أكاديمي إندونيسي لـ«المجتمع»: نريد بناء عقل ديني متزن لمواجهة الخرافة
إلى جانب طبيعة
جزرها الساحرة، تظل أبراج جاكرتا وناطحات السحاب شاهدة على جمال العمران والحداثة
في إندونيسيا.
البعض يردد أن
وراء هذه الجدران المرئية ناطحات مخفية من عالم السحر والشعوذة التي لها عالمها
الخاص، ولا يمتّ بصلة إلى عالم التمدين والحضارة.
هذا العالم
اختلطت فيه الحقيقة بالأسطورة، وروح الشريعة بالعالم الروحاني، والأذكار المشروعة
بالأوراد الخاصة؛ ما ولّد حالة من الجدل والحيرة.
«المجتمع» أرادت
أن تكشف الحقيقة، وما تخفيه إندونيسيا من عالمها غير المرئي؛ حيث تواصلت مع أندي
هاديانتو، المحاضر في جامعة جاكرتا الرئيس العام لاتحاد أساتذة التربية الإسلامية
بإندونيسيا، الذي كشف بوضوح حقيقة ما يتم تداوله حول العالم الروحاني في البلاد.
- كتب
تروج للسحر تباع على الأرصفة والطرقات في شوارع إندونيسيا، والسحر له مدارس خاصة،
ما حقيقة ذلك؟
- بداية، يجب
التنبيه إلى أنَّ سكان الأرخبيل الإندونيسي في بدايات إسلامهم واجهوا صعوبة في نطق
العربية وفهمها، ولذلك قام دعاة الإسلام الأوائل بترجمة الأدعية وخلطها ببعض
العبارات المحلية تسهيلًا للفهم، لا انحرافًا عن الشريعة.
والحقيقة أن
الكتب التي تُباع في شوارع إندونيسيا ليست كتب سحر، بل هي كتب للأدعية والأوراد
اليومية التي لا غنى للمؤمن عنها في تحصينه.
أما ظاهرة الخلط
بين الأذكار المشروعة والشعوذة فهي حالات نادرة جدًا، لا تكاد تُرى إلا في بعض
التقاليد المحلية الروحية.
- ينتشر
بإندونيسيا نوعان من السحر (الأبيض والأسود)، ما الفرق بينهما؟ وهل توجد مدن
بعينها تختص بهذين النوعين من السحر؟
- في الحقيقة ما
يسمى بالسحر الأبيض أو الأسود إنما هو تعبير أنثروبولوجي عن محاولة الإنسان
الإندونيسي القديم فهم العالم من حوله في ظل محدودية معارفه ووسائل إدراكه.
ففي المراحل
الأولى لم يكن الإنسان قادراً على تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية تفسيراً
علمياً، فاعتقد أن وراء كل حدث قوة خفية تديره، فإذا نزل المطر أو أخصبت الأرض،
نسب لقوة «بيضاء»، وإذا حلّ الجفاف أو الفشل، كان لقوة شريرة «سوداء»، ومن هنا ولد
في مخياله الشعبي مفهوم «السحر الأبيض والأسود».
لا بد من فهم مقاصد النص القرآني وترجمته
إلى سلوك إنساني
وهذه الظاهرة
تعبر في حقيقتها عن مرحلة من مراحل تطور الوعي الاجتماعي والديني، حيث يسعى
الإنسان من خلالها إلى التوفيق بين الموروث الثقافي والإيمان الديني، في رحلة نحو
النضج الفكري والروحي.
- هل
اللجوء إلى السحر أمر يستشري في مجتمعات المسلمين فقط، أم يشمل غير المسلمين؟
- هذه الظاهرة
لا تقتصر على المسلمين وحدهم، بل يمكن ملاحظتها في أتباع جميع المعتقدات،
كالمسيحية والهندوسية والبوذية.. وغيرها.
وهناك عادات
تظهر عند فئات من الناس لم يكتمل نضجهم في الإدراك الديني، لأنهم ما زالوا يعيشون
في مستوى إدراكي أوّلي، تختلط الرموز بالمعاني والمقدس بالعادي.
- يتردد
أن العاملات الإندونيسيات في دول الخليج يمارسن السحر، ما صحة ذلك؟
- ما يقال عن
العاملات الإندونيسيات في الخارج بأنهن يمارسن السحر أو يحملن كتباً للسحر، اتهام
باطل لا يقوم على دليل، والحقيقة أن تلك الكتب التي يحملنها ليست كتباً للسحر ولا
طلاسم، بل أدعية وأذكار نبوية، يقصدن منها التقرب إلى الله وطلب الحماية في
الغربة.
السحر يستشري بين أتباع المسيحية
والهندوسية والبوذية
ومعظم هؤلاء
النسوة بسيطات، لم يصلن بعد إلى النضج الكامل في التفكير الديني والنفسي، لذلك
يقرأن الأدعية والأوراد من كتب صغيرة مبسطة، ليست أبداً ممارسات غيبية أو سحرية،
ومن الخطأ الفادح تفسير هذه الظاهرة على أنها ممارسة للسحر؛ لأن السحر في جوهره
قائم على النية لإيذاء الآخرين.
- يتم
الترويج للممارسات الغيبية كإحدى قوى السحر، كيف ترى ذلك؟
- ظاهرة ما يعرف
في بعض المجتمعات الإندونيسية بالأعمال أو الممارسات الغيبية هي في جوهرها تعبير
عن طريقة الإنسان في التعامل مع طاقات الكون التي أودعها الله فيه.
فالعالم الطبيعي
بما فيه من طاقات ليس خرافة ولا وهْماً، بل هو مجال للتسخير والإبداع، غير أن
الفرق الجوهري يكمن في الأداة المعرفية التي يستخدمها الإنسان في التعامل معه، فمن
يعتمد العقل والمنهج العلمي في فهم قوانين الطبيعة؛ يرَ في الطاقة وسيلة للعمران
وتحقيق مقاصد الرحمة والخير، ومن يعتمد العاطفة والخرافة والانفعال؛ يرَ فيها أداة
للانتقام.
- هناك
عادات إندونيسية مثل العيش مع الموتى وقطع الأصابع، كيف تفسر استمرار مثل هذه
العادات مع التقدم العلمي؟
- هذه القصص
منتشرة في بعض وسائل الإعلام، هي هوس استشراقي قديم يصور المجتمعات الشرقية وكأنها
بدائية وغارقة في الطقوس الغريبة.
منصات السحر والشعوذة تسعى إلى تحقيق
مكاسب مادية
وهذه الروايات
الاستعمارية تصف شعوب الأرخبيل بذلك، لتظهرها بمظهر الشعوب المتخلفة وتبرر سيطرة
المستعمرين عليهم باسم التحديث والتحضير.
- هل
توجد برامج ومنصات إعلامية تدعو إلى السحر والشعوذة وتروّج له؟
- لا شك أن مثل
هذه المحتويات موجودة في وسائل الإعلام وخصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ
يسعى أصحابها في الغالب إلى تحقيق الشهرة وجمع الإعجابات والمشتركين والوصول في
النهاية إلى مكاسب مادية، فهي صناعة مقصودة تهدف من جهة إلى الربح المادي، ومن جهة
أخرى إلى تغذية الجهل الجماعي والتأثير في عقول الناس بطريقة سطحية وعاطفية.
- ما
دور الدعاة والأئمة في نشر الوعي والتحذير من خطورة السحر؟ وما التحديات التي
تواجههم؟
- يواجه الدعاة
تحديات كبيرة أهمها التدين التقليدي، والتدين النصي الذي يفصل النصوص عن مقاصدها،
وتسييس التدين.
والدعوة ليست
مجرد وعظ وتذكير، بل هي عملية تربوية معرفية تهدف إلى بناء عقل ديني متزن يقرأ
النص في سياقه، ويفهم مقاصده، ويترجمه إلى سلوك إنساني.
ولتحقيق هذا
الهدف، لا بد للدعاة من اتّباع إستراتيجية شاملة تجمع بين التعليم والتثقيف.
اقرأ
أيضاً:
«المجتمع» ترصد حيل السحرة لاصطياد الضحايا
«اقتصاد الانتباه» يجتذب الضحايا إلى أوكار السحر
الخبير الرقمي
أحمد الزعبي لـ«المجتمع»: الفراغ الروحي وراء الإقبال على السحرة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً