أسرار التمني والرجاء بين دقة التعبير القرآني وخلط العوام
اللغة العربية
من أكثر اللغات تمييزا بين الدلالات العميقة والمعاني المتقاربة والمفاهيم اللغوية
التي تحتاج تفريقا دقيقا بين معانيها، ومن هذه المفاهيم: "التمني"
و"الرجاء"؛ فقد شاع الخلط بينهما في لغة الناس اليومية، ذلك الخلط ليس
مجرد زلة لسان عابرة، بل هو تبديل لمفاهيم الأشياء، وتحويل للمستحيل إلى ممكن، أو
جعل الممكن الواقعي مستحيلا.
وفي هذه السطور
سنلقي الضوء على هذين المفهومين من منظور بلاغي أصيل، مع الاستدلال من النص
القرآني المعجز على الفروق الدقيقة بينهما.
بين مفهومي التمني والرجاء
التمني والرجاء
مفهومان متقاربان؛ فهما يجمعهما حب الإنسان لما هو خير، لكنهما يختلفان في درجة
الإمكان والواقعية. فقد عرّف البلاغيون التمني بأنه: طلب أمرٍ محبوبٍ لا يُرجى
حصوله؛ إما لكونه مستحيلاً في ذاته وطبيعته، وإما لكونه ممكنا غير مطموع في نيله؛
أي أن المتمني يتصور الشيء في ذهنه دون أن تكون له وسيلة واقعية لتحقيقه؛ فهو
يُستعمل في سياق الحلم أو الخيال، وأداته الأصلية (ليت)، ويتضح هذا التعريف بقول
الله تعالى على لسان أهل النار: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ
رَبِّنَا ونكون من المؤمنين) [الأنعام: 27]؛ فعودة الكافرين إلى الدنيا بعد الحساب
في الآخرة أمر مستحيل الوقوع.
ومن التعبير
بالتمني في الشعر العربي قول الشاعر:
أَلَا لَيْتَ
الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا فَأخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
وهو مثال صريح
على التمني المستحيل عقلا وعادة؛ لأن الشباب لن يعود بعد المشيب.
أما ما يسمى
بالتمنّي المذموم فهو الاكتفاء بالأحلام دون سعي أو عمل، فلا يتخذ صاحبه أي أسباب
لتحقيقه بل ينتظره كمعجزة تهبط من السماء بلا مقدمات لذا قال بعض السلف: "ليس
الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل".
أما الرجاء فهو:
طلب أمر محبوب مع إمكان وقوعه، لوجود أسباب أو دلائل ترجّحه فهو يرتبط بالممكن
والمأمول، ويُستعمل في سياق العمل والأمل الواقعي.
ومن أشهر أدوات
الرجاء (لعل) وبعض الأفعال الجامدة التي تسمى (أفعال الرجاء) وهي: (عَسَى، حَرَى،
اخْلَوْلَقَ).
ومن الآيات
القرآنية التي تؤكد أن الرجاء الحقيقي لا ينفصل عن الأخذ بالأسباب قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ
رَحْمَتَ اللَّهِ) (البقرة: 218)؛ فرحمة الله لا ترجى إلا بعد العمل
والاجتهاد ومجاهدة النفس، وهو ما يدل على أن الرجاء مرتبط بالسعي والعمل الذي يقود
إلى الأمل.
وقد فرّق القرآن
الكريم بين الأسلوبين بدقة متناهية؛ ليضع كل مفهوم في موضعه الصحيح، فاستعمل
التمنّي في مواضع الحسرة وفوات الفرصة واستحالة التحقيق نحو قول من أحب الحياة
الدنيا من قوم قارون: (يَٰلَيۡتَ
لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰارُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ)، ونحو قوله على لسان الكافرين النادمين في مواقف لا
ينفع فيها الندم، لتصوير طلب المستحيل الذي انقطعت دونه الأسباب: (يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ
بِرَبِّيٓ أَحَدٗا)، (يَا
لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي).
واستعمل القرآن
الكريم الرجاء في مواطن العمل والسعي نحو: التعبير بـ"لعل" مع بعض
الأوصاف تجعل العبد يسعى لتحقيق الوصف ولا يتكل نحو: (لعلكم تتقون، تشكرون،
تذكرون، تفلحون، تهتدون)؛ وهو ما يفتح باب الرجاء والأمل والترغيب في الطاعة، ومن
ذلك أيضا التعبير بالرجاء في سياق تشريع الطلاق وفتح أبواب الأمل للعائلات: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ
يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا)؛ ذلك لأن تبدل القلوب من البغض إلى الحب
أمور ممكنة الوقوع تقع تحت قدرة الله الذي يقلب القلوب كيف يشاء.
والقرآن الكريم
بهذا التفريق يعلم الإنسان أن يكون واقعيًا في تطلعاته، ولا يتطلع إلى الأحلام
البعيدة ويسعى لتحقيق ما يمكن تحقيقه عن طريق السعي والعمل والإيمان.
الخلط بين التمني والرجاء في اللغة العامية الدارجة
إذا هبطنا من
سماء البلاغة القرآنية إلى أرض الواقع اليومي ولغة العوام، سنشهد فوضى دلالية حيث
كثر الخلط بين التمني والرجاء، خلطاً يفسد المعنى ويدل على انعدام التمييز بينهما
من ذلك على سبيل
المثال الدعاء المشهور الذى يقوله عامة الناس للمريض: "أتمني لك الشفاء
العاجل"، أو قول بعضهم: "أتمنى أن أحصل على وظيفة" وهذا في حقيقته
دعاء عليه لا له؛ لأن التمني يكون مع المستحيل الذي يصعب تحقيقه، وهو ما لا يناسب
سياق الدعاء والطلب. والصواب أن نقول بوعي وفهم للمعنى: "أرجو لك
الشفاء"، و"أرجو لك الخير" و"أرجو أن أحصل على وظيفة"؛
لأن هذه الأمور ممكنة الوقوع بأمر الله.
وفي المقابل قد
يستعمل بعض الناس الرجاء فيما هو مستحيل، فيقول: "أرجو أن ترجع بنا الأيام
إلى الماضي"، والصواب أن يقول: "أتمنى أن تعود الأيام" لأن الأمر
مستحيل الحدوث.
إن إدراك الفرق
بين التمني والرجاء لا يثري ملكة المتحدث والكاتب فحسب، بل يعمّق فهمه للبلاغة
القرآنية، ولأن التمني حلم بعيد، يبقى الرجاء أملًا ممكنًا، يفتح أمام الإنسان
أبواب السعي والعمل، ويعكس روح الإيمان التي تجمع بين الرجاء في رحمة الله والخوف
من عقابه.
فلنتذكر دائماً
أننا أمة رَجاءٍ وعَمل، لا أمة تَمَنٍّ وكَسَل. ولنستعمل عبارات الرجاء ونقذف
بكلمة "أتمنى" بعيداً مع المستحيل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً