نَحْوُ النَّصِيرِ وَبَلاغَةُ التَّبْشِيرِ (2)

حقيقة الاستخلاف بين ثنايا اللسان وتقلبات التاريخ

حقيقة الاستخلاف بين ثنايا اللسان وتقلبات التاريخ

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، وقفنا في محراب الكلمة لنرسم خارطة طريق لغوية؛ بحثنا فيها عن إعراب العزة وسط ركام الانكسار، وتأملنا كيف يمنح مقام الرفع لغةً السيادةَ لأمة الحق واقعاً، ثم جاء حديثنا منصباً على قطعية الاستخلاف من خلال نون التوكيد وثبات الجملة القرآنية، لنؤكد أن الاستضعاف ليس قدراً أبدياً، بل هو عارضٌ لغويٌّ وبشريٌّ يزول بفاعلية الإيمان.

واليوم نتأمل كيف ارتبط التمكين بمقصد «الارتضاء»، وكيف صار الأمن ثمرةً طبيعية لشرط العبودية.

إنها دعوة لاستكمال رحلة الوعي والبيان، لنفهم أن نحو التمكين ليس مجرد استبدال قوى بقوى، بل هو إحلالٌ لمنهج ارتضاه الله محلَّ مناهجَ أرهقت البشرية بصراعات الهوى والمصالح الضيقة.

مقاصد «الارتضاء» وعلاقة السكينة بالأرض

إن التمكين في الأرض ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق غاية أسمى وهي إقامة شرع الله ونشر العدل بين الخلق، يقول تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: 55)؛ فاستخدام صفة «الارتضاء» هنا يشير إلى أن هذا الدين هو صِمَامُ الأمان والسكينة للبشرية جمعاء؛ فالدين الذي ارتضاه الله هو الذي يضمن حقوق الضعيف، ويحمي مال اليتيم، ويؤمن الخائف في سربه، إن نحو التمكين مرتبط دائماً بمقصد «الارتضاء»، فإذا ضاع المنهج ضاع التمكين، وإذا استقام المنهج جاء النصر والسكينة ثمرة طبيعية لشجرة طيبة.

إن الأمة الإسلامية حين تستعيد سيادتها وتأمينها، فإنها لا تفعل ذلك لتسفك الدماء أو تنهب الثروات كما يفعل الطغاة اليوم، بل لتعيد للأرض توازنها المفقود وللإنسان كرامته المهدورة، إن بلاغة «الارتضاء» تقتضي أن نكون أهلاً لهذه المهمة العظيمة، بالتمسك بالقيم الأخلاقية التي هي روح لغتنا وديننا.

إننا نسعى نَحْوَ النَّصِيرِ لنكون أنصاراً للحق في كل مكان، ولننشر بشرى السلام والسكينة في عالم أرهقته صراعات الهوى والمصالح الضيقة الممقوتة، فكل حرف نكتبه، وكل كلمة ننطق بها، يجب أن تكون لبنة في صرح هذا المشروع الحضاري الكبير الذي يستمد نوره من مشكاة الوحي ومن أصالة التراث العربي العريق.

بلاغة «يُبَدِّلَنَّهُمْ» وتحول الحال من الخوف إلى الأمن

من أروع بدائع النحو والبلاغة في آيات التمكين قوله تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: 55)، إن الفعل «يُبَدِّل» هنا يحمل في طياته معنى التحول الجذري والكامل؛ فالأمة التي تعيش اليوم في دوامة موَّارة من الخوف والترقب بسبب الحروب الدائرة، موعودة بتبديل هذه الحال إلى أمن تام وشامل.

إن التنكير في كلمة «أَمْناً» يفيد التعظيم، فهو ليس أي أمن، بل هو أمن يملأ النفوس والبيوت والشوارع، أمن لا يخالطه رعب ولا تهديد، هذا التبديل هو القلب النحويُّ لموازين القوى؛ حيث تنتهي معاناة المكلومين لتبدأ أيام الفرح والسعادة ولحظات السكينة والرغادة.

إن بلاغة التبشير هنا تخاطب كل مسلم يشعر بالخوف على مستقبله أو مستقبل أبنائه في ظل الأزمات الراهنة، فالله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض قادر على قلب الموازين في لحظة واحدة، كما أنشد الشاعر المصري السكندري عبداللطيف الصيرفي (ت 1904م):

مَا بَينَ غَمْضَةِ عَينٍ وَاِنْتِبَاهَتِهَا      يُغَيِّرُ اللَهُ مِنْ عُسْرٍ إِلى يُسْرِ

إن نحو النصير يبشرنا بأن دوام الحال من المحال، ومن ضره زمن سرَّته أزمان، وأن سُنة الله في التبديل قادمة لا محالة، إن هذا الأمن الموعود هو حق لكل من صمد وصبر، وهو الثمرة المرجوة من كل قطرة عرق ودم بذلت في سبيل إعلاء كلمة الله وصيانة كرامة الأمة.

إننا ننتظر هذا الفجر الجديد بيقين لا يتزعزع، مستمسكين بحبل الله المتين وبلاغة كتابه المبين.

مقام «يَعْبُدُونَنِي» وشرط العبودية في صيانة النصير

يأتي ختام آية التمكين بجملة حالية عظيمة الشأن: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)؛ إن هذه الجملة هي نحوُ النصير الذي يربط بين العطاء الإلهي والاستجابة البشرية؛ فالتمكين والاستخلاف والأمن منح ربانية، لكنَّ لها ثمناً وميثاقاً، وهو إخلاص العبادة لله تعالى وحده، حيث إن بلاغة النفي في قوله: (لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) تؤكد ضرورة تجريد التوحيد من كل شائبة؛ فلا نرجو نصراً من شرق ولا غرب، ولا نعتمد على قوة مادية غافلين عن مسبب الأسباب، فالعبودية الحقة هي التي تمنحنا القوة لمواجهة أعتى الترسانات العسكرية، وهي التي تبث السكينة في قلوبنا حين تشتد الخطوب.

إن التبشير بالنصر مرتبط دائماً بمدى تمسكنا بهذا الشرط؛ فالأمة التي توحِّد ربها، وتخلص له عملها، هي الأمة التي لا تُهزم أبداً.

إن نحو التمكين يقتضي منا مراجعة أنفسنا وتصحيح علاقتنا بخالقنا؛ ليكون نصرنا نصراً ربانياً خالصاً، فالعبودية لله قمة الحرية من عبودية الخلق، وهي الحصن الحصين الذي يحمينا من كيد الكائدين ومكر الماكرين، فكلما ازداد المسلم قرباً من ربه، ازداد يقيناً ببشرى التمكين، وازدادت السكينة في قلبه مهما كانت العواصف من حوله شديدة.

إننا في هذا المقام ندعو كل مسلم إلى التمسك بعروة التوحيد التي لا انفصام لها؛ فهي المفتاح لكل خير، والدرع المتين في وجه كل شر.

نحو الفضل ونسبة النصير لمسبب الأسباب

إن البلاغيّ النابه يدرك جيداً أن تمام النعمة يكون في الاعتراف بالمنعم؛ فبعد أن يتحقق التمكين ويأتي الأمن، يجب ألا ينسب الفضل لغير الله لقوله تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (آل عمران: 126)؛ فهو أسلوب حصر وقصر يقطع الطريق على كل غرور قد يتسرب إلى النفوس، فنحو النصير يعلمنا التواضع في ساعة النصر كما علمنا الصبر في ساعة البلاء؛ فكل تسديد في الرمي، وكل توفيق في الرأي، وكل نجاح في الميدان، هو بفضل الله ومنته، هذه النسبة هي التي تحفظ النصر من الانتكاس، وتجعل الأمة دائماً في حالة وصْل واتصال بمصدر قوتها الحقيقي.

وبلاغة التبشير تكتمل حين نعلم أننا لسنا وحدنا في هذا الصراع، بل إن الله معنا بنصره وتأييده وتوفيقه ما دمنا معه بتقوانا وصالح عملنا، فالشعوب التي تنتصر بقوتها المادية فقط سرعان ما تطغى وتفسد في الأرض، أما الأمة التي تنتصر بفضل الله وبمنهجه، فهي التي تبني الحضارة وتنشر الرحمة.

إننا نؤكد في هذا المقال أن نَحْوَ الفضل جزء لا يتجزأ من هويتنا النحوية البيانية والروحية، فالحمد لله أولاً وآخراً، وله الفضل والمنة في كل فتح وتمكين، حيث إن هذا اليقين هو الذي يمنحنا السكينة الدائمة، فما دام النصر من عند الله، فلا خوف من كثرة الأعداء ولا من قوة سلاحهم؛ فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ميثاق الحرف وعهد التبشير

الاستخلاف ليس مجرد حلم بعيد أو أمنية عابرة، بل هو حقيقة نحوية وبلاغية وشرعية نراها في ثنايا الوحي وفي تقلبات التاريخ.

لقد حاولنا –وما زلنا- من خلال سلسلة نحو النصير وبلاغة التبشير أن نبث روح الأمل في قلوب المسلمين المتضررين والمكافحين في كل مكان، مؤكدين وموضحين أن قواعد اللغة العربية تعاضد قواعد الإيمان في التأكيد على حتمية النصر وضرورة السكينة، فالحرف العربي سيبقى دائماً شاهداً على عزة هذه الأمة، وسيبقى المداد الذي يخط به العلماء رسائل البشرى والتمكين.

والمعركة اليوم هي في جوهرها معركة وعي وبيان، ونحن بحاجة إلى استعادة «نَحْوِ الْمَوْقِفِ» الذي يجمع الكلمة، ويوحد الصفوف تحت راية الحق.

نعدكم في المقالات القادمة –بمشيئة الله- بمواصلة هذه الرحلة النحوية البيانية؛ لنسبر معاً أغوار بلاغة الصمود ونحو الثبات؛ حتى ينجلي غبار الحروب عن فجر صادق يبتسم فيه المسلمون ويفرحون –يومئذ- بنصر الله الذي ينصر من يشاء، فإلى ذلك الحين، فليثق كل مسلم مكلوم أن الله نصيره، وأن بشرى التمكين قاب قوسين أو أدنى، وليكن شعارناً دائماً: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)؛ فلن يغلب عسرٌ يُسرَيْنِ البتة.

دام المسلمون في عزة ومنعة وتمكين وأمن وأمان وطمأنينة وسكينة، ودامت لغتنا العربية منارة للحق والجمال والتبشير، بفضل الله ومنه وكرمه ورضوانه.

 


اقرأ في هذه السلسلة:

- إعراب العزة بين مقام الرفع وقطعية الاستخلاف 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة