بين فرح البشارة وخشية الشهرة..

كيف نتعامل مع الثناء دون اغترار؟ موقف طاووس بن كيسان

رسم تصويري يجسد منهج طاووس بن كيسان في التعامل مع الثناء حتى لا يقع في الاغترار

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيْحٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ لِطَاوُوْسٍ(1): رَأَيْتُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ تُصَلِّي فِي الكَعْبَةِ، وَالنَبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَابِهَا يَقُوْلُ لَكَ: «اكْشِفْ قِنَاعَكَ، وَبَيِّنْ قِرَاءتَكَ»، قَالَ طَاوُوْسٌ: اسْكُتْ، لَا يَسْمَعْ هَذَا مِنْكَ أَحَدٌ، قَالَ: ثُمَّ خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُ انْبَسَطَ فِي الكَلَامِ.. يَعْنِي: فَرَحاً بِالمَنَامِ(2).

في كلمات قليلة يرسم الذهبي مشهدًا بالغ الدلالة من حياة طاووس بن كيسان، فقيه اليمن وأحد كبار أصحاب ابن عباس: بشارة عظيمة يرويها له مجاهد بن جبر، ثم ردٌّ عاجل يكاد يقطع الطريق عليها: «اسكت، لا يسمع هذا منك أحد»، ثم انشراح لا يستطيع صاحبه أن يخفيه تمامًا، وقد أورد الذهبي الخبر في ترجمة طاووس، وذكره في طبقة كبار التابعين، واصفًا إياه بالفقيه القدوة وعالم اليمن.

وليس سر الموقف في الرؤيا وحدها، بل في الطريقة التي استقبل بها طاووس الثناء قبل أن يستقبل البشارة؛ فبين الكتمان والفرح تتكشف أخلاق مدرسة كاملة في تزكية النفس وصيانة العالم من فتنة الصورة التي يصنعها الناس له.

كتمان المديح لحماية القلب من فتنة التصفيق

لو كان همُّ الرجل أن تتسع منزلته في القلوب، لما وجد مادة أبلغ في صناعة الهيبة من هذه الرؤيا: صلاة داخل الكعبة، والنبي صلى الله عليه وسلم على بابها، وخطاب مباشر فيه إشادة بالقراءة والبيان، ومع ذلك لم يسأل طاووس مجاهدًا أن يعيد الحكاية، ولم يستفصل عن تفاصيلها، وإنما أسرع إلى قوله: «اسكت، لا يسمع هذا منك أحد».

كان يخشى ما يعرفه أصحاب القلوب من دقة مداخل النفس؛ فالإنسان قد ينجو من طلب الثناء ثم يفتن بالثناء إذا جاءه من غير طلب، ولهذا جاء الميزان القرآني: (‌فَلَا ‌تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32)، فالمنزلة الحقيقية لا تتقرر بكثرة ما يسمعه الإنسان من الثناء، وإنما بعلم الله بحقيقة قلبه وعمله.

وقد كانت هذه السجية متسقة مع حياة طاووس، لا ردَّ فعل عابر في مجلس، يروي الذهبي أن عمر بن عبد العزيز قال له في مجلس سليمان بن عبد الملك: ارفع حاجتك إلى أمير المؤمنين، فقال طاووس: «ما لي إليه حاجة»(3)، ونقل عن إبراهيم بن ميسرة قوله إنه ما رأى أحدًا استوى عنده الشريف والوضيع مثل طاووس(4).

إنها الحرية التي يصنعها الزهد؛ فمن قلَّ احتياجه إلى ما في أيدي الناس، قلَّ احتياجه كذلك إلى صورتهم عنه، ومن هنا يبدو قوله «لا يسمع هذا منك أحد» جزءًا من مشروع أوسع لحماية القلب من أن يصبح أسيرًا للتصفيق.

وفي زمن تصنع فيه المنصات الرقمية للأشخاص صورة عامة قد تتضخم حتى تطغى على الحقيقة، يحتاج العالم والداعية والقائد إلى هذا النوع من الرقابة الداخلية؛ فليس كل ما يرفع المكانة صالحًا للنشر، وليس كل ثناء ينبغي تحويله إلى مادة تعريفية، وقد يكون كتمان بعض المناقب أصدق في حفظ العمل من نشرها.

كيف يجتمع الخوف من الشهرة مع الفرح بالبشارة؟

لم يكن طاووس حجرًا لا يتأثر، ولا كان الورع عنده إلغاءً للمشاعر، فالراوي يقول بعد زجره لمجاهد: «ثم خُيِّل إليَّ أنه انبسط في الكلام -يعني فرحًا بالمنام-»، وهنا تظهر دقة التوازن: منع انتشار الخبر، لكنه لم يمنع قلبه من الفرح به.

والشرع لا يذم الفرح بنعمة الله في ذاته، قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: 58)، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن»(5).

فالفرق كبير بين أن يعمل المرء ليُمدح، وبين أن يعمل لله ثم تبلغه بشارة تسعده، الأول يجعل رضا الناس غاية، والثاني يستقبل ثناءهم -إن جاء- على أنه رجاء خير، لا شهادة نهائية بالقبول.

ولذلك لم يكن العلاج التربوي عند طاووس أن يقمع الفرح، بل أن يمنع تحوله إلى استعراض، وهذا من أنفع الفروق في تزكية النفس: ليست المشكلة في أن يفرح الإنسان بنجاح، أو ثناء، أو أثر طيب لعمله؛ وإنما تبدأ المشكلة حين يصبح ذلك الوقود الذي يطالب به باستمرار، أو حين يعيد تشكيل أعماله حتى يضمن المزيد منه.

الرؤيا الصالحة بشرى وليست مصدرًا للتشريع

جمال المنام لا ينبغي أن يحجب القاعدة العلمية في التعامل مع الرؤى، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «الرؤيا الصالحة من الله»(6)، وفي الرواية الأخرى أنه إذا رأى المسلم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب(7).

ومن هنا كان فرح طاووس مفهومًا في باب البشارة، لكن الرؤيا -مهما عظم شأن صاحبها- ليست طريقًا لإنشاء حكم شرعي جديد ولا لإلزام الناس بأمر لم يدل عليه الكتاب والسنة؛ وهذه قاعدة أكدها أهل العلم في كلامهم على الرؤى.

وعلى هذا ينبغي قراءة عبارة المنام: «اكشف قناعك، وبين قراءتك»؛ فهي بالنسبة إلينا لا تنشئ تكليفًا شرعيًا خاصًا بطاووس نستطيع الجزم بمراده، وإنما يجوز أن تُقرأ على جهة الاستئناس بما تحمله من معنى حسن موافق للأصول: بيان العلم، وحسن تلاوة القرآن، وعدم كتمان الحق.

وهذا الاحتراز مهم، خصوصًا في البيئات التي تتحول فيها المنامات أحيانًا إلى وسائل لإكساب القرارات أو الأشخاص سلطة لا يمنحها لهم الدليل، مدرسة طاووس نفسها تعلمنا العكس: الرؤيا تُفرح القلب، لكنها لا تتقدم على الوحي، ولا تتحول إلى أداة لمنح القداسة.

كيف وازن طاووس بن كيسان بين الزهد ومواجهة السلطان؟

في ظاهر الموقف مفارقة لافتة: طاووس يريد كتمان المنقبة، بينما مضمون الرؤيا يدور حول الكشف والبيان، غير أن الأمرين ليسا متناقضين؛ فالإخلاص لا يعني الصمت عن العلم، كما أن الجهر بالحق لا يعني الإعلان عن فضائل النفس، وقد نُقل عن طاووس نفسه قوله لأبي نجيح: «من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله»(8).

إنه فصل دقيق بين أمرين يختلطان كثيرًا: اخفِ نفسك إذا كان ظهورها لا يخدم إلا حظها، وتكلم إذا كان الكلام حقًا يحتاج إليه الناس.

وقد ظهرت هذه الجرأة في مواقفه مع أصحاب السلطان، فلما طلب سليمان بن عبد الملك فقيهًا يسأله عن المناسك، جيء بطاووس، وتروي ترجمته أنه ذكّره بخطر جور من ولاه الله حكمًا على الناس، بكلام شديد لم يمنعه منه جلال المجلس، كما نقل الذهبي أن ابنًا لسليمان جلس إلى جواره فلم يلتفت إليه، ثم قال: أراد أن يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه(9).

وهكذا نفهم جانبًا من شخصية طاووس: لم يكن زاهدًا يهرب من الموقف، وإنما كان زاهدًا فيما يمنع من قول الحق، من أخفى منقبته لم يخف علمه، ومن خاف على قلبه من الشهرة لم يخف من السلطان حين وجب البيان.

وهذه معادلة يحتاج إليها العاملون في العلم والإعلام والدعوة: بعض الناس يجهر بنفسه ويسكت عن فكرته، بينما النموذج الذي تقدمه هذه السيرة أن تقل مساحة «الأنا» كلما اتسعت مساحة الرسالة.

كيف أنتجت مجالس الصحابة علماء يرفضون التبعية؟

لم ينشأ طاووس بعيدًا عن مدرسة علمية راسخة؛ فقد لازم ابن عباس، وكان معدودًا في كبار أصحابه، وسمع من جماعة من الصحابة، ووصفه الذهبي بـ«الفقيه القدوة عالم اليمن»(10).

ولعل من المعاني الجميلة في هذه الصلة ما رواه طاووس نفسه عن شيخه ابن عباس، إذ قال: «ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس»(11).

فالتربية العلمية هنا لم تكن نقل مسائل فحسب، وإنما توريث هيبة لله تجعل العالم شديد المراقبة لقلبه وشديد الصلابة في مواضع الحق، وهذا يفسر لماذا لم تكن المعرفة عند طاووس بابًا للوجاهة؛ إذ تتلمذ في بيئة كان العلم فيها عبادة قبل أن يكون مكانة اجتماعية.

وحين تُفصل المعرفة اليوم عن تزكية صاحبها قد ينتج لنا متحدث واسع المعلومات لكنه شديد الهشاشة أمام الشهرة أو المال أو الجمهور، أما نموذج التابعين فيذكر بأن بناء العالم يبدأ قبل المنبر؛ من ضبط دوافعه، وتعظيم حرمات الله، والتدرب على قول «لا» لنفسه قبل قولها لغيره.

تطبيقات معاصرة في إدارة المدح والظهور الرقمي

قد يحتاج القلب إلى الحماية حتى من الأخبار الجميلة، فالإنسان في العادة يستعد لمقاومة الذم، لكنه قلما يستعد لمقاومة المدح، وطاووس يعلمنا أن الثناء نفسه امتحان: هل يزيد صاحبه قربًا من الله، أم يجعله يراقب صورته في عيون الآخرين؟

ويبقى من موقف طاووس أن الفرح ليس نقيض الإخلاص، يجوز للإنسان أن يستبشر بما يرى من آثار الخير، وأن يفرح بكلمة صادقة أو قبول عند الناس، شريطة ألا تتحول البشارة إلى شهادة يمنحها لنفسه.

ويبقى من موقف طاووس كذلك أن خفاء الشخص لا يعني خفاء الحق؛ فقد قال طاووس لمجاهد: لا تنشر ما يرفع منزلتي، بينما دلت سيرته على أنه لم يكن يسكت حين يتعلق الأمر بما يراه حقًا ينبغي بيانه.

وفي ذلك معيار يصلح للدعاة والعلماء والمربين وأصحاب المنصات: قبل أن تنشر شيئًا عن نفسك، اسأل ما الذي سيزداد بهذا النشر؛ نفع الرسالة أم حجم الصورة؟ وقبل أن تصمت عن كلمة واجبة، اسأل: هل هذا تواضع حقًا، أم خوف من كلفة البيان؟

من خلال ما سبق يتبين أن طاووس بن كيسان لم يحتج إلى خطبة طويلة في الإخلاص؛ قال ثلاث كلمات: «لا يسمع هذا منك أحد»، فاختصر بها منهجًا كاملًا في التعامل مع الثناء.

ثم انبسط بعد ذلك وفرح، ليعلمنا أن القلب المؤمن ليس قلبًا باردًا، وإنما قلب يضع كل شعور في موضعه: يفرح بالبشارة، ويخشى الفتنة، ويستر منقبته، ويظهر الحق، ولا يجعل رؤياه تشريعًا، ولا ثناء الناس ميزانًا لقيمته.

وبين صورة الرجل يصلي داخل الكعبة في المنام، وصورته في اليقظة رافضًا أن تتحول هذه البشرى إلى حديث يتناقله الناس، تظهر واحدة من أعمق خصال العلماء الربانيين: كلما ارتفعت منزلتهم في أعين الخلق، ازداد خوفهم من أن ترتفع منزلتهم في أعين أنفسهم.

الهوامش
  • 1 ‌طَاوُوْسُ ‌بنُ ‌كَيْسَانَ الفَارِسِيُّ، الفَقِيْهُ، القُدْوَةُ، عَالِمُ اليَمَنِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفَارِسِيُّ، ثُمَّ اليَمَنِيُّ، الجَنَدِيُّ، الحَافِظُ، كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الفُرْسِ الَّذِيْنَ جَهَّزَهُم كِسْرَى لأَخْذِ اليَمَنِ لَهُ، فَقِيْلَ: هُوَ مَوْلَى بَحِيْرِ بنِ رَيْسَانَ الحِمْيَرِيِّ، وَقِيْلَ: بَلْ وَلَاؤُهُ لِهَمْدَانَ، أُرَاهُ وُلِدَ فِي دَوْلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ، سَمِعَ مِنْ: زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَازَمَ ابْنَ عَبَّاسٍ مُدَّةً، وَهُوَ مَعْدُوْدٌ فِي كُبَرَاءِ أَصْحَابِهِ، ورَوَى عَنْهُ: عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَابْنُهُ؛ عَبْدُ اللهِ، وَخَلْقٌ سِوَاهُم، وَهُوَ حُجَّةٌ بَاتِّفَاقٍ، توفي فِي عَامِ 106هـ، سير أعلام النبلاء (5/ 38-39).
  • 2 سير أعلام النبلاء (5/ 39).
  • 3 صفة الصفوة (1/ 453).
  • 4 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (13/ 371).
  • 5 صحيح مسلم (2642).
  • 6 متفق عليه، أخرجه البخاري (3292)، ومسلم (2261).
  • 7 صحيح البخاري (6637).
  • 8 البداية والنهاية (9/ 242).
  • 9 حلية الأولياء (4/ 16).
  • 10 سير أعلام النبلاء (5/ 38).
  • 11 فضائل الصحابة: أحمد بن حنبل (2/ 950).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة