فرح بجوار مأتم.. أخلاق الجيرة في خطر!
في اللحظة التي
كانت فيها الموسيقى الصاخبة تتعالى من أحد البيوت، كان بيتٌ آخر في الشارع نفسه
يستقبل المعزّين.
هناك زغاريد
وضحكات وأجهزة «دي جي» تصمُّ الآذان، وهنا قلوب منكسرة حزينة، ووجوه شاحبة، وأهل
بيت يحاولون أن يستوعبوا للتوّ أن شخصًا كان بينهم ذهب لقبره ولن يعود.
وإذا كان لا
أحدَ يملكُ حق إلغاء أفراح الآخرين، فإن ثمة فارقًا بين أن تفرح دون مراعاة مشاعر
جارك وأخيك، وبين أن تدرك معنى الجيرة الحقيقية، فتراعي حزن الآخرين، وتعرف متى
يعلو صوت فرحك، ومتى تخفضه قليلاً، احترامًا لوجع لا تراه، لكنه يسكن على بُعد
أمتار منك.
إنّ حق الجار
يبدأ بالانتباه إلى أن هناك مساحة مشتركة بين حياتك وحياته، وأن بعض تصرفاتك
الخاصة قد تتجاوز حدود بيتك وتصل إلى مشاعره، وهنا تظهر الأخلاق في أبسط صورها،
بأن تسأل نفسك قبل أن تفعل شيئًا: هل يمكن أن يؤذي هذا الفعل جاري أو شخصًا قريبًا
مني؟
ما الذي تغيّر في مجتمعاتنا؟
إنّ شيئًا ما قد
تغيّر في مجتمعاتنا العربية، أحدث خللاً في علاقات الجيرة، والمفترض أن لها دورًا
مهمًّا في تعزيز التماسك والاستقرار المجتمعي، لقد شهدت هذه العلاقات، في السنوات
الأخيرة، تراجعًا ملحوظًا بسبب مجموعة من العوامل، أهمها:
1- طبيعة
المجتمعات الحضرية وأنماط السكن: وما نتج عن ذلك من تقليص فرص التفاعل الاجتماعي
بين الجيران؛ حيث يعيش الناس في مدن كبيرة، وفي أحياء مكتظة، يعانون مشكلة الإبهام
الشخصي، فلا يعرف بعضهم بعضًا، بل لا يتبادلون حتى التحية.
2- التحوّلات
الاقتصادية: وما نتج عنها من ضغوط أدّت إلى تعدد الالتزامات الحياتية، وانشغال
الأفراد بتلبية احتياجاتهم الأساسية، ومن ثم يتجاهلون حقوق الجيران، ويكونون أقل
اهتمامًا بتكوين علاقات اجتماعية جديدة ضمن محيطهم السكني.
3- التغيرات
الثقافية والتكنولوجية: التي أدّت إلى ضعف الشعور بالانتماء إلى الجماعة، وتفكك
روابط الجيرة، فأدّت النزعة الفردية وشيوع مفهوم الخصوصية إلى تجاهل الكثير من
التراث الديني والعادات والتقاليد المحلية، وأسهمت التكنولوجيا الحديثة في تكريس
العزلة، فصار الاعتماد على الوسائل الرقمية في التواصل بديلاً عن العلاقات
التقليدية.
4- تراجع دور
الأسرة الممتدة: أدّى إلى تعزيز مشاعر الاغتراب، وعدم القدرة على الاندماج في
المجتمع المحيط، ومن ثم تقلّصت فرص نقل القيم المجتمعية، والتي يمكن أن تسهم في
تعزيز أهمية الجيرة في الوعي الجمعي.
الجار في الثقافة العربية
كان الجار في
الثقافة العربية القديمة جزءًا من دائرة الأمان الاجتماعي، يعرف أحوال جاره،
ويشاركه أفراحه، ويقف إلى جانبه في مصائبه، ولذلك قيل: «الجار قبل الدار»، فاختيار
المكان لم يكن منفصلاً عن اختيار من يعيش حوله، فالجار بحكم القرب هو أكثر الناس
قدرة على ملاحظة تفاصيل بيت جاره ومعرفة أحوالهم، فارتبطت الجيرة عربيًّا بمعاني:
الحماية، والنجدة، وحفظ الخصوصية، وإغاثة المحتاج، ومراعاة الأحزان إلخ، كمسئولية
أخلاقية نشأت بحكم الالتصاق والقُرب.
ويفترض في
المجتمعات العربية أن تكون المروءة شديدة الحضور في علاقة الجيران بعضهم ببعض،
كمعيار من معايير الرجولة والكرم وحسن السيرة، وهي تعني ببساطة الشعور بالآخر، وأن
بعض المواقف تحتاج إلى ضبط الرغبات، ليس لأن صاحبها ممنوع عنها، ولكن لأنه أكرم من
أن يؤذي شخصًا في لحظة احتياجه أو ضعفه.
كفُّ الأذى عن الجار فريضةٌ إسلاميةٌ
الجار في
الإسلام ليس مجرد ساكن قريب، وإنما إنسان له حُرمة، وقد رتّب له الشرع حقوقًا تشبه
حقوق الأرحام، ففي سياق تذكير المؤمنين بجملة من الحقوق لا تستقيم حياتُهم بدونها
يقول الله تعالي: (وَاعْبُدُوا
اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ
الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا) (النساء:
36)، وحفلت السنة المشرّفة بالتوصية بالجار ومنع أذاه ما لا يُحصى من
الأخبار؛ «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (رواه الترمذي).
ومن هنا، فإن
كفَّ الأذى عن الجار ليس أمرًا ثانويًّا في الإسلام، بل هو الحد الأدنى لتحقيق
الوصايا الشرعية لحقوق الجار، فهو مقدّم على نفعه وإكرامه؛ لما لذلك من أثر في
بناء مجتمع متماسك ذي طابع وجداني وإنساني يسيطر عليه مناخ الود والألفة:
1- فأذية الجار
أذيةٌ لله والرسول: «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب
جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله» (رواه أبو نعيم)، ومن ذلك إقامة الفرح
الصاخب بجوار المأتم، وإزعاجه بالأصوات العالية، وإعاقه طريقه، وعدم احترامه،
وتخويفه إلخ.
2- وتسقط عن
فاعلها صحبة وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم: فعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: «لا يصحبنا اليوم من آذى جاره» (رواه
الطبراني).
3- وتدخل صاحبها
النار: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، إن فلانة يُذكر من
كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في النار»،
قال: يا رسول الله، فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تصدّق
بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في الجنة» (رواه أحمد)، ويقول
النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (رواه مسلم).
4- وتجلب عليه
اللعن والمذمّة: عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو
جاره، فقال: «اذهب فاصبر»، فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال: «اذهب فاطرح متاعك في
الطريق»، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس
يلعنونه: فعل الله به، وفعل وفعل، فجاء إليه جاره فقال له: ارجع لا ترى منّي شيئًا
تكرهه. (أبو داود).
نشر الوعي بأهمية الجار وحقوقه وواجباته
إزاء هذه
الظاهرة وغيرها من الظواهر التي طرأت في المجتمعات الحديثة، وجب على الدعاة
التذكير بقيم الجيرة، وترسيخ مبادئ التعاون والتكافل والتواصل بين أفراد المجتمع
عمومًا، وبين الجيران خصوصًا، واستثمار وسائل التواصل الحديثة في هذا الأمر، وهو
ما يتطلب جهودًا كذلك من الأسرة والمؤسسات التربوية والإعلامية، كما لا ينبغي أن
تبقى قيم الجيرة نظرية محفوظة في الكتب، بل يجب أن تغدو سلوكًا عامًّا في حياتنا
اليومية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً