الزوج المنشغل بالأخبار.. السياسة تسرق دفء البيوت!

اجتمعنا في بيت العائلة الكبير كعادتنا صباح العيد، ازدحمت ردهة البيت الواسعة بمجلس الرجال ومجلس النساء وأطفال يلهون كثيراً، ولكنه كان عيداً مثقلاً بالخوف؛ لقد كان العيد الذي أعقب مأساة غزو الكويت وحرب الخليج الثانية تدق الأبواب.

لم أشعر بمذاق العيد يومها وأنا أرى والدي وأعمامي غاضبين إلى هذا الحد، وبدلاً من الكلام الدافئ والتحيات الحارة، نشب الجدل السياسي، وخيم القلق على الجميع وانتقلت ذبذباته حتى إلينا نحن الأطفال.

بين الحين والآخر، يقول أحدهم: إنه قرأ خبر كذا، ويقول الآخر: إنه استمع للخبر كذا، وبعضهم يتحدث عن أحاديث آخر الزمان ويسقطها على الأحداث الجارية وقتها.. يومها سرقت السياسة مني فرحة العيد وسرقت ذلك الدفء الآمن الذي كان يظلل وجودنا في بيت العائلة ليحل القلق والتوتر.. الغضب والجدل محله.

دار الزمان دورته، وبدلاً من قناة واحدة أو قناتين، ونشرة أخبار لا تتجاوز الساعة، وصور بسيطة وبرامج تحليلية محدودة وصحف تنشر الأخبار بعد مرور يوم وليلة على وقوعها، أصبحنا في عصر الأخبار العاجلة التي تلاحقنا ثانية بثانية التي تجعلنا جزءاً من الحدث نعيشه لا نشاهده، وإن تم إغلاق الشاشة الكبيرة بقيت الإشعارات الرقمية تدق كل حين، وهي تنقل آخر الأحداث وعجت مواقع التواصل بالأخبار والتحليلات والشائعات والاستقطابات.

تشير بعض الدراسات الإعلامية إلى أن متوسط متابعة الأخبار في الأوقات العادية ساعة واحدة إلى ساعتين، لكن في أوقات الأزمات يرتفع هذا المتوسط ليصل لمعدل ثلاث أو حتى خمس ساعات يومياً، وفي السياق العربي يلاحظ أن الرجال يميلون لمتابعات التحليلات بشكل أعمق وأكثر استمرارية.

وتهتم النساء بانعكاس الأزمة أو الحرب المباشر على نمط الحياة اليومية كارتفاع أسعار السلع أو شحها من الأسواق، بينما يهتم الرجال أكثر بأبعاد الصراع ومآلاته وتكون متابعتهم أكثر دقة ربما حتى يستطيعوا أن يشعروا بالسيطرة عن طريق امتلاك المعلومة، أو ربما بسبب الضغط الاجتماعي، حيث تتم المتابعة خشية الاتهام بالجهل وعدم مواكبة الأحداث؛ فكانت النتيجة النهائية الكثير من القلق والخوف والتوتر، حيث تشير الدراسات إلى أن 70% من البالغين يعانون من الضغط الناتج عن المتابعة.

كما أن الأخبار المقلقة لا تمر مروراً عابراً على العقل؛ لأنها تدخله في حالة طوارئ حيث الجهاز العصبي في وضع الاستجابة للخطر، هذا الاستنفار الدائم يضعف التركيز ويستنزف الطاقة النفسية، وينعكس هذا كله على البيت، فلا يتنبه الرجل الغارق حتى أذنيه في متابعة أدق التفاصيل الإخبارية دون أن يملك شيئاً إزاء ما يحدث أنه يهمل جبهته الداخلية.. وبيته.. وزوجته وأطفاله التي عليه يقع مسؤولية رعايتها والحفاظ عليها.

الإجهاد الإخباري

ومن مظاهر الإهمال التي يعاني منها بيت الرجل المنشغل بتفاصيل الأخبار أن الرجل القوام يبهت دوره بسبب معاناته مما يطلق عليه الإجهاد الإخباري، فهو من كثرة ما يتعرض للأخبار ومع طول فترات الحرب والصراع واستمرارية التعرض يعاني من:

1- القلق والتوتر، ويتحول لشخصية عصبية، فهو ينفعل على أسباب صغيرة وبسيطة، وهنا يتحول جو البيت الدافئ لساحة من المفرقعات الغاضبة، وذلك لأن الزوج فقد القدرة على السيطرة على أعصابه، وبعض الأزواج يصل بهم التوتر أن يعاني من اضطرابات النوم والصداع والتشنجات العضلية.

2- الإحباط والبرود؛ فالإجهاد الإخباري قد يصل بالرجل لحالة من الإحباط من كل ما يجري، فهو متفاعل بطريقة عكسية، ولكن هذا الإحباط ينعكس على كافة مناحي حياته حتى داخل بيته، فيتحول لرجل فاتر لا يتفاعل، كثير الصمت لا يتجاوب، يهمل مسؤولياته، وقد يحدث أن يعاني الرجل من نوبات متعاقبة من الانفعال الغاضب يليها فترة من الإحباط والبرود، وهكذا.

3- الإرهاق الذهني؛ فيجد صعوبة في الاسترخاء وتصفية الذهن، وهذا ينعكس على كل مناحي حياته حتى على مستوى العلاقة الخاصة مع زوجته يحدث فيها فتور قد يصل حد البرود، وينعكس أثر ذلك على أجواء البيت كله، فيفقد البيت دفئه ويعشش فيه الصقيع.

4- الوالد الذي يعاني من الإجهاد الإخباري ليس لديه قدرة على الاستماع لأطفاله، يحاول الطفل جذب انتباه والده أو محادثته، فيتم نهره لأن الوالد يتابع الأخبار أو لا يتم التفاعل معه؛ لأن الوالد مرهق ذهنياً، فينكفئ الطفل على نفسه أو يهرب هو أيضاً للشاشات ولكن بطريقة مختلفة.

ما الحل؟

كيف يمكننا إذن أن نعيد الدفء لبيوتنا قبل أن يسرقه نزيف الأخبار وتحديات السياسة؟ كيف يمكننا أن نحمي سكينتنا في زمن القلق؟ كيف نستطيع القيام بمهامنا التربوية ونتحمل مسؤوليتنا التي لن يقوم بها سوانا؟

لا بد من إشعال فتيل الإيمان في قلوبنا من جديد، وتجديد إيماننا بالقدر خيره وشره، فما يحدث في هذا العالم المضطرب لم يحدث إلا لحكمة يعلمها الله ويقدرها، وتفويض الأمر لله يمنحنا سكينة فورية، ودقة المتابعة لن تمنحنا مشاعر السيطرة، وإنما إيماننا العميق أن ما يحدث يسمعه الله ويراه ويعلمه هو ما سيجعلنا نسيطر على مشاعرنا القلقة.

والحوار الذي ينطلق من أسس إيمانية دون كثير من النصح أو الوعظ، الحوار الذي لا ينتقد ولا يشكو ولا يضع الزوج في قفص الاتهام، والحوار الذي يدور في أجواء هادئة وسيلة بالغة الأهمية في ضبط مسار البيت ووضع أمان البيت كأولوية.

وعلى الزوجة ألا تطالب الزوج بالامتناع عن المتابعة، فهذا أمر غير مقبول وغير صحي وغير واقعي، فقط عليها أن تطالبه بتقنينها.

وكذلك على الزوجة أن تشارك في المتابعة، وهنا تتحول أخبار الحرب والأزمة من مادة للتباعد والنفور لمادة مشتركة تدعو للتقارب، وأن تناقش فيما يدور من أحداث وأخبار، ولكن مع الحرص ألا يتحول النقاش لجدل أو مشادة، فعليها أن تتعلم متى تبدأ الحوار ومتى توقفه.

ويأتي الأمن النفسي للأبناء أولوية مطلقة، فلا ينبغي تعريضهم لفترة طويلة للأخبار المقلقة، ولا ينبغي الحديث أمامهم بطريقة قلقة، وينبغي أن تكون لغة الجسد هادئة أيضاً؛ لأن الطفل يقرأ بمشاعره قبل أن يمرر الكلام إلى عقله.

والحرص على قضاء وقت عائلي دافئ مع الأطفال بعيداً عن الشاشات وعن الأخبار وعن مواقع التواصل الاجتماعي، ووقت للأحاديث العادية البسيطة واليوميات الهادئة المليئة بالتفاصيل، فهذه من أكثر الأمور التي تعيد الدفء والوهج للبيوت.

وتقديم الرؤية الإيمانية للأبناء كتفسير عميق ومرجعي لما يحدث لأنه في عصر السماوات المفتوحة سوف يطالهم غبار التفاصيل القلقة بلا شك.

والحرص على الأذكار يطمئن القلوب القلقة؛ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).

نحن لا نملك مسار الأحداث، ولا نملك أدوات التحكم فيها أو ما يترتب عليها، ولكننا نملك أن نسيطر على مشاعرنا إزاءها، نملك أن نحافظ على استقرار بيوتنا وأن نبقيها دافئة آمنة رغم اشتعال الصراع.



اقرأ أيضاً:

أرامل الإنترنت!

آباء وأمهات غائبون في زمن الإنترنت

المرأة في زمن القلق.. كيف تتحول إلى صمام أمان للأسرة؟

أمهات في زمن الحرب.. كيف يتحول رعب القصف إلى دروس تربوية؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة