المرأة والأسرة على الهوية والقيم الأصيلة، وفي ذات الوقت تنفتح على العصر وتكتسب أدوات التمكين الحديثة دون ذوبان أو استلاب.

2- إعادة صياغة الأدوار الاجتماعية: الأدب النسائي في الجانبين يناقش بقوة قضايا الأمومة العاملة، ومسؤولية التربية المشتركة، والضغوط النفسية والاجتماعية التي تقع على كاهل المرأة المعاصرة التي تحاول الموازنة بين طموحها المهني والمعرفي وبين استقرار بيتها.

3- حماية الطفولة والناشئة: هناك قلق مشترك ينعكس في الإصدارات المعروضة حول أثر الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي على تماسك الأسرة وبناء وعي الطفل.

4- بالحديث عن حركة النشر، كيف تقيمين نصيب المرأة الكاتبة في المغرب والخليج من كعكة النشر؟ وهل تختلف الجرأة في طرح المواضيع وقضايا الطفل والأسرة بين المنطقتين؟

في السنوات الأخيرة، شهدنا طفرة هائلة؛ فالمرأة في المغرب وفي الخليج لم تعد مجرد مستهلكة للثقافة أو قارئة، بل أصبحت صانعة محتوى، وكاتبة، وناشرة، ومديرة لمؤسسات فكرية، في الخليج، والكويت نموذجاً، هناك دعم مؤسسي واقتصادي وحوافز وجوائز أدبية رفيعة مكنت المرأة من إيصال صوتها وتأسيس دور نشر خاصة بها تعنى بقضايا الأسرة والطفل، وفي المغرب، تملك المرأة رصيداً نقدياً وسوسيولوجياً كبيراً يسمح لها بتشريح الواقع بعمق.

أما بخصوص الجرأة وطريقة التناول؛ فالأمر نسبى ومثير للاهتمام، الكاتبة المغربية، تاريخياً، متأثرة بالمدرسة الفرنكوفونية والعمق السوسيولوجي -مثل إرث الراحلة فاطمة المرنيسي- لذا تجد تناولها لقضايا المرأة يتسم بجرأة نقدية وهيكلية تفكيكية للبنى الاجتماعية المحافظة.

بالمقابل، الكاتبة الكويتية والخليجية أصبحت اليوم تقدم طرحاً لا يقل جرأة ونضجاً، لكنه ينطلق من خصوصية مجتمعها؛ فهي تشرّح قضايا الأسرة، والزواج، والطلاق، والصمت الزوجي، والتحولات الاقتصادية وأثر الوفرة المالية بذكاء أدبي رفيع، ودون صِدام عارٍ مع الثوابت، بل برغبة حقيقية في الإصلاح والترميم الاجتماعي.

  • من الملاحظ في المعرض هذا العام وجود اهتمام متزايد بأدب الطفل والناشئة، أين يقع هذا الملف في منظومة النشر النسائي والأسري بين الخليج والمغرب؟

- أدب الطفل هو الرهان الحقيقي لحماية مستقبلي الثقافي، وهنا يجب أن نشيد بالدور الكويتي الرائد تاريخياً عبر مجلة «العربي الصغير» التي ربت عقول الملايين، في معرض 2026م بالرباط، نلاحظ أن الكاتبات والناشرات من الجانبين يقمن بدور قيادي في هذا المجال.

المرأة، بحكم أمومتها ورهافتها، هي الأقدر على فهم احتياجات الطفل النفسية والمعرفية؛ لذا رأينا في أجنحة الكويت والخليج، وكذا في دور النشر المغربية، إصدارات متميزة توظف الوسائط التفاعلية والقصص الهادفة المكتوبة بلغة عربية سلسة ومحببة، لتعزيز قيم الانتماء والأخلاق، ومواجهة سيل المحتويات الرقمية الغربية الوافدة، هناك وعي نسائي متزايد بأن تحصين الأسرة يبدأ من بناء مكتبة الطفل وتنمية مهارات التفكير النقدي لديه منذ الصغر.

  • في ختام هذا الحوار، ما الرسالة أو الاستشراف المستقبلي الذي تودين توجيهه للمؤسسات الثقافية والمبدعين في الكويت والخليج والمغرب العربي؟

- رسالتي ضرورة الانتقال من مرحلة الالتقاء الموسمي في معارض الكتب، إلى مرحلة الاستدامة الإستراتيجية، والرباط كعاصمة عالمية للكتاب لعام 2026 يجب أن تكون نقطة انطلاق لإنشاء منصات ومشاريع ثقافية مشتركة ودائمة بين الخليج والمغرب.

نحن بحاجة إلى ورش عمل مشتركة بين الكاتبات والباحثين في الكويت والمغرب لدراسة قضايا الأسرة والطفل وتحديات العصر بشكل علمي، وترجمة هذه الدراسات إلى أعمال أدبية ومحتويات إعلامية ورقمية هادفة، كما أتمنى رؤية مبادرات كويتية-مغربية مشتركة لدعم المبدعين الشباب والناشرات الناشئات، والتكامل الفكري بيننا حصننا الحصين في وجه العولمة الجارفة، والمعرفة هي الجسر الأبدي الذي لا تمسه رياح الأزمات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة