10 قواعد لحسن الجوار في الإسلام
روى أبو داود في
السنن عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا
به قائم ورجل معه مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا
رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام، قال: «ولقد
رأيته؟»، قلت نعم، قال: «أتدري من هو؟»، قلت: لا، قال: «ذاك جبريل، ما زال جبريل
يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، ثم قال: «أما إنك لو سلمت عليه، رد عليك
السلام»(1).
من أكثر الأعمال
التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الجار والعناية به، والسؤال عنه،
وتفقد أحواله، ومواساته في حزنه، ومشاركته أفراحه، وللجار حقوق عديدة نذكر منها
عشرة من الحقوق في ضوء كتاب الله وسُنة رسوله:
1- كف الأذى عنه قولاً وفعلاً:
وهو الحق الأول
من حقوق الجار وأصل تلك الحقوق، فعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قيل: من؟ قال: «الذي لا
يأمن جاره بوائقه» (متفق عليه)؛ أي شروره وأذاه.
ويقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «ما من جار يظلم جاره ويقهره، حتى يحمله ذلك على أن يخرج من
منزله، إلا هلك» (رواه البخاري في «الأدب المفرد»)، وفي الحديث تحذير من إيذاء
الجار لأنه يؤدي للهلاك والعذاب في الدنيا والآخرة.
ومن مظاهر إيذاء
الجار في هذه الأيام أن يرفع أصوات التلفاز والموسيقى وكافة مظاهر الضوضاء، أو
إلقاء القمامة أمام منزله، أو انتهاك خصوصيته عبر النوافذ وتتبع عورته.
2- الإحسان إليه وتقديم المعروف له:
أمر الله عز وجل
بالإحسان إلى الجار مطلقاً، قريباً كان أو بعيداً، فيقول تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ
وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء 36).
ويقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «الجيران ثلاثة؛ جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة
حقوق، فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم فله حق الجوار وحق الإسلام
وحق الرحم، وأما الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وأما الذي
له حق واحد فالجار المشرك»(2).
3- مشاركته الأفراح ومواساته في أحزانه:
فمن كمال حسن
الجوار، المشاركة الوجدانية والإنسانية في المناسبات الاجتماعية مع الجيران، فعن
النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم
وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»
(متفق عليه).
ومن حق الجار أن
تشاركه في أفراحه وأحزانه وزيارته عند المرض وتعزيته في المصيبة، وله كذلك واجب
النصح إذا احتاج للنصيحة بالمعروف ونهيه عن المنكر، ومساعدته مادياً إذا احتاج
للقرض أو الإطعام.
4- إطعامه وعدم الترفع عليه:
وكم من جيران
لنا يبيت أطفالهم جوعى بغير طعام، ونحن نلقي ببقايا الطعام في القمامة دون أن ندري
أن تلك البقايا يمكن أن تشبعهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا
ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» (رواه مسلم).
وعن أبي هريرة قال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا نساء المسلمات، لا تَحقرن جارة لجارتها،
ولو فِرْسَنَ شاة» (متفق عليه)، وقد انتشرت عادات بين المسلمين اليوم بادخار
الطعام وتكديسه دون مراعاة جيرانهم المحتاجين، وتنتشر روائح الطعام فتنتشر معها
الأحقاد بسبب الجوع والحاجة، أما إذا قام بواجبه تجاههم فسوف يكون البديل سلاماً
نفسياً ورضا قلبياً ومشاعر طيبة بين المسلمين.
5- حفظ خصوصيته وستر عورته:
فيجب على الجار
حفظ عورة جاره وستر ما يرى منه، وإذا كان الستر حق المسلم في العموم، فستر الجار
أولى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ستر مسلمه ستره الله يوم القيامة»
(رواه مسلم)، ومن حقه ألا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا يسمع عليه كلاماً،
ويغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته ويتلطف لولده في كلمته.
6- الصبر على أذاه وتحمله:
وقد يبتلى
الإنسان بجار سيئ مؤذ، وهنا عليه أن يصبر على أذاه، يقول عمرو بن العاص: «ليس
الواصل الذي يصل من وصله، ويقطع من قطعه، وإنما ذلك المنصف، وإنما الواصل الذي يصل
من قطعه، ويعطف على من جفاه، وليس الحليم الذي يحلم عن قومه ما حلموا عنه، فإذا
جهلوا عليه جهل عليهم، وإنما ذلك المنصف، إنما الحليم الذي يحلم إذا حلموا، فإذا
جهلوا عليه حلم عنهم»(3).
ويقول الغزالي
في «الإحياء»: «واعلم أنه ليس حق الجوار كفَّ الأذى فقط، بل احتمال الأذى، فإن
الجار أيضًا قد كف أذاه، فليس في ذلك قضاء حقه، ولا يكفي احتمال الأذى، بل لا بد
من الرِّفق، وإسداء الخير والمعروف»(4).
7- عدم التعدي على حقه المكاني:
فلا يضيق عليه
في داره ولا يزعجه ولا يضر به، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر، ولا ضرار»
(رواه ابن ماجه)، وهو أصل فقهي في حقوق الجوار، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: «لا يمنع جار جاره أن يَغرز خشبةً في جداره»، ثم يقول أبو
هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين؟ (أي عن هذه السنة)، والله لأرمينَّ بها بين
أكتافكم» (متفق عليه).
8- إكرامه واحترامه:
فالإكرام معيار
إيمان لا مجرد لباقة باللسان، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (متفق عليه).
9- عيادته والسؤال عنه:
فمن حق الجار
الرعاية الإنسانية عموماً، ومعاودته إن كان مريضاً على وجه الخصوص، ومساعدته في
زيارة الطبيب إن كان لديك سيارة وهو لا يملكها، أو شراء الدواء إن كان غير قادر،
وقد كان السلف الصالح يعدون ترك عيادة المريض تقصيراً في حق الجوار.
10- حفظ أمنه وعدم تخويفه:
والشعور بالأمان
هو غاية ما يبحث عنه الإنسان في بيته، فإن أتى التخويف من جيرانه، فلم يعد هناك
مدعاة للمكوث في المكان، ويعد حفظ الجار من الخوف أعلى درجات كف الأذى عنه وهو
مأمور به، وهو يجسد مبدأ إكرام الجار وحسن الجوار، ويقول النبي صلى الله عليه
وسلم: «لا يحل لمسلم أن يروع أخاه المسلم» (رواه أبو داود).
إن حقوق الجوار في الإسلام ليست مجرد سلوكيات فردية تخص أفراد المجتمع وحسب، وإنما هي نظام أخلاقي عمراني يحفظ الاستقرار الاجتماعي، هو مسؤولية متبادلة بين الجميع لضمانة السلام المجتمعي يؤجر من يقوم بها ويثاب، ويأثم من يقصر في حقها ويحاسب.
أقرأ أيضا
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً