فقه القلب زمن الفتن..
كيف ينجو القلب من الفتنة؟ سؤال شريح القاضي عن الهوى
أورد الذهبي عن
مُغِيْرَة قَالَ: كَانَ لِشُرَيْحٍ بَيْتٌ يَخْلُو فِيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، لَا
يَدْرِي النَّاسُ مَا يصنع فيه، وَقَالَ مَيْمُوْنُ بنُ مِهْرَانَ: لَبِثَ
شُرَيْحٌ فِي الفِتْنَةِ يَعْنِي: فِتْنَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ تِسْعَ سِنِيْنَ لَا
يَخْبَرُ فَقِيْلَ لَهُ: قَدْ سَلِمْتَ قَالَ: كيف بالهوى(1)؟
تقدم هذه
الرواية صورة دقيقة لشخصية شريح القاضي في زمن من أكثر الأزمنة اضطرابًا في
التاريخ الإسلامي المبكر؛ حيث وقعت فتنة عبد الله بن الزبير وما رافقها من صراعات
سياسية واجتماعية واسعة، ولم يكن شريح القاضي رجلًا بعيدًا عن المشهد، بل كان قاضيًا
معروفًا، وموقع القضاء في أوقات الاضطراب يجعله عرضة لضغوط السلطة والجمهور وأصحاب
الاتجاهات المختلفة.
ومع ذلك، فإن
الرواية لا تقدم لنا مجرد موقف اعتزال أو صمت، بل تكشف عن مدرسة في التعامل مع
الفتن، تقوم على فهم عميق للنفس الإنسانية، وإدراك أن أخطر المعارك ليست دائمًا في
ساحات النزاع الظاهرة، وإنما في داخل القلب حين يتسلل إليه الهوى والتعصب والميل
الخفي.
حين تصبح نجاة القلب أعظم من سلامة البدن
لم يكن سؤال
شريح القاضي عند سماعه قول الناس: "قد سلمت" سؤال رجل يبحث عن تزكية نفسه أو
إعلان براءته، بل كان سؤالًا يكشف عن ميزان مختلف للنجاة، فالناس عادة يقيسون
السلامة بمقاييس ظاهرة؛ لم يُقتل، لم يدخل حربًا، لم يحمل سلاحًا، لم يتعرض للأذى،
أما شريح القاضي فانتقل بالسؤال إلى طبقة أعمق: كيف نجا القلب من آثار الفتنة؟
ولهذا قال: «كيف
بالهوى؟»؛ لأن الإنسان قد ينجو من الاشتباك الخارجي لكنه لا ينجو من الانحياز
الداخلي، وقد يسلم بدنه بينما يتأثر قلبه بميل أو تعصب أو رغبة في الانتصار لفريق
دون بصيرة.
وهذا المعنى
ينسجم مع توجيه القرآن الكريم في التحذير من اتباع الهوى: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ) (ص: 26)، فالهوى ليس مجرد رغبة عابرة، بل قوة داخلية قد
تحرف ميزان الإنسان إذا لم يراقبها.
ومن هنا يظهر أن
شريحًا كان ينظر إلى الفتنة بمنظار تربوي قبل أن يكون سياسيًا؛ إذ رأى أن أخطر ما
تتركه الفتن ليس فقط آثارها في المجتمع، بل آثارها في النفوس التي تعتاد الخصومة
والانحياز.
ومثله اعتزال
محمد بن الحنفية للفتنة ورفضه الانخراط في القتال أو الانحياز الأعمى حين اشتد
النزاع، مقدماً سلامة قلبه ودينه على نداءات الاستنصار، حيث كتب رداً حاسماً: «أما
بعد، فإن أحب الأمور كلها إليّ ما أطيع الله فيه، فأطع الله فيما أعلنت وأسررت،
واعلم أني لو أردت القتال لوجدت الناس إليّ سراعا، والأعوان لي كثيرة، ولكني
أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين»(2).
كيف تحمي الخلوة المنتظمة المسؤول من الضجيج؟
قول مُغِيْرَة: «كان
لشريح بيت يخلو فيه يوم الجمعة، لا يدري الناس ما يصنع فيه» يكشف عن جانب مهم من
شخصية العالم والقاضي؛ فالعظمة العلمية لا تنشأ فقط من كثرة المخالطة والحديث، بل
تحتاج كذلك إلى لحظات مراجعة وخلوة.
فالإنسان الذي
يعيش وسط مطالب الناس، وأسئلة الخصوم، وضغوط المسؤولية، يحتاج إلى مساحة يعود فيها
إلى نفسه بعيدًا عن تأثير الآخرين، ولم تكن خلوة شريح هروبًا من المسؤولية، وإنما
كانت وسيلة لحماية المسؤولية من أن تفسدها ضوضاء الخارج.
وهذا المعنى
يلتقي مع هدي الإسلام في أهمية تزكية النفس ومحاسبتها، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ
خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس)، فالتزكية تحتاج إلى لحظات صمت وتأمل يراجع فيها
الإنسان دوافعه ونواياه.
وقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك قبل البعثة، حيث أدرك الحاجة الماسة لمساحة من العزلة
والخلوة بعيداً عن ضجيج الناس ليعيد لنفسه توازنها ويزكيها، فتقول عائشة رضي الله
عنها: «ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ،
فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ
أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى
خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ
حِرَاءٍ»(3).
وفي واقع الناس
اليوم، حيث تتزاحم الأخبار والتنبيهات والآراء المتصارعة، تصبح الخلوة الواعية
حاجة تربوية وليست رفاهية؛ لأن الإنسان الذي لا يملك لحظات ينفصل فيها عن ضجيج
العالم قد يفقد القدرة على رؤية نفسه بوضوح، وما أجمل ما قاله جعفر بن محمد الصادق
في معالجة هذه الحالة: «السعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها»(4).
كيف يمنع الانضباط النفسي اشتعال الأزمات؟ درس من حياة شريح القاضي
لبث شريح القاضي تسع
سنين في زمن الفتنة لا يستخبر عنها، وهذه الصورة تشير إلى نوع من الانضباط النفسي
النادر، فالفضول في أوقات الأزمات يتحول سريعًا إلى مشاركة غير مباشرة في صناعة
التوتر؛ إذ تنتقل الأخبار، وتتضخم الروايات، ويتحول الإنسان أحيانًا إلى ناقل
لمناخ الصراع ولو لم يقصد.
وكان شريح القاضي يدرك
أن موقعه لا يسمح له بأن يكون جزءًا من الانفعال الجماهيري، فالقاضي يحتاج إلى قلب
متزن وعقل غير أسير للمؤثرات المتغيرة.
وقد جاء في
الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ
خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»(5)، فالصمت هنا ليس عجزًا عن الكلام، وإنما
قدرة على الحكمة في اختيار اللحظة المناسبة للكلام والفعل.
وقد عالج النبي
صلى الله عليه وسلم بحكمة بالغة مشهداً خطيراً يوم «فتح مكة» حين قال سعد بن عبادة
رضي الله عنه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس،
حبذا يوم الدمار! ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب، فيهم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع
الزبير بن العوام، فلما مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: «ما قال؟»، قال: كذا وكذا،
فقال: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، يوم تكسى فيه الكعبة»(6).
ومن ذلك أيضاً
حكمة عبدالله بن عمر بن الخطاب وصمته الحازم في زمن الفتنة وعدم انجراره خلف
الانفعالات الزائفة أو المساهمة في إشعال الصراعات، وذلك حين لقيه مصعب بن الزبير
بعد تسببه في مقتل الآلاف مبرراً فعله بأنهم كفرة سحرة، فواجهه ابن عمر بحكمة من
لا يضيف للحرب شرعية قائلاً: «والله لو قتلت عدتهم غنماً من تراث أبيك لكان ذلك
سرفاً»(7).
وفي المؤسسات
والمجتمعات المعاصرة يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فالقائد أو المسؤول الذي يندفع إلى
التعليق على كل أزمة، أو يتفاعل مع كل موجة إعلامية، قد يفقد هدوء القرار، أما
الصمت المؤقت الذي يصاحبه تفكير وجمع للمعلومات فهو صورة من صور الحكمة الإدارية.
القاضي العادل يبدأ بمحاكمة نفسه قبل الآخرين
تكشف شخصية شريح القاضي عن قاعدة أساسية في القيادة القضائية والأخلاقية؛ أن من لم يراقب ميوله الداخلية
قد يصعب عليه تحقيق العدل الكامل مع الآخرين.
فالقاضي لا
يحتاج فقط إلى معرفة الأحكام، بل يحتاج إلى مجاهدة النفس؛ لأن الإنسان قد يتأثر
بموقف سابق، أو بعاطفة اجتماعية، أو بصورة ذهنية تشكلت لديه دون شعور.
ولهذا كان خوف
شريح من الهوى خوف العالم الذي يعرف طبيعة النفس البشرية، وليس خوف الضعيف المتردد،
فالوعي بالميل الداخلي هو بداية التحرر منه.
ولهذا غضب النبي
صلى الله عليه وسلم حين حاول أسامة بن زيد رضي الله عنه الشفاعة في المرأة
المخزومية التي سرقت، فقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم ميزان العدل مبتدئاً
بمحاكمة أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه افتراضياً قبل الآخرين، فعن أم المؤمنين
عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ
الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ
إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ!»، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: «أَيُّهَا
النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ
فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا
عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ
لَقَطَعْتُ يَدَهَا»(8).
وهذا المبدأ
يتجاوز القضاء إلى كل مجالات المسؤولية؛ فالمعلم، والمدير، والداعية، ورب الأسرة،
كلهم يحتاجون إلى سؤال شريح: هل أنا أتصرف بالحق أم بما أميل إليه؟
وسائل حماية البصيرة في زمان الفتن المعاصرة
تتغير صور الفتن
عبر العصور، لكن طبيعة الإنسان فيها تكاد تتكرر، ففي كل أزمة يظهر ضغط الجماعة،
وانتشار الأخبار، وسرعة إصدار الأحكام، والرغبة في الانتصار للموقف قبل التثبت من
الحق.
وتعلمنا سيرة
شريح أن مواجهة الفتن لا تكون دائمًا بكثرة الكلام، بل قد تكون بحفظ اللسان، وضبط
العاطفة، وتقليل التعرض لما يثير الانفعال، والعودة إلى معيار الحق.
ولا يعني ذلك
ترك المسؤولية أو الانعزال عن المجتمع، وإنما يعني أن المشاركة النافعة تحتاج إلى
نفس مستقرة وعقل متزن، فالإنسان الذي لا يملك زمام قلبه قد يصبح جزءًا من المشكلة
وهو يظن أنه يبحث عن الحل.
فإذا أراد
المسلم أن يحفظ بصيرته فعليه أن يزن نفسه بميزان الرضا الإلهي، فيجعله نصب عينيه، وقد
أكد أبو حازم الأعرج هذا المعنى حين كتب إلى الزهري يقول له: «انظر أي رجل تكون
إذا وقفت بين يدي الله عز وجل؟ فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك
كيف قضيتها، ولا تحسبن الله راضيا منك بالتغرير، ولا قابلا منك التقصير، هيهات ليس
كذلك!»(9).
لماذا تختصر عبارة «كيف بالهوى» تجارب الحياة؟
تكمن قوة
الرواية في قصرها الشديد؛ فكلمة واحدة: «كيف بالهوى؟» تحمل بناءً كاملًا من معاني
التزكية والمراقبة والخوف من الله.
فلم يسأل شريح
عن سلامة الجسد، ولا عن النجاة من الخطر الخارجي، بل سأل عن أمر لا يراه الناس؛
حركة القلب، وهذه إحدى خصائص كلام الحكماء؛ أن العبارة الموجزة قد تختصر تجربة عمر
كامل.
لقد ترك شريح
للقارئ قاعدة باقية؛ أنه ليست كل نجاة نجاة، ولا كل ابتعاد عن الصراع سلامة،
فالعبرة بما يتركه الحدث في القلب، وبما يصنعه الإنسان في خلوته حين لا يراه أحد.
إن شخصية شريح القاضي تقدم نموذجًا للعالم الذي جمع بين العلم والورع، وبين مسؤولية المنصب وخوف النفس، وبين حضور المجتمع وحفظ القلب، وفي زمن تكثر فيه الأصوات وتتشابك المواقف، تبقى حاجتنا قائمة إلى ذلك السؤال العميق: كيف بالهوى؟
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 52).
- 2 البداية والنهاية (8/ 305).
- 3 متفق عليه، أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160).
- 4 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 393).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (6110)، ومسلم (47).
- 6 صحيح البخاري (4030).
- 7 تاريخ دمشق: ابن عساكر (69/ 297).
- 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (3288)، ومسلم (1688).
- 9 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 246).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً