«هرمز» يضغط على بطون السودانيين

خالد محمد علي

13 أبريل 2026

176

بينما تتعلق أنظار العالم بمستقبل الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران واحتمالات التصعيد العسكري مجدداً، يجد السودان نفسه الأكثر تأثرًا بتلك الحرب على الرغم من بُعد المسافات، حيث تتداخل عمليات مليشيا «الدعم السريع» مع تلك السهام الآتية من الحرب في الخليج، ومع إغلاق مضيق هرمز لمدة 40 يوماً وما ترتب على ذلك من اضطرابات، تفاقمت الضغوط وتحولت إلى خناق يضيق على رقاب الملايين من السودانيين، محولة حياة الشعب والأسر إلى جحيم على كافة الأصعدة.

تصاعد أزمة الغذاء والوقود

أدى التوتر المتصاعد في مضيق هرمز إلى اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما انعكس بشكل فوري وفادح على السودان، فالدولة التي تعاني من دمار بنيتها الصناعية بفعل الحرب الداخلية، باتت تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الأساسية.

وتفاقمت أزمة الوقود بشكل غير مسبوق؛ إذ يحتاج السودان إلى نحو 200 مليون دولار شهريًا لتأمين المشتقات النفطية، ومع قفز تكاليف الشحن والتأمين نتيجة الأخطار الأمنية في الممرات المائية، شهدت أسعار المحروقات زيادات فلكية، هذا الارتفاع لم يتوقف عند محطات الوقود، بل انتقل أثره كالنار في الهشيم ليشل قطاعات النقل والإنتاج الزراعي، لا سيما في الولايات الإستراتيجية كالجزيرة والقضارف؛ ما هدد بفشل المواسم الزراعية التي تمثل طوق النجاة الأخير للبلاد.

في المقابل، قفزت أسعار الغذاء إلى مستويات قياسية، لتصبح السلع الأساسية ترفًا لا تدركه أيدي 90% من السكان الذين سحقت قدرتهم الشرائية تحت وطأة التضخم وانهيار العملة المحلية.

أزمة إنسانية كبرى

على هامش الانشغال الدولي بالصراع في الخليج، تتشكل في السودان أزمة إنسانية كبرى تتجاوز في بشاعتها الأرقام الرسمية، وبينما تركز وسائل الإعلام العالمية على تحركات الأساطيل في إيران ودول الخليج، تفشت المجاعة في بؤر النزاع السودانية بعيدًا عن الأضواء.

الحديث عن الجوع في السودان تجاوز بمراحل عتبة الـ8 ملايين جائع التي حذرت منها المنظمات الدولية؛ إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن هناك مناطق شاسعة باتت معزولة تمامًا عن أي إمدادات غذائية، وإن تحول الاهتمام الدولي نحو منطقة الخليج لم يسرق الدعم المالي فحسب، بل سرق الاهتمام السياسي اللازم للضغط من أجل إنهاء الحرب السودانية؛ ما ترك ملايين المدنيين يواجهون مصيرهم أمام شبح الموت جوعًا.

النساء والأطفال على حافة الموت

ظهر الأثر المباشر للصراع الإقليمي بشكل مفزع على صحة النساء والأطفال، فمع تباطؤ سلاسل الإمداد الطبية، تراجعت قدرة المنظمات الإغاثية على الوصول إلى مخيمات النزوح المكتظة، حيث يتحمل الأطفال والنساء العبء الأكبر في هذه الحرب التي أشعلتها قوات «الدعم السريع» ضد الجيش السوداني، وتضاعفت نسب وفيات الأطفال نتيجة نقص المواد الغذائية العلاجية وانتشار الأوبئة.

وفي شهادة صادمة من قلب المعاناة، أشار د. أحمد الطيب، العامل في مخيم زمزم للنازحين، خلال حديثه لـ«المجتمع»، إلى أن معدلات وفيات الأمهات أثناء الولادة سجلت ارتفاعًا مخيفًا، ويرجع ذلك إلى غياب الاشتراطات الصحية ونقص الأطباء والمستلزمات الطبية الضرورية التي كانت تصل عبر الموانئ المتأثرة بالأزمة، والتقديرات تشير إلى أن نحو 80% من النساء في مناطق النزاع يلدن الآن في ظروف غير آمنة؛ ما يجعل كل عملية ولادة مشروع موت محتمل للأم والجنين معًا، في ظل انقطاع الأدوية المنقذة للحياة.

دول الجوار وإغلاق الحدود

أصبح السودان مسرحًا لأكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، بوجود أكثر من 11 مليون نازح، فضلاً عن قيام دول الجوار بتشديد إجراءاتها الحدودية خشية تمدد الصراع؛ ما أغلق منافذ الهروب أمام عشرات الآلاف من المدنيين العالقين بين نيران المتمردين وحدود مغلقة.

هذا الحصار الجغرافي والاجتماعي هيأ البيئة لانتشار الجريمة المنظمة وعمليات النهب المسلح، فقد تحولت بعض المناطق المعزولة إلى مراكز لتهريب السلاح والمخدرات؛ ما يعمق الأزمة الأمنية ويجعل من استعادة الاستقرار في المستقبل مهمة شبه مستحيلة، في ظل انهيار مؤسسات الدولة وغياب الرقابة.

الاحتمال الأسوأ

يمثل مضيقا هرمز وباب المندب الرئتين اللتين يتنفس منهما الاقتصاد السوداني، وأي اضطراب فيهما مجدداً سيترجم فورًا إلى اختناق في الداخل السوداني، وينعكس ذلك في:

1- إغلاق مضيق هرمز يعني انقطاع إمدادات الوقود والأسمدة الحيوية القادمة من دول الخليج، وهو ما يضرب قلب القطاع الزراعي السوداني.

2- باب المندب يمثل التهديد الأكبر، لكونه الممر الوحيد المؤدي إلى ميناء بورتسودان، المنفذ البحري الأوحد للبلاد، وأي تعطيل في هذا الممر يعني تحويل السودان إلى سجن كبير معزول عن الدواء والغذاء والمساعدات الدولية.

وحتى دون إغلاق كامل، فإن مجرد حالة التصعيد العسكري أدت إلى قفزات في رسوم التأمين البحري؛ ما جعل تكلفة استيراد الطن الواحد من القمح أو الدواء تفوق القدرة المالية للحكومة والمنظمات الإنسانية على حد سواء.

الانهيار الشامل

يحذر الخبراء من أن اشتعال الصراع الإقليمي مرة ثانية قد يقود السودان إلى انهيار شامل لا يمكن الرجوع عنه، في هذا السيناريو الكارثي، ستتوقف الإمدادات بالكامل؛ ما سيؤدي إلى تلاشي ما تبقى من مخزون السلع في الأسواق، وانتشار أوبئة فتاكة نتيجة توقف سلاسل التبريد الخاصة باللقاحات والأدوية بسبب انقطاع الوقود.

على المستوي العسكري، من المتوقع أن تتعمد القوات المتمردة والمرتزقة إلى نهب ما تبقى من مخازن الغذاء في مخيمات النازحين؛ ما سيحول مناطق النزاع إلى ساحات حرب من أجل البقاء.

واجتماعيًا، ستندفع موجات نزوح بشرية يائسة نحو حدود دول الجوار؛ ما قد يؤدي إلى فوضى إقليمية غير مسبوقة.

ويجمع المحللون على أن السودان هو الضحية غير المرئية والأكثر تأثرًا بتداعيات الصراع الأمريكي الإيراني، فبينما ينشغل العالم بحسابات القوى العظمى في الخليج، تذوي قوافل الإغاثة السودانية، وتتلاشى المساعدات الخليجية نتيجة انشغال تلك الدول بأمنها القومي وأسواق الطاقة.

إن تهميش الأزمة السودانية في الأجندة الدولية لصالح ملفات إقليمية أخرى لا يعني سوى شيء واحد وهو زيادة وتيرة الوفيات بين النساء والأطفال، واستمرار رعب الجوع الذي بات ينهش جسد السودان في صمت مطبق.



اقرأ أيضاً:

الأسر السودانية في اختبار «الطينة»

الذهب.. حصن السودانيين في مواجهة الجوع

كيف تهدد الحرب الإيرانية غذاء العالم؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة