بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله.. معادلة النصر في زمن تفوُّق الخصوم
بين الأخذ
بالأسباب والتوكل على الله، تتجلى أعمق معاني الإيمان العملي، إذ لا ينفصل الجهد
البشري عن الثقة المطلقة بعناية الله وتدبيره، ففي زمن تتفوق فيه الأمم بالقوة
المادية، وتتسارع فيه أدوات التقنية، وتتراكم فيه عناصر الهيمنة لدى الخصوم؛ قد
يظن البعض أن ميزان النصر يحسم بالأرقام وحدها، غير أن سنن التاريخ تثبت أن الغلبة
ليست ثمرة القوة المجردة، بل حصيلة معادلة دقيقة تجمع بين إعداد محكم، وعمل دؤوب،
وإيمان راسخ بأن النتائج بيد الله يؤتيها من يشاء.
إن الأخذ
بالأسباب ليس نقيضاً للتوكل، بل هو شرطه الصادق؛ فالتوكل الحق لا يعني انتظار
المعجزات، وإنما يعني استفراغ الوسع في التخطيط والبناء والإعداد، ثم تسليم القلب
مطمئناً إلى حكمة الله وعدله، وحين تختل هذه المعادلة، إما بالركون إلى الأسباب
وحدها، أو بالاكتفاء بالأماني دون عمل؛ تضيع بوصلة النصر ويختل ميزان الثبات.
من هنا تنبع
الحاجة إلى إعادة قراءة مفهوم النصر في زمن تفوق الخصوم؛ كيف نوازن بين واقعية
التخطيط وعبادة التوكل؟ وكيف نحول الإيمان إلى طاقة عمل، والعمل إلى عبادة، فنصوغ
من تلاقيهما طريقاً يمهد لفجر الغلبة مهما ادلهمت التحديات؟
مفهوم التوكل الصحيح
عرف التوكل
بأنه الثقة بما عند الله، واليأس عما في أيدي الناس(1)، وعرفه آخرون
بأنه الثقة بالله في العهود، يعني أن تؤمن بأن ما كان مقدراً لك فهو واصل إليك ولو
عارضك العالم، وكل ما لم يقسم لك فلن تحصل عليه بجدك واجتهادك، وقال بعضهم: التوكل
هو أن يتساوى عندك الكثير والقليل والموجود والمفقود(2)، وقال غيرهم:
هو الاعتماد على الله وعدم الالتفات إلى ما عداه(3).
وبذلك يكون
التوكل على الله عبادة قلبية، يتمثل في التبرؤ من الحول والقوة إلا بالله، ويرافقه
عمل الجوارح وبذل الأسباب الموصلة إلى الغاية المنشودة، ولذلك قال الله آمراً نبيه
الكريم صلى الله عليه وسلم: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا
يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً) (الفرقان: 58)، وقال تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ
الْمُبِينِ) (النمل: 79)، وقال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (الأحزاب: 3)، وقال تعالى (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ
يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159).
وتظهر هذه
الآيات أن التوكل في القرآن لم يأت بمعزل عن العمل، بل اقترن بالتسبيح، والثبات
على الحق، وبذل الأسباب، واتخاذ القرار بعد العزم، فهو اعتماد قلبي على الله
يواكبه سعي عملي وجهد مبذول، لتتحقق معادلة الإيمان الصادق القائم على الجمع بين
الثقة بالله والأخذ بالأسباب.
سُنة الأخذ بالأسباب
إن الأخذ بالأسباب سُنة ربانية لا يتحقق النصر والنجاح إلا بها؛ فقد أمر الله بالإعداد فقال:
(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن
قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)، فجمع بين الإيمان والعمل، وتجسد ذلك في قصة ذي القرنين
حين خطط وبنى السد وأحسن التنظيم حتى حقق الهدف المطلوب.
وفي السيرة
النبوية نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم خطط للهجرة بدقة؛ فاختار
الرفيق وحدد الطريق وأعد الزاد والدليل، وفي «الأحزاب» حفر الخندق، وحسب حينها
تقدماً تقنياً عسكرياً وفكرة جديدة استفادها من الفرس من خلال الصحابي الجليل
سلمان الفارسي، كما أرسل العيون وفاوض وأبرم اتفاقات، واليوم يعد التقدم العلمي
والتقني جزءاً أصيلاً من واجب الإعداد، إذ لا يكتمل الأخذ بالأسباب دون امتلاك
أدوات المعرفة والقوة؛ فالإيمان الحق يقتضي تخطيطاً إستراتيجياً وبذلاً واعياً لكل
أسباب النصر.
فتنة الانبهار بقوة العدو
بعد إيضاح معنى
التوكل ولزوم الأمر أن نأخذ بالأسباب؛ نشير إلى هذا الأمر المهم، الذي يتمثل في
تضخيم قوة العدو في النفوس، إذ ينافي هذا عبادة التوكل على الله، واليقين بوعد
الله ونصره، بل حتى اليقين بأن الله هو أكبر وأعظم وأنه لا حول ولا قوة إلا به.
ثم إن هذا
التضخيم يتحول من خوف إلى شعور بالعجز والاستسلام قبل وقوع المواجهة، فيتنافى هذا
أيضاً مع الأخذ بالأسباب وبذل الجهد، ومن هنا جاء القرآن محذراً من الاستجابة لحرب
الشائعات والتخويف (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) (آل عمران: 173)، «فاحذروهم واتقوا لقاءهم فإنه لا طاقة لكم بهم»(4)،
فالمؤمن الذي توكل على الله وبذل جهده كان حاله وموقفه (فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173).
وفي غزوة «أُحد»
كان موقف المثبطين وقولهم: (الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ
وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ
الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران: 168)، ومع تكرار هذا التصور؛ تتضخم صورة القوة المادية حتى
تنسي القلوب أن هذه الأسباب ذاتها خاضعة لإرادة الله، يؤتي أثرها من يشاء ويمنعها
عمن يشاء، وأخطر من ذلك أن يتعلق القلب بالعدة والعدد بدل تعلقه بالله؛ فيختزل
مفهوم القوة في الإمكانات الظاهرة، ويغفل مصدر التمكين الحقيقي.
نحو معادلة النهوض والنصر
هذه المعادلة لا
تقوم على بُعد واحد، بل على تكامل واع بين الإعداد الشامل واستحضار السنن الإلهية،
فأول أركانها إعداد علمي وتقني واقتصادي وعسكري متكامل؛ إذ أمر الله تعالى بقوله: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن
قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)؛ فجعل الإعداد على قدر الاستطاعة واجباً دائماً، والقوة
اليوم لا تقتصر على السلاح، بل تشمل المعرفة، والبحث العلمي، والاقتصاد المنتج،
وبناء الإنسان الكفء القادر على المنافسة.
وثانيها: صناعة
وعي راسخ يدرك أن التفوق المادي لا يعني حتمية النصر، وقد بين الله في كتابه: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ) (البقرة: 249)، فمعيار الغلبة أوسع من الحسابات الظاهرة، وهذا الوعي
يحفظ الأمة من الهزيمة النفسية، ويمنعها من الاستسلام لمنطق الأرقام وحده.
وثالثها:
استحضار سُنن الله في التداول والتمكين؛ قال تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ) (آل عمران: 140)، فإن تداول الأيام بين الأمم قانون ماض، والتمكين ثمرة
لا تنال إلا بإصلاح جاد وعمل متواصل، وحين يلتقي الإعداد المنهجي بالوعي العميق
واستحضار سُنن الله في التغيير؛ تتشكل معادلة النهوض التي تمهد لطريق النصر بخطوات
ثابتة وروح مفعمة بالرجاء.
ومع هذا الفهم، يصبح لزاماً الجمع بين إحكام الأسباب وترسيخ الثقة بالله؛ فتكون الوسائل مسخرة في الأيدي، سيراً بقانون بذل السبب، ويظل الاعتماد الصادق مستقراً في القلوب، انطلاقاً من عبادة التوكل على الله، وبهذا الاتزان لا تتحول الأدوات إلى غاية، ولا يحجب بريق الظاهر حقيقة أن التدبير أولاً وآخراً بيد الله القوي القاهر.
اترك تعليقاً
التعليقات (1)
صباح محمد احمد
منذ 7 أشهراحسنت د. محمد السبأ بالفعل التوكل على الله لا ينافي الإعداد والأخذ بالاسباب بل هو من التوكل واستشهدت بالآية القرانية وأعدو لهم ما استطعتم من قوة وهذه توصية رب العالمين عز وجل لأولياءه المؤمنين صدق الله العظيم واحسنت يا دكتور