7 أخطار للوقوع في اليأس من روح الله
في مسيرة الحياة،
يواجه الإنسان كثيراً من المتاعب والمحن التي تزيده قوة وصلابة أحياناً، أو تخور
تلك القوة فيضعف ويكتئب أحياناً أخرى، لكن يظل الأمل في رحمة الله خيطاً خفياً
يحفظ التوازن بين الخوف والرجاء، ويظل الخطر الأكبر أن يزول ذلك الخيط فيقع
الإنسان في اليأس من رحمته سبحانه، فيفقد على إثر ذلك البوصلة، والضوء الذي ينير
له حياته في غياهب ظلمات الدنيا بغير هدى من الله.
وقد حذر الله تعالى
من مغبة اليأس مهما بلغت الذنوب، يقول تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ
أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا) (الزمر: 53)، ويقول سبحانه: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87)؛ إذاً اليأس يعد انحرافاً عقيدياً
يهدم حسن الظن بالله، ويهز الثقة في وعده، ولذلك فإن معالجة ذلك المرض داخل النفوس
ضرورة إيمانية وتربوية.
ذم اليأس
واليأس انقطاع
الطمع بعد الرجاء(1)، وقد حذر القرآن من اليأس من روح الله، ووصفه بالضلال،
لما فيه من تشكيك في موعود الله بالمغفرة لمن يتوب، قال تعالى: (قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ
تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ {55} قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ
إِلاَّ الضَّآلُّونَ) (الحجر)، قال الطبري: قال ضيف إبراهيم له: بشرناك بحقِّ يقين،
وعلم منَّا بأن الله قد وهب لك غلامًا عليمًا، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل
الله فييأسون منه، ولكن أبشر بما بشرناك به واقبل البُشرى، فقال إبراهيم للضيف:
ومن ييأس من رحمة الله إلا القوم الذين قد أخطؤوا سبيل الصواب، وتركوا قصد السبيل
في تركهم رجاء الله، ولا يخيب من رجاه، فضلوا بذلك عن دين الله(2).
وعن أبي هريرة قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة
رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم
الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي
عند الله من العذاب لم يأمن من النار» (رواه البخاري)، وقال عن النبي صلى الله
عليه وسلم: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم
الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (رواه مسلم).
فلا ينبغي أن
يسكن القنوط واليأس قلب عبد مصدق بهذه النصوص الربانية والنبوية العظيمة، تلك التي
تفتح باب الأمل لرحمة الله، فمعها يقبل الإنسان على مولاه دون يأس ليفتح له بدلاً
من طريق المعصية، أبواباً عديدة للطاعة.
خطورة اليأس وآثاره السلبية على الإنسان
والإنسان الذي
يصل لليأس من رحمة الله يحسب أن أيامه قد انتهت، وأن فرصته في التوبة قد مضت، وأن
ذنوبه أكبر من مغفرة الله، وآثار هذا اليأس من أخطر ما يكون على الإنسان، نذكر
منها:
1- أنه في ذاته
يعد تكذيباً لله ورسوله، حيث يقول الله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف: 156)،
وهو بيأسه يقول: لا يغفر لي، ولذلك قال تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87).
2- أنه يؤدي
للتقاعس عن العمل لأن المصاب به لا يرى جدوى من العمل الأساس، بل يؤدي للمعاصي
والمزيد من الذنوب، فنجد صاحبه يهمل في أداء عمله، ويتراجع عن البحث عن أسباب ما
هو فيه ليعالجه، قال ابن حجر الهيتمي: القانط آيس من نفع الأعمال، ومن لازم ذلك
تركها(3).
3- أنه يخرج
صاحبه من زمرة المؤمنين، فالمؤمن بين حالين، إما أن تصيبه نعمة فهو شاكر لله
عليها، وإما أن تصيبه ضراء، فهو في حالة صبر عليها، وفي كلا الحالين هو متصل بالله
متعلق به ويفعل ما يريده سبحانه، يقول البغوي: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) (الروم: 36) ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن؛ فإنه يشكر
الله عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة(4).
4- أنه سوء أدب
مع الله، يقول ابن القيم: الخوف الموقع في الإياس إساءة أدب على رحمة الله تعالى
التي سبقت غضبه، وجهل بها(5).
5- أنه موصل
للهلاك والخسران، قال عبيدة السلماني في قوله تعالى: «ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة»؛ قال: القنوط(6).
6- أنه سبب في
الحرمان منه، يقول المباركفوري: إن اعتقد أو ظن الإنسان أن الله لا يقبلها (أعماله)،
وأنها لا تنفعه، فهذا هو اليأس من رحمة الله، وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك وكل
إلى ما ظن، كما في بعض طرق حديث: «أنا عند ظن عبدي بي، فيظن بي عبدي ما شاء(7).
7- اليأس يحرم
صاحبه الطمأنينة والسكينة، ويفقد صاحبه الرغبة في استمرار الحياة وقد يقدم على
الانتحار، فهو خائف مترقب مصيراً سيئاً على الدوام، قال الشوكاني: «إذا مسه (الإنسان)
الشر من مرض أو فقر، كان يؤوساً شديد اليأس من رحمة الله، وإن فاز بالمطلوب
الدنيوي، وظفر بالمقصود نسي المعبود، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف، وغلب
عليه القنوط، وكلتا الخصلتين قبيحة مذمومة(8).
إن أخطر ما في القنوط أنه يعيد تشكيل مفاهيم المسلم في نظرته لله عز وجل، تلك النظرة المتوازنة بين الخوف والرجاء، بين العذاب الأليم للعصاة المصرين على عدم التوبة، وبين الرحمة والمغفرة والعفو لمن تاب وآمن وأصلح ولا نغفل هنا مسؤولية الإعلام الخطيرة في نشر مفاهيم اجتماعية بعيدة كل البعد عن دين الله ومنهاجه الذي رضي به للمؤمنين وضمن به سعادتهم في الدنيا والآخرة، المؤمن قوي، عزيز، متصل بقلبه بالله، ومتصلة جوارحه بالعمل والسعي، فكيف يعتريه اليأس، وأنى يصيبه الإحباط؟
اقرأ أيضا
الهوامش
- 1 حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (7/ 96).
- 2 جامع البيان (17/ 113).
- 3 الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي (1/ 122).
- 4 معالم التنزيل (3/ 579).
- 5 مدارج السالكين (2/ 371).
- 6 رواه الطبري في التفسير (3176).
- 7 تحفة الأحوذي (7/ 54).
- 8 غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري (4/ 380)، وفتح القدير للشوكاني (3/ 301).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً