لماذا أصبح الاستثمار في المحتوى الهادف ضرورة لا ترفاً؟

جمال سعد

21 يونيو 2026

52

لماذا أصبح الاستثمار في المحتوى الهادف ضرورة لا ترفاً؟

لم يعد الصراع على «جيل زد» يدور حول كتاب يطالعه أو برنامج يشاهده أو معلم يستمع إليه، بل حول شاشة لا تفارقه، وخوارزمية تتنافس عليها آلاف الشركات يومياً، وصناعة عالمية تضخ مليارات الدولارات من أجل الفوز بأثمن سلعة في العصر الحديث وهي الانتباه.

الأرقام وحدها تكفي لرسم ملامح المشهد؛ فسوق الإعلان عبر المؤثرين عالمياً وصلت إلى نحو 24 مليار دولار، فيما كشف تقرير صادر عن «World Federation of Advertisers» أن 54% من العلامات التجارية العالمية خططت لزيادة إنفاقها على المؤثرين خلال عام 2025م، بينما توقع 61% من المسوقين أن تزداد أهمية هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.

وفي الوقت نفسه، يقترب عدد مستمعي «بودكاست» حول العالم من 584 مليون مستمع، ويقدر حجم سوقه بنحو 39.6 مليار دولار، هذه ليست مجرد أرقام اقتصادية، وإنما مؤشرات واضحة إلى أين تتجه عقول الشباب، وأين تخاض معركة التأثير الحقيقية في القرن الحادي والعشرين.

سوق واعدة

ولعل المفاجأة الأكبر أن قطاع الإعلام القيمي الترفيهي نفسه لم يعد قطاعاً هامشياً كما يتصور البعض، بل أصبح أحد أسرع قطاعات الصناعات الإبداعية نمواً في العالم.

فبحسب تقارير «Future Market Insights»، و«Fortune Business Insights»، يتراوح حجم سوق الترفيه التعليمي والإعلام القيمي عالمياً بين 6.5 و13.5 مليار دولار، مع توقعات بتجاوز حاجز 50 مليار دولار بحلول عام 2035م.

كما تشير تقديرات مؤسسات بحثية متخصصة إلى أن سوق الترفيه التعليمي (Edutainment) ستنمو من 6.54 مليارات دولار إلى أكثر من 14.3 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 10%.

أما اللافت حقاً، أن الأطفال والنشء يمثلون أكثر من 42% من إجمالي إيرادات هذا القطاع، وفقاً لتلك الدراسات؛ ما يعني أن المعركة الاقتصادية الكبرى تدور أساساً حول الجيل الجديد.

وتكشف خارطة السوق العالمية أن أمريكا الشمالية تستحوذ وحدها على نحو 40% من حجم هذا القطاع، فيما تقود منطقة آسيا والمحيط الهادئ أعلى معدلات النمو، مدفوعة باستثمارات ضخمة في التعليم الرقمي والألعاب التفاعلية.

جيل مختلف

هذه الأرقام، في رأي د. رضا عبدالواجد، عميد كلية الإعلام بجامعة الأزهر، ليست مفاجئة؛ لأن الجيل الجديد يتعامل مع المحتوى بطريقة مختلفة تماماً عن الأجيال السابقة.

ويؤكد لـ«المجتمع» أن الإعلام القيمي الحديث لم يعد قائماً على التلقين المباشر، وإنما على المزج بين المتعة والرسالة، موضحاً أن الرسوم المتحركة والألعاب الرقمية و«بودكاست» والمنصات التفاعلية أصبحت أدوات رئيسة في تشكيل وعي الأطفال والشباب.

«جيل زد» لن يهرب من الشاشات لكنه قد يختار البديل الأفضل إذا وجد من يستثمر فيه

ويضيف أن العالم يتجه اليوم نحو ما يمكن تسميته بـ«صناعة التأثير»، حيث لم تعد القيمة الحقيقية فيما يقال فقط، بل في الطريقة التي يقدم بها، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تضخ في هذا القطاع عالمياً.

ويحذر عبدالواجد من أن الاقتصار على الخطاب التقليدي وحده لم يعد كافياً في عصر يتعرض فيه الشباب يومياً لآلاف الرسائل الإعلامية القادمة من مختلف أنحاء العالم.

أرقام مؤثرة

لغة الدراسات تؤكد هذا التحول، فوفق دراسة نشرتها «Harvard Business Review»، يرى 88% من المستهلكين أن المصداقية العامل الأهم في متابعة المؤثرين، بينما يعتقد نحو ثلث المشاركين أن كثيراً من المؤثرين يمارسون قدراً من التضليل التسويقي.

وفي عالم الألعاب الرقمية، تستحوذ الألعاب التعليمية والهادفة على نحو 47% من سوق الترفيه التعليمية العالمية، بينما تجاوز حجم سوق الألعاب التعليمية والقيمية أكثر من 11 مليار دولار، مع معدلات نمو سنوية تتجاوز 19%.

كما تشير دراسات علمية إلى أن الألعاب التفاعلية الهادفة ترفع من معدلات استيعاب القيم والمهارات السلوكية بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالوسائل التقليدية، بفضل اعتمادها على المشاركة واتخاذ القرار بدلاً من التلقي السلبي.

أما «بودكاست»، الذي كان حتى سنوات قليلة مجرد وسيلة إعلامية محدودة الانتشار، فقد تحول إلى صناعة كاملة؛ إذ تجاوز الإنفاق الإعلاني المرتبط به 4.4 مليارات دولار عالمياً، مع ارتفاع مستمر في أعداد المتابعين.

نماذج ناجحة

وترى د. أمل السيد، رئيسة قسم الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن العالم العربي يمتلك بالفعل نماذج تؤكد إمكانية الجمع بين الرسالة والنجاح الجماهيري.

وتقول لـ«المجتمع»: إن عدداً من التجارب استطاع أن يثبت أن المحتوى القيمي ليس بالضرورة محتوى نخبوياً أو محدود الانتشار، بل يمكن أن يتحول إلى منتج جماهيري واسع التأثير إذا توافرت له الجودة والاحترافية.

وتشير إلى تجربة «فنجان» السعودية بوصفها واحدة من أبرز نماذج «البودكاست» العربي؛ إذ تجاوز إجمالي مشاهداته واستماعاته 375 مليوناً، بينما دخلت إحدى حلقاته موسوعة «غينيس» بعدما حققت أكثر من 120 مليون مشاهدة.

كما تلفت د. السيد إلى نجاح تجارب الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال، التي قدمت القيم والهوية العربية في قوالب ترفيهية جذابة، مؤكدة أن المنافسة لم تعد بين المحتوى الجاد والمحتوى الترفيهي، بل بين المحتوى الجيد والمحتوى الرديء.

استثمار ذكي

ولا تتوقف الفرص عند حدود «بودكاست» أو رسوم متحركة، فوفق تقرير «IMARC Group» بلغ حجم سوق تكنولوجيا التعليم في الشرق الأوسط نحو 12.3 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعه إلى 27.3 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

كما تتوقع تقارير «Research and Markets» أن يصل حجم سوق التعلم الإلكتروني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو 35.7 مليار دولار، مدفوعاً بالتحول الرقمي المتسارع وارتفاع أعداد المستخدمين الشباب.

وفي السياق نفسه، يتوقع تقرير «Mordor Intelligence» أن يصل حجم سوق الإعلام والترفيه في الشرق الأوسط إلى أكثر من 76 مليار دولار، وهو ما يفتح الباب أمام دمج التعليم والقيم والترفيه داخل منتجات رقمية قادرة على المنافسة وتحقيق العائد الاقتصادي.

وقد نجحت بالفعل منصات عربية مثل «نون أكاديمي» و«ألف للتعليم» و«إدراك» و«لمسة» و«عصافير» في جذب ملايين المستخدمين، والحصول على استثمارات وتمويلات كبيرة، مستفيدة من الجمع بين التعليم والتفاعل والألعاب الرقمية.

فجوة قائمة

ورغم هذه المؤشرات الواعدة، لا تزال هناك فجوة واضحة بين حجم السوق وحجم الاستثمارات الموجهة إلى المحتوى القيمي العربي؛ فالمراصد الإعلامية تشير إلى أن أقل من 15% من الشركات الكبرى توجه جزءاً من ميزانياتها الإعلانية إلى المنصات والقنوات القيمية المتخصصة، فيما تعرضت نسبة ملحوظة من المشاريع الإعلامية الهادفة خلال السنوات الماضية للتعثر أو الإغلاق بسبب ضعف التسويق وغياب النماذج الاقتصادية المستدامة.

وهنا تبدو المشكلة الحقيقية؛ فالفكرة موجودة، والجمهور موجود، والسوق موجودة، لكن الاستثمار ما زال أقل من الإمكانات المتاحة بكثير.

فرصة تاريخية

قبل أكثر من 15 عاماً، أوصت ندوة «الإعلام القيمي بين الفكر والتجربة» التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية -آنذاك- بضرورة إشراك القطاع الخاص ورجال الأعمال في تمويل الإعلام القيمي وتطوير أدواته والاستفادة من التقنيات الحديثة لضمان استمراره وقدرته على المنافسة.

الاستثمار في الإعلام الهادف استثمار مباشر في الإنسان والهوية ومستقبل المجتمع كله

وبعد مرور كل هذه السنوات، تبدو تلك التوصيات أكثر راهنية من أي وقت مضى، فالمتوقع أن تصل إيرادات صناعة الإعلام والترفيه عالمياً إلى ما بين 2.1 و2.6 تريليون دولار بحلول عام 2030م، وأن تمثل الإيرادات الرقمية أكثر من 60% من إجمالي السوق.

وفي عالم تتنافس فيه الشركات على كسب دقائق من انتباه الشباب، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نكتفي بالشكوى من المحتوى الهابط، أم ندخل المنافسة بصناعة محتوى أكثر جودة وجاذبية؟

الحقيقة التي تؤكدها الأرقام أن «جيل زد» لن يهرب من الشاشات، ولن يتوقف عن استهلاك المحتوى الرقمي، لكنه قد يختار البديل الأفضل إذا وجد من يستثمر فيه بالقدر نفسه من الاحترافية والذكاء والإبداع، وهنا تحديداً لا يصبح الاستثمار في الإعلام الهادف عملاً خيرياً أو ترفاً ثقافياً، وإنما استثمار مباشر في الإنسان، وفي الهوية، وفي مستقبل المجتمع كله.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة