أمهات في زمن الحرب.. كيف يتحول رعب القصف إلى دروس تربوية؟

أميرة زكي

05 مارس 2026

2369

وسط القصف المدوي وغرق الشاشات بصور الدمار والضحايا، يرتمي الأبناء مذعورين في أحضان أمهاتهم، يصرخون: هل سنموت يا أمي؟ متى تنتهي هذه الحروب؟

هنا تبدأ رحلة الأم التربوية الشاقة، حيث تتحول من متلقية للصدمة إلى قائدة لرحلة نجاة نفسية وإيمانية لأبنائها.

تواجه الأمهات معضلة تربوية عميقة؛ كيف تحول رعب الحرب إلى دروس تربوية تغرس الثبات في نفوس صغارها؟ وكيف تشرح لأطفالها ما يحدث في منطقة الخليج من تصعيد «إسرائيلي» إيراني، مستلهمة قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: 6)، وهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يفزع إلى الصلاة عند الشدائد، فتقود الأم حملة تربوية تعتمد التوكل على الله، والثقة بنصره، والإيمان بالقضاء والقدر.

تسكن «م. م» في إحدى دول الخليج، وتقول: إنها تعيش أكبر لحظات الرعب في حياتها عندما تسمع أصوات القصف وتقرأ أنباء الحروب المتسارعة، وبينت أنها نقلت هذه الحالة بالتبعية لأبنائها.

أما «س. س» فتعيش مع أسرتها في بلد بعيد عن مناطق الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران، وتقول: إن أبناءها لا يهتمون بالأخبار ولا يتفاعلون معها، كما أنها لم تتعود الكلام مع أبنائها حول الأخبار وما يدور من أحداث في العالم.

وتقول عبير محمد: حرصت أنا وزوجي على زرع قيمة الاهتمام بأمر المسلمين في نفوس أطفالي منذ صغرهم، وتبصرتهم -بالقدر المناسب لسنهم- بالحقائق عما يدور في العالم، مضيفة: لما بدأت الحرب الأخيرة على إيران، وقبلها الحرب المستمرة على غزة، كان لزاماً علينا تحصين الأبناء بالدروس الدينية عن الصبر والثبات على الحق، مستلهمين قصص التاريخ الإسلامي.

الثقة بالله

وترى الخبيرة التربوية هبة حسين أنه في وقت الحرب يجب تحصين الأبناء بالثقة في وعد الله ونصره وتحويل حالة الخوف من العدو إلى يقين بأن الباطل زائل مهما طغى.

وترى في قصة طالوت وجالوت مثالاً مميزاً للصبر والجلد، وأن الباطل مهما علا ستكون نهايته الهلاك؛ فقد طلب بنو إسرائيل من ربهم أن يختار لهم ملكاً ليقودهم في الحرب، فاصطفى الله طالوت لرجاحة عقله وقوته البدنية.

وتحرك طالوت بجيشه، وفي الطريق اختبرهم الله بنهر وطلب منهم نبيهم ألا يشربوا منه إلا القليل بمقدار غرفة باليد، ومن شرب منه كثيراً فُصل عن الجيش، فلم يكمل معه إلا القليل من الصابرين.

وعند مواجهة جيش جالوت القوي، ساد الخوف بين البعض، لكن الفئة المؤمنة ثبتت، وبرز شاب صغير هو نبي الله داود تمكن من قتل الطاغية جالوت عبر حصاة، فكان ذلك سبب النصر وبداية تمكين الله لداود عليه السلام.

قيمة الصبر

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرَج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا»، فالصبر قيمة وغاية يحتاجها الأطفال للتعامل مع تغيرات الحياة وظروفها القاسية.

كما يحتاج الطفل أن يتعلم اللجوء إلى الله كمصدر للطمأنينة وأن الفزع الحقيقي يجب أن يكون إلى الله، وأن الصلاة هي طوق النجاة فمن هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان «إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلَاةِ» (رواه أبو داود، وأحمد)، وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153).

ويدعو الكثير من المفكرين إلى بناء جيل يعيش قضية الأمة والتفاعل الواعي مع قضايا المسلمين.

ويحب على الأمهات تعليم أبنائها قول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له» (رواه أبو داود، وأحمد).

إن الأم الناجحة هي من تحوِّل الأحداث الكبرى إلى مادة تعليمية إيمانية ونفسية، إنها تنتقل بالأبناء من حالة الذعر إلى حالة التوكل، ومن التساؤل متى تنتهي الحرب؟ إلى اليقين بأن «مع العسر يسرًا»، وأن كل جالوت مهما طغى إلى زوال.

تظل الأم في زمن الحرب رمزًا حيًا للصمود الإيماني والتربية الربانية، فهي لا تقتصر على حماية أجساد أبنائها من أصوات القصف والدمار، بل تبني لهم درعًا نفسيًا وروحيًا مستمدًا من كتاب الله وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم، تحول به الرعب إلى ثبات، والخوف إلى توكل، واليأس إلى أمل في نصر الله الموعود؛ إذ إنها تذكِّر أبناءها بأن الحياة اختبار إلهي يُكافأ فيه الصابرون، كما وعد الباري جلَّ شأنه: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10).



اقرأ أيضاً:

حماية أطفال الحروب.. تحديات وحلول

ركائز تحصين الجبهة الداخلية في أزمنة الحروب

كيف نبني ملاجئ نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة